من ترامب إلى ثيرانوس.. كان العنوان الرئيسي للعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين هو صعود المحتالين والمخادعين والتزييف.

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية مقالًا لفرهاد مانجو، الكاتب المهتم بالتأثيرات السلبية للتكنولوجيا في العالم، قال فيه إننا سنتذكر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين بوصفه كان جنة للمحتالين.

وعدَّ الكاتب أن شعورنا الجماعي بالواقع الموضوعي تداعى تمامًا خلال تلك السنوات، كما تراجعت السياسة والأعمال التجارية والتقنية والثقافة، وحتى الحياة العادية خضعت تمامًا لنفوذ جيل جديد من النصابين والمحتالين، والمتنفّذين، ومتصيَّدي الإنترنت، والقراصنة.

«تشكك في كل شيء.. لا تثق في أحد»

وأضاف أن عمليات الاحتيال والتزييف لم تتصاعد هذا العقد فحسب، بل كانت في كثير من الأحيان هي العنوان السائد. كان هذا عصر «ميمز» الإنترنت الساخرة مثل «الأشياء السيئة تحدث بسرعة» (المستخدم للتعبير عن مواقف فُضح كذب أصحابها سريعًا) و«البطة العنصرية التي تشرب الحليب المخفوق» (لوصف الشخصيات التي بدت طيبة قبل أن يتبين سوءها للجميع).

وكان الشعور الأساسي في ذلك العقد يشبه ترنح السكّير، وكأن البساط ينسحب دائمًا من تحت قدميك. وكان الدرس الكبير في تلك الفترة هو: «لا شيء تقريبًا يبدو كما هو. تشكك في كل شيء. لا تثق في أحد».

Embed from Getty Images

واستدرك الكاتب قائلًا إنه لا يقصد أن هذه الفكرة تعمل جيدًا للغاية؛ فقد يكون التشكيك في كل شيء خطة عملية للبقاء الفردي في عالم وسائل الإعلام المتصدع، الذي تهيمن عليه الخوارزميات والوسائط الرقمية المشكوك في مصداقيتها، لكن تفشي الشك يمكن أن يؤدي بالقدر ذاته إلى تقويض الحضارة.

وأضاف: يبدو أن اجتياز عُباب الحياة الحديثة يتطلب تبني نظرة هدامة للمجتمع، تتسبب في تشوش أفكارنا الأساسية حول قيمة التعاون والثقة في إخوتنا في الإنسانية. إننا نجلب دوامة مميتة من عدم الثقة، وأخشى أنه في عشرينيات القرن الحالي وما بعدها، فإننا ربما نختنق بالمحتالين الذين يروجون لحقائق بديلة.

قد تتسبب في انتخاب الرئيس الخطأ.. لماذا يميل عامة الناس لتصديق الأخبار الكاذبة؟

المزحة المضحكة التي اقتحمت البيت الأبيض

وأشار الكاتب إلى أن المثال الأكثر وضوحًا لصعود المحتالين كان – بالطبع – دونالد ترامب، موضحًا أنه عندما أعلن ترامب ترشحه للرئاسة الأمريكية عام 2015، اعتقدت الكثير من المؤسسات السياسية والإعلامية – بما في ذلك العديد من الجمهوريين البارزين – أن فكرة فوز نجم تلفزيون الواقع، المعروف بالمنفعة الذاتية والمروج لنظريات المؤامرة، بالرئاسة كانت مزحة مضحكة للغاية.

وأضاف أن قليلًا منهم أدرك فاعلية ترامب في اختراق المشهد الإخباري لجذب انتباهنا تمامًا، وأن قليلًا منهم كان يتوقع أنه بدلًا من إحباط مسيرة ترامب، فإن أسلوبه المراوغ وعاصفة الأكاذيب الهائلة ستغير الثقافة السياسية والإعلامية تمامًا، لدرجة أنه بحلول نهاية العقد سيتبنى أعضاء الحزب الجمهوري نظرياته عن المؤامرة، ويستخدمونها وسيلةً للحيلولة دون إطاحته من منصبه.

تفشي نظريات المؤامرة يمينًا ويسارًا

وتابع الكاتب قائلًا: «بينما ازدهر التفكير في المؤامرة تمامًا في اليمين، فإنه بدأ يزدهر أيضًا في اليسار؛ فقد أعقب انتخاب ترامب صعود الشخصيات المؤثرة المناهضة لترامب على الإنترنت، والذين سيطروا على الأخبار والعمل النشط».

Embed from Getty Images

كان هؤلاء هم «محتالو المقاومة»، أمثال مايكل أفيناتي، والأخوان إد وبريان كراسنشتاين، ولويز مينش التي تكاد تسخر من نفسها، الذين روجوا لنوع من معاداة سياسة ترامب يخدم مصالحهم، ممزوجًا بشكل كبير بنداءات لشراء كتبهم وغيرها من السلع.

وقد أدى شبح التضليل الخارجي إلى شكوك واسعة النطاق، وأصبح حجة دفاعية سهلة للمحتالين لوصم المعارضة بأنها تشبه روبوتات الإنترنت (تقوم بمهام بسيطة بصورة متكررة)، أو تلمِّع صورة روسيا.

صناعة التكنولوجيا.. من وعود تغيير العالم إلى المساهمة في الخداع

وتابع الكاتب: إن الاحتيال لم يقتصر فقط على السياسة، بل رحبت صناعة التكنولوجيا بالمخادعين، وفتحت لهم أذرع الترحاب، مستشهدًا بشركات «وي وورك WeWork» و«أوبر Uber» و«ثيرانوس Theranos» التي كانت ذات يوم شركات ناشئة متطورة تعهدت بتغيير العالم بمختلف الطرق، صغيرها وكبيرها، لكن أقنعتها سقطت ليتبين أنها كلها تروِّج لإمكانيات زائفة، أو تكنولوجيا غير حقيقية، أو إخفاء فساد وإساءة ممنهجين.

و«فيسبوك» وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي لم تكن مجرد ملاذات للمعلومات الخاطئة التي ترعاها الدولة، فمع الإحصائيات التي يسهل التلاعب بها، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تقدم نظرة خاطئة عن العالم بشكل متزايد.

وضرب الكاتب أمثلة على عمليات الاحتيال التي وقعت مؤخرًا، فقال إن موقع «فيسبوك» اعترف بمجموعة من الأخطاء التي تبالغ في مقاييس الإعلان (إجمالي عدد زيارات الإعلان)، كما تبين أن إحصائيات موقع يوتيوب غير دقيقة؛ نظرًا إلى وجود مشاهدات وهمية (مشاهدات آلية للفيديوهات)، وقد طغى المتابعون الوهميون على موقع تويتر، وامتلأ موقع أمازون بالسلع الفاخرة المزيفة.

وأوضح أن عمليات الاحتيال انتشرت في التقنيات الجديدة والقديمة، كما اتضح أن الارتفاع المذهل في سعر عملة البيتكوين الرقمية عام 2017 كان نتاج عملية التلاعب بالسوق.

ووفقًا لتقرير صادر عن شركة الاتصالات «أوريست أوريون»، فإن حوالي 29% من جميع المكالمات الصوتية التي أُجريت عام 2018 كانت عبارة عن مكالمات آلية احتيالية، ويشير أحد التقديرات إلى أن حجم المكالمات المزعجة (سبام) يصل إلى المليارات شهريًّا.

العالم الرقمي ليس انعكاسًا دقيقًا للواقع

تساءل الكاتب عن السبب في سيطرة عمليات الاحتيال علينا، موضحًا أن دلائل المجتمع للحكم على السمعة والمصداقية لم تتواكب مع التكنولوجيا المتغيرة.

فعلى الرغم من أن معرفتنا أصبحت أفضل، إلا أننا نخطئ في اعتبار صور «إنستجرام» انعكاسًا للواقع، إذ يُنظر إلى التأثير عبر الإنترنت على أنه ظهير لمصداقية العالم الواقعي، لذلك نقع باستمرار تحت تأثير الأشخاص الذين وجدوا طرقًا للتلاعب بالمجال الرقمي. ألم يبدُ الـ«Fyre Festival» رائعًا بشكل لا يُقاوَم وهو على هاتفك؟ (يقصد مهرجانًا موسيقيًّا شهيًرا خُدع رواده بوعود وهمية)

ورأى الكاتب أن الثروة أو علامات الثروة تعمينا بسهولة، مستشهدًا بالمهاجرة الروسية آنا سوروكين، التي أُدينت هذا العام بالاحتيال على المجتمع في «نيويورك»، والتظاهر بأنها وريثة ألمانية تدعى آنا دلفي، حين خدعت الفنادق والبنوك بما قيمته مئات الآلاف من الدولارات من خلال التظاهر بأنها غنية.

حين تفقد القوة المعلوماتية بوصلتها

ربما يعد القارئ رأي الكاتب حول نهاية الحقيقة متشائمًا للغاية، لكن فرهاد مانجو يطالبك بتأمُّل القوة الكاشفة التي تنطوي عليها حملة «أنا أيضًا – MeToo#» وكيف شهدنا – في حالات هارفي، وينستاين وجيفري إبستين، وبيل كوسبي وغيرهم من الرجال الذين كانوا ذوي نفوذ في الماضي – قوة الحقائق والتحقيق الموضوعي والواضح للعيان لتغيير هياكل القوة الوحشية، التي أبقت الضحايا صامتين لفترة طويلة.

وأضاف أن المرء قد يجادل أيضًا بأن قدرتنا الجماعية على اكتشاف المخادعين وعمليات الاحتيال أصبحت أفضل. فعلى الرغم من أن محتالي المقاومة أبلوا بلاء حسنًا، لكننا كشفناهم، وبعد أقل من عام من الآن، إن لم يكن قبل ذلك، قد يصل ترامب أيضًا إلى نهاية مسيرته.

إلا أن مانجو يبدى تشككه في أن تكون هذه الأشياء مدعاة للتفاؤل؛ لأن نظام المعلومات الخاص بنا فقد بوصلته، ونتيجة لذلك أصبح الكذب والمكائد والاحتيال استراتيجية حياة فعالة للغاية. واختتم مقاله بالقول: إنها ليست طفرة كبيرة أن ننتقل من عقد «لا تثق بأحد» إلى عقد «اخدع الجميع».

مترجم: 3 مشكلات قد تواجه «تويتر» بعد حظر الإعلانات السياسية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد