فيلم توم هانكس الجديد عن الحرب العالمية الثانية، يقدم رواية درامية عن «المعركة من أجل المحيط الأطلسي».

كتبت الصحافية ميلان سولي تقريرًا في مجلة «سميثسونيان» حول فيلم Greyhound، المقرر طرحه للعرض يوم العاشر من يوليو (تموز) على تليفزيون «أبل تي في+»، لتوضح الفاصل بين الحقيقة عن الخيال، في الفيلم الذي يحكي قصة معركة شديدة الأهمية، لولا أن طغت عليها اشتباكات أخرى، في الحرب العالمية الثانية.

تستهل الكاتبة عرضها قائلة: على الرغم من أنها كانت أطول حملة عسكرية في الحرب العالمية الثانية، فإن «معركة الأطلسي» – التي استمرت ست سنوات من أجل السيطرة على المحيط الذي يحمل الاسم نفسه – غالبًا ما تتوارى في ظل اشتباكات أخرى جرت على مسرحَيْ العمليات الأوروبي والهادئ.

فصل من التاريخ البحري طواه التجاهل

«إنها ليست أكثر الحملات سحرًا. بل كانت معركة الأطلسي باردة ومملة ورتيبة وبائسة»، على حد وصف فرانك بلازيك، أمين المتحف الوطني للتاريخ العسكري في معهد سميثسونيان.

هذا الفصل الذي لطالما طواه التجاهل في التاريخ البحري، هو ما يسلط عليه فيلم توم هانكس الأخير الضوء، مستفيدًا من النجاحات التي أحرزتها الأعمال الفنية السابقة عن الحرب العالمية الثانية، ولعل أبرزها فيلم «إنقاذ الجندي رايان» ومسلسل «عصبة الأخوة» لتقديم عمل درامي يثير مشاعر الخوف من الأماكن المغلقة، وهو يعرض معركةً تدور رحاها بين سفن الحلفاء والغواصات الألمانية.

تستعرض الكاتبة فيما يلي المعلومات التاريخية التي تحتاج إلى معرفتها لكي تفصل الحقيقة عن الخيال، قبل العرض الأول للفيلم:

هل يستند فيلم Greyhound إلى قصة حقيقية؟

الإجابة المختصرة التي تقدمها الكاتبة هي: لا. فكما يذكر المقطع الدعائي، يستلهم فيلم Greyhound أحداثه من وقائع فعلية، ولكنه لا يستند إليها مباشرة. واقتبس هانكس، الذي يؤدي دور قائد البحرية الأمريكية إرنست كروز، السيناريو بعد تعديله من رواية «سي. أس فوريستر» الصادرة عام 1955، والتي تحمل عنوان «الراعي الطيب». ورغم أن كتاب فوريستر خيالي، فإن مادته تستند إلى بحث متعمِّق، وكان موضع إشادة بفضل تصويره الدقيق للحرب البحرية.

Greyhound.. ماذا يعني اسم الفيلم؟

اسم Greyhound – تعني سلوقي – هو كنية السفينة الحربية الأمريكية، «يو أس أس كيلنج»، وهي المدمرة التي قادها كروز. ويروي الفيلم – الذي تقع أحداثه في شتاء عام 1942 – حكاية ضابط (هانكس) رُقِّي حديثًا، وكُلِّفَ بقيادة أول قافلة عبر الأطلسي، عبر شريط مائي يعرف باسم «الحفرة السوداء». ووفقًا للوصف الرسمي للفيلم، يتعين على كروز حماية أسطوله من الغواصات الألمانية على مدار خمسة أيام بدون غطاء جوي. وفي قالبٍ سينمائي حقيقي، يخوض القبطان حربًا مزدوجة، ليس فقط ضد عدوه العسكري، بل أيضًا ضد شياطينه النفسية وشكوكه الداخلية.

يقول بحار جديد لكروز في العرض الترويجي: «ما فعلتَه بالأمس؛ هو ما أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم».

فيجيب القبطان: «إنه ليس كافيًا، ليس قريبًا حتى من الكفاية».

ما الأحداث الحقيقية التي حوَّلها فيلم Greyhound إلى دراما؟

تجري أحداث فيلم Greyhound في لحظة حاسمة أثناء معركة الأطلسي، التي بدأت في سبتمبر (أيلول) 1939 ولم تنته إلا باستسلام الألمان في 8 مايو (أيار) 1945. وكما يوضح بلازيك، كان الصراع يركز في الأساس على الإمدادات: فالمملكة المتحدة بصفتها دولة جزرية (بلد تتكون أراضيه من جزيرة واحدة أو أكثر) تحتاج إلى تدفق منتظم من السلع والمواد الخام المستوردة، التي يأتي معظمها من الولايات المتحدة. كذلك كان الاتحاد السوفيتي – الواقع تحت حصار العملية النازية «بارباروسا» (الاسم الكودي لعملية غزو قوات المحور للاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية) – في حاجة ماسة أيضًا إلى الغذاء والنفط وإمدادات أخرى أساسية، كانت تصل عبر الموانئ البحرية المطلة على المحيط المتجمد الشمالي.

حول أهمية هذه المعركة، كتب المؤرخ جيمس هولاند لمجلة «هيستوري إكسترا» قائلًا: «خسارة معركة الأطلسي؛ كانت تعني هزيمة بريطانيا. لم تكن لتحدث هناك حملة البحر الأبيض المتوسط، ولا يوم الإنزال في نورماندي، ولا يوم النصر في أوروبا، ولا يوم الانتصار على اليابان. كانت شبكة الإمدادات العالمية مترامية الأطراف التي يعتمد عليها الحلفاء… ستنقطع، وينقطع ومعها شريان الحياة».

Embed from Getty Images

الشيء الوحيد الذي أثار رعب تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية

ونستون تشرشل هو الذي صاغ عبارة «المعركة من أجل الأطلسي» في مارس (آذار) 1941، «وكان يقصد بذلك أن تكون صدى للمعركة من أجل بريطانيا؛ تأكيدًا لأهميتها»، وفقًا لمتحف الحرب الإمبراطوري البريطاني.

وفي وقت لاحق، قال رئيس الوزراء جملته الشهيرة: «الشيء الوحيد الذي أثار رعبي حقيقة أثناء الحرب كانت محنة الغواصات (U-boat، وهي اختصار لـunder sea boat)». (غير أنه من الجدير بالملاحظة أن المؤرخين المتأخرين (في العصر الحديث) شككوا منذ ذلك الحين في تعامل تشرشل مع حملة الأطلسي).

كانت استراتيجية الحلفاء الرئيسة لضمان وصول الشحنات بأمان إلى أوروبا هي: إرسال السفن التجارية في قوافل، أو مجموعات ترافقها السفن الحربية، والطيران، إذا كان ذلك ممكنًا. وعلى الرغم من أن هذا النهج أنقذ العديد من سفن الحلفاء من الدمار، فإن الكابوس اللوجستي المتمثل في تحريك 40 سفينة كوحدة متماسكة قلل إلى حد كبير من كفاءة الوحدات الفردية، ليتركها عرضة لفرق الصيد من الغواصات الألمانية، التي كانت تعرف باسم قطعان الذئاب.

الخلفية التاريخية لأحداث فيلم Greyhound

في السنوات المبكرة من المعركة، كانت ألمانيا تتمتع بالتفوق البحري، إذ كانت تصطاد بسهولة السفن التجارية التي لا تحظى بدفاع كافٍ، وإن تكبدت قواتها خسائر فادحة في الوقت ذاته. وبعد أن دخلت الولايات المتحدة الصراع في ديسمبر (كانون أول) 1941، أحرزت الغواصات نجاحًا كبيرًا قبالة الساحل الشرقي: بين يناير (كانون ثان) ويوليو (تموز) 1942، غرقت 90 سفينة (بينهم أربع غواصات) قبالة ساحل نورث كارولاينا، كما لقي أكثر من 100 بحار تجاري حتفهم، وفقًا لما يورده موقع Monitor National Marine Sanctuary. هذه الفترة الخافتة هي الخلفية التاريخية التي تقف وراء أحداث فيلم Greyhound، الذي يعلن المقطع الدعائي له أن «الشيء الوحيد الأكثر خطورة من خطوط القتال على الجبهة، هو: القتال للوصول إلى هناك».

«عناق مميت».. مشهد ملحميٌّ للمواجهة بين غواصة ومدمرة

تلفت الكاتبة إلى أن المواجهة بين غواصة ومدمرة، الذي يُلمِح إليه المقطع الدعائي وظهر في فيلم «الراعي الصالح»، يعكس أوجه تشابه مع الاشتباك الحقيقي الذي وقع بين السفينة الأمريكية بوري «U.S.S. Borie» والغواصة الألمانية «يو-405».

في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 1943، كانت السفينة الأمريكية تحاول سحق الغواصة الألمانية عن طريق الارتطام بها، «في عناق مميت»، على حد وصف هوارد آر سيمكين في مجلة «التاريخ البحري» عام 2019.

Embed from Getty Images

وعلى مدار الدقائق العشر التالية، لم يتمكن أفراد الطاقم من تصويب مدافع المدمرة بدقة من تلك المسافة القريبة، ومن ثم أمطروا الغواصة بوابل من ذخيرة «كل بندقية ورشاش يدوي ومدفع رشاش وجدوه أمامهم»، وفقًا لما يقوله بلازيك. وغرقت الغواصة «يو-405» تلك الليلة، أما سفينة بوري – التي أصيبت بأضرار جسيمة – فغرقت في اليوم التالي.

مثل تلك المواجهات القريبة كانت نادرة أثناء «معركة الأطلسي»، التي استخدمت فيها غالبًا الطوربيدات وقذائف الأعماق. ويلاحظ بلازيك «كان هناك حادث أو اثنان من تلك الأحداث الغريبة، التي كان الصياد والطريدة فيها على مسافة قريبة من بعضهما البعض، حتى إن كلًّا منهما كان بوسعه أن يرى الآخر».

ووفقًا لما ذكره المؤرخ جي أتش بينيت، فإن تقدم تكنولوجيا الحلفاء – قياسًا إلى «التقادم المتزايد» للتصميمات القياسية للغواصات – حوَّل مَدَّ المعركة مع امتداد رقعة الصراع، وبحلول مايو (أيار) 1943، كان النصر مضمونًا.

على الرغم من أن الألمان كانوا يخسرون «معركة الأطلسي»، فإنهم تمكنوا من منع وصول مقدار كبير من الإمدادات إلى الحلفاء، وفقًا لما يقوله بلازيك.

ويضيف: «إن ذلك منح هتلر وقتًا، ما لم يكن أي شيء آخر. أصبح ذلك عملًا من أعمال التعطيل بالنسبة للألمان، ذلك أنهم كانوا يقاتلون الاتحاد السوفيتي في الأصل، ثم في وقت لاحق أصبحوا في مواجهة القوات الأمريكية والبريطانية».

خسائر هائلة في الأرواح والعتاد

على مدار السنوات الست التي استغرقتها المعركة، قتل نحو 80 ألفًا من بحارة الحلفاء والبحارة التجاريين والطيارين. وقتل ما يقدر بنحو 28 إلى 30 ألفًا من أطقم الغواصات الألمانية؛ وهي نسبة كبيرة للغاية تقارب 70% من بين 41 ألف بحار ألماني خاضوا المعركة.

إضافة إلى الخسائر الكبيرة في الأرواح، تكبَّد الطرفان خسائر مادية كبيرة. بين عامي 1939 و1945، خسر الحلفاء أكثر من 2700 سفينة تجارية، وفي الوقت نفسه غرق نحو 800 من الغواصات الألمانية التي كان عددها 1100.

ويقول بلازيك: إن «المعركة من أجل الأطلسي» لم تكن أكثر الحملات «سحرًا»، بل إنها كانت بالأحرى «معركة شديدة التعقيد، استلزمت قدرًا كبيرًا من التنسيق، وتطوير تقنيات وتكتيكات وعلوم جديدة للأسلحة».

Embed from Getty Images

ومن بين المهام الأخرى، كان أعضاء الطاقم يعملون على تحسين الرادار والسونار (مسبار الموجات فوق الصوتية)، وصقل استخدام المتفجرات، واعتراض استخبارات العدو. وكما يلفت أمين المتحف فإن «اللوجستيات هي واحدة من أهم مكونات الحرب».

كيف كانت حياة البحارة على الجانبين أثناء معركة الأطلسي؟

جدير بالذكر أن بحارة كل من الحلفاء والمحور كان لديهم تجارب متباينة في البحر، إذ واجه بحارة المحور ظروفًا محفوفة بالمخاطر على نحو خاص. ذلك أن الغواصات لا توفر الكثير من سبل الراحة ومستلزمات الإقامة. وغالبيتها ليس به أكثر من حمامين، كان واحد منهما دائمًا مشغولًا بالإمدادات الزائدة والمواد الغذائية وقطع الغيار، مما يترك حمامًا واحدًا يشترك فيه أكثر من 50 رجلًا. كما تفتقر الغواصات إلى التكييف والتدفئة وإجراءات الصحة العامة وحتى التبريد الكافي.

يقول بلازيك «إنه عمل صعب وشاق. ويمكن أن يكون مضجرًا للغاية. يمكن أن تقوم الغواصات بجولة كاملة من الدوريات، دون أن ترصد سفينة واحدة».

على جانب الحلفاء، فكانت مهام الغواصات محفوفة بمخاطر استثنائية، ولاسيما قرب نهاية الحرب، حين تحسن عتاد الحلفاء. يقول بلازيك عن ذلك: «هؤلاء الرجال الذي قضوا شهورًا وشهورًا، وربما حتى سنوات، في التدريب، كانوا يواجهون الغرق حرفيًّا في أول محاولة لنزول البحر، على مرمى البصر من اليابسة في بعض الحالات، وربما لم يكن قد مضى على خروجهم من الميناء أكثر من يوم».

ولأن رواية فوريستر تُروَى من منظور بطلها، فلا يتمكن القراء أبدًا من معرفة كيف كانت الحياة على الجانب الآخر من المعركة. وإذا تبنى فليم Greyhound النهج السرديَّ نفسه، فربما يكون مفيدًا أن نشاهد فيلم القارب Das Boot الذي أخرجه ولفجانج بيترسين عام 1981، والذي يصور «الضجر والقذارة والرعب المطلق» الذي تعانيه أطقم الغواصات الألمانية.

Embed from Getty Images

الموازنة بين نقيضين: الرتابة المستمرة واليقظة الدائمة

تمتع البحارة الأمريكيون «بوسائل راحة بسيطة» أكثر من نظرائهم الألمان، ولكن العمل على المدمرة كان «باردًا ورطبًا ومثيرًا للغثيان بالقدر ذاته»، وفقًا لبلازيك. إذ كان على أفراد الطاقم أن يوازنوا بين نقيضين: فترات طويلة من الرتابة المستمرة وفي الوقت نفسه ضرورة البقاء في حالة من اليقظة الدائمة.

وعندما كانوا يبحرون في قوافل، على سبيل المثال، كانت الأوامر المفاجئة بتغيير الاتجاه تعني أن أكثر من 40 سفينة يتعين عليها أن تنسق تحركاتها في آن واحد. وبالنسبة لقبطان، مثل شخصية كروز الخيالية التي يجسد هانكس دورها في الفيلم، كانت قيادة أسطول إلى بر الأمان تعني معالجة معلومات غير مكتملة بسرعة واتخاذ قرارات في غضون ثوانٍ.

حين يصبح الغموض سيد الموقف

كانت أيام البحارة يسودها انعدام اليقين، ذلك أن العدو كان من الممكن أن يضرب في أي لحظة. ونجت الغواصات الألمانية من خلال التخفي، إذ كانت تبحر على السطح ليلًا، وتغوص تحت الماء خلال النهار. وجاهدت سفن الحلفاء ليس فحسب لاجتياز المحيط من خلال إحباط الهجمات الألمانية بنجاح، ولكن أيضًا بتعقب غواصات العدو بنشاط وتدميرها.

وإذا رصدت غواصة قافلة وهربت دون أن يمسها سوء، فيمكنها إبلاغ مقر القيادة بموقع السفن بالراديو، أو التعاون مع «قطيع ذئاب من الزملاء لاعتراض السفن وشن هجوم كاسح»، وفقًا لما يذكره كروز في رواية «الراعي الصالح».

غير أنه إذا دمرت الغواصة، «لا يحدث شيء من ذلك، وحتى لو ظلت مغمورة تحت الماء لساعة أو ساعتين حتى تهرب القافلة، يكون العثور على القافلة مرة أخرى أمرًا أكثر صعوبة بالنسبة للألمان، ومطولًا أكثر، وربما متعذرًا تمامًا».

إجمالًا، يقول بلازيك: «إنه أمر مجهد. في الخارج حيث البرد والرذاذ المالح، والحركة المتقافزة للمدمرة وكل شيء آخر. إنها تجربة ليست مثالية بالمرة».

ويختتم بقوله «إذا كنتَ بحارًا تجاريًّا، فأنت لا تعرف ما إذا كانت السفينة التي تركبها سوف تنفجر فجأة في أي لحظة. أنت لا تعرف ما إذا كانت قد تلقت ضربة، وعليك أن تقفز في الماء، وهل سيُعثَر عليك؟… إذا كنتَ من الناجين، تأمل- داعيًا الرب – أن تصل إلى قارب نجاة، ثم تأمل أن يلتقطك أحد ما. وإلا فأنت في عداد الموتى».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد