“العملة الموحدة ساهمت في خفض الرواتب على مستوى القارة وضربت العمال في الاقتصاد الأهم بشكل أكثر عنفا.”

النقاشات التي تتناول أزمة الديون اليونانية تعتمد كلها تقريبا على مسرحية أخلاقية، يمكن أن نطلق عليها اسم اليونان الشقية تواجه أوروبا النبيلة. هؤلاء اليونانيون مثيرو المشاكل لم ينتموا قط إلى الاتحاد الأوروبي، تلك المقولة هي السائدة عند تناول القصة. بمجرد دخولهم إلى الاتحاد ورطوا أنفسهم في فوضى كبيرة والآن على أوروبا أن تعالج الأمر.

تلك هي الفرضيات الأساسية التي يتفق عليها جميع السادة الحكماء. اليمينيون يذهبون إلى القول أنه على اليونان العاجزة أن تقبل الصفقة الأوروبية أو تخرج من العملة الموحدة. بينما الأكثر ليبرالية، بعد الهمهمة والتنحنح والسعال وربما البصق سيطالبون أوروبا بإظهار المزيد من الشفقة تجاه الجارة الجنوبية المفلسة.

بصرف النظر عن الحل المقترح فإن السادة الحكماء يتفقون على المشكلة: الأمر كله خطأ أثينا وليس بروكسل. نعم، هؤلاء اليونانيون المزعجون! هذا هو الموقف الذي تشمه في الانتقادات التي توجهها مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد إلى حكومة سيريزا حول كونهم غير ناضجين كفاية. هذا أيضا هو ما يعطي الصحافة الألمانية الحق في تصوير وزير مالية اليونان يانس فاروفاكيس كشخص يحتاج إلى مساعدة نفسية.

هناك مشكلة واحدة في تلك القصة، أنها مثل كل الحكايات الأخلاقية تنهار عند محاولة تطبيقها على الواقع القاسي. أُثينا هي مجرد الظهور الأسوأ لمرض أكبر بكثير داخل المشروع الأوروبي. فبالنسبة للمواطن الأوروبي العادي من وادي روهر إلى روما فإن العملة الموحدة لا تعمل.

عندما أقول هذا، أنا لا أتجاهل الفساد المزمن والتهرب الضريبي الموجود في اليونان (وهو بالمناسبة نفس موقف حركة سيريزا التي وصلت إلى السلطة بعد حملة موجهة ضد نفس القضايا). ما أدعيه هو أمر أكثر بساطة: المشروع الأوروبي لم يفشل فقط في تنفيذ الوعود التي قطعها مؤسسوه، ولكنه قام بفعل العكس تماما. ما حدث هو تآكل لمستوى معيشة الفرد الأوروبي العادي. وكما سنرى لاحقا فإن هذا ينطبق أيضا على من يعيش في الاقتصاد رقم واحد في القارة، ألمانيا.

أولاً دعونا نذكر أنفسنا بالتعهدات النبيلة التي قطعها المشروع الأوروبي. لنتذكر تلك المقاطع المصورة القديمة التي جمعت المستشار الألماني هيلموت شميدت والرئيس الفرنسي جيسكارد ديستانج وهم يضعون أساسات التوحيد الكبير لأوروبا. لنذكر أنفسنا قبل كل شيء بمشاعر المؤمنين الحقيقيين بالمشروع. خذ ما قاله وزير المالية في ألمانيا أوسكار لافونتان عشية إطلاق عملة اليورو على سبيل المثال. قال وقتها: “إن الوصول إلى أوروبا موحدة سيتم عن طريق التوحيد التدريجي لمستويات المعيشة في القارة وتعميق الديموقراطية وازدهار الثقافة الأوروبية الحقيقية”.

يمكننا اقتباس الآلاف من المقولات التي تتحدث عن اليورو بشكل شاعري أيضا، ولكن هذا الاقتباس من  لافونتان يظهر إلى أي مدى فشل مشروع العملة الموحدة. فبدلا من ارتفاع مستوى المعيشة على مستوى القارة، فإن الاتحاد النقدي يأخذها للهبوط. وبدلا من تعميق الديموقراطية يقوم بتقويضها. وفيما يتعلق بـ”الثقافة الأوروبية الحقيقية”، فعندما يتهم الصحفيون الألمان الوزراء اليونانيين بالذهان، فإن تلك الوحدة الأسطورية للأمم الأوروبية مازالت أبعد ما تكون عن التحقق.

من بين هذه الادعاءات الثلاثة فإن الأول هو الأكثر أهمية لأنه يمكنه شرح كيف تم تقويض الاتحاد بالكامل. لتوضيح ما حدث لمستوى معيشة المواطن الأوروبي العادي، سنستعرض الورقة البحثية الاستثنائية التي نُشرت هذا العام وشارك فيها كل من هينر فلاسبيك المدير الاقتصادي السابق لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية وكوستاس لابافيتساس أستاذ الاقتصاد في جامعة سواس بلندن والذي أصبح عضوا في البرلمان اليوناني عن حزب سيريزا.

على عكس ما تقوله الترويكا الأوروبية نشر الباحثان الألماني واليوناني رسما بيانيا ينسف فكرة أن اليورو ساعد على رفع مستويات المعيشة. ما نظر إليه الباحثان هو تكلفة وحدة العمل، بمعنى تكلفة دفع رواتب للعاملين لإنتاج وحدة واحدة، ولتكن جهازا صغيرا أو وحدة من نظام تشغيل. وقام الباحثان برصد تكلفة وحدة العمل عبر منطقة اليورو منذ عام 1999 وحتى 2013. ما وجدوه هو أن العمال الألمان تقريبا لم يشهدوا أي ارتفاع في رواتبهم على مدى 14 عاما. وخلال عمر منطقة اليورو القصير حصل العاملون الألمان على رواتب أسوأ من الفرنسيين والإيطاليين والنمساويين وآخرين في أنحاء مختلفة من جنوب أوروبا.

نعم، نحن نتحدث عن نفس البلد الذي تعرفونه، ألمانيا. أعظم اقتصاد في القارة والبلد التي ينظر إليها الجميع بحسد حتى ديفيد كاميرون. وعلى الرغم من ذلك فإن العاملين لجعل تلك البلد أكثر ازدهارا لم يحصلوا على أي مكافآت على جهودهم تقريبا. وهذا هو النموذج الذي يرغبون في تطبيقه على مستوى القارة بأسرها.

ربما تتخيل ألمانيا كأمة من ذوي المهارات العالية والأجور المرتفعة الذين يعملون في مصانع براقة. اتحادات العمل والأيدي العاملة التي تتخيلها مازالت موجودة ولكنها تتآكل بسرعة شديدة. وطبقا لجيرهارد بوش الخبير الأهم في عدم المساواة في ألمانيا فإن ما يحل محل تلك الصورة هي الوظائف الرديئة. وقد ارتفعت معدلات العمالة التي تتقاضى رواتب منخفضة بشكل كبير لتصل إلى مستويات قريبة من نظيرتها في الولايات المتحدة بحسب بوش.

لا يمكن لوم منطقة اليورو على ما حدث في ألمانيا. يمكن القاء اللوم على الأفول البطيء لاتحادات العمل الألمانية واتجاه الشركات إلى توظيف العمالة الرخيصة في شرق أوروبا. لكن يمكنك لوم العملة الوحدة على جعل مشكلات الرواتب المنخفضة في ألمانيا تدمر قارة بأكملها.

العمال في فرنسا وايطاليا وإسبانيا وباقي منطقة اليورو يخسرون وظائفهم بسبب ثبات الرواتب غير المعقول في الدولة الكبيرة الموجودة في وسط القارة. وهو ما يطلق عليه فلاسبيك ولابافيتساس سياسة “تسول من جارك” ولكن بعد أن تتسول من أبناء بلدك أولاً.

خلال القرن الأخير كان يمكن لبعض الدول في منطقة اليورو أن تكون أكثر تنافسية من خلال تخفيض قيمة عملتها الوطنية كما فعلت المملكة المتحدة بعد الانهيار البنكي. ولكن بما أن الجميع أصبحوا أعضاء في نفس النادي فإن الحل الوحيد لما بعد الانهيار هو دفع رواتب أقل للعمال.

هذا هو ما تقوله المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي (الترويكا) لليونان بشكل صريح: تخلصوا من العمالة الزائدة وادفعوا للباقين في وظائفهم رواتب أقل بكثير واقتطعوا الحصة الأكبر من معاشات التقاعد. الأمر لا يسري على اليونان فقط. ففي كل اجتماع للسادة الحكماء في بروكسل وستراسبورج يخرجون تقريبا بنفس البيان الذي يتحدث عن “إصلاح” سوق العمل وتوقعات الضمان الاجتماعي على مستوى القارة. وهو ما يعتبر دعوة – لا تحتاج الكثير لفهمها –  للهجوم على مستوى معيشة المواطنين العاديين. هذا هو ما تحول إليه المشروع الأوروبي النبيل، مسيرة بائسة نحو القاع. الأمر لا يتعلق بديمقراطية أكثر عمقا ولكن بأسواق أكثر عمقا ومع الوقت يصبح الأمران غير قابلين للتحقق معا. المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لا تجد غضاضة في التدخل في الشؤون الديموقراطية للبلدان الأوروبية الأخرى، سواء بتحذير اليونانيين بشكل غير مباشر من التصويت لحزب سيريزا أو إجبار رئيس الوزراء الأسباني الاشتراكي خوسيه لويس رودرجيز ثباتيرو على مخالفة وعوده تجاه الإنفاق الحكومي والتي أمنت له الفوز في الانتخابات.

الضربات الدبلوماسية الموجهة إلى سيريزا منذ وصوله إلى الحكم هذا العام لا يمكن فهمها إلا من خلال محاولة أوروبا ضرب مثال أمام المصوتين الأسبان الذين يفكرون في دعم الحركة التوأم لسيريزا في أسبانيا بوديموس. الرسالة تقول، اذهب إلى أقصى اليسار وستتلقى نفس المعاملة.

أيا كانت المُثل التي أسست منطقة اليورو فإنها لا تتماشى مع الواقع البائس في 2015. نحن نشهد ثورة تاتشر أو ريجان مجددا ولكن على مستوى قارة بأكملها. وكما كان الحال آنذاك فإنها مصحوبة بفكرة عدم وجود بديل سواء لطريقة إدارة الاقتصاد أو حتى لطبيعة الحكومة التي يختارها المصوتون.

إن حقيقة أن هذا العرض بأكمله يديره مجموعة من الحكماء مقبولي المظهر الذين يدّعون باستمرار أنهم اشتراكيون ديمقراطيون لا تجعل المشروع أكثر لطفا أو قبولا. لكنها تضفي لمحة رديئة من النفاق على الأمر كله.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد