25,009

شيطنهم العالم وأظهرهم في صورة وحوش متعطشة للدماء فقط، ولا همّ لهم في هذه الحياة سوى قطع الرؤوس وتجهيز المفخخات وتفجير أنفسهم بأحزمة ناسفة. بيد أنّ الحقيقة ليست هكذا بالضبط.

فبعد إزاحة الستار عن وثائق سي آي إيه عن أسامة بن لادن –زعيم تنظيم القاعدة الراحل– التي كشفت عشق المطلوب الأول عالميًا سابقًا لنادي أرسنال الإنجليزي، وتتبعه السينما الأمريكية بشغف، تطالعنا صحيفة «الإندبندنت» البريطانية بتقرير للكاتب أندرو بانكومب كشف فيه عن جانب آخر لمعتقلي القاعدة في جوانتنامو، وتحاول الولايات المتحدة جاهدة طمسه.

يقول بانكومب إن اتهامات طالت الجيش الأمريكي بسبب إخفائه أعمالًا فنية أنتجها معتقلو جوانتنامو تظهر أساليب التعذيب الممارسة في حقهم باعتباره جزءًا مما تزعم أمريكا أنه «حرب على الإرهاب». وأوضح بانكومب أن سجناء القاعدة في خليج جوانتنامو لجأوا إلى الفنون للترفيه عن أنفسهم وتمرير الوقت. لكن ما لم يرُق لإدارة المعتقل – رغم تسهيلها الأمر في البداية – هو أن بعض المعتقلين أنتجوا أعمالًا تصف التعذيب الوحشي الذي يتعرضون له، وقاموا بتهريبها إلى خارج المعتقل عبر محاميهم.

اقرأ أيضًا: مترجم: بالرغم من خلافهما الأيدولوجي.. وثائق «سي آي إيه» تكشف علاقة إيران بالقاعدة

وجدت بعض الأعمال طريقًا إلى معرض فني في نيويورك – يؤكد بانكومب – مما دفع المسؤولين عن المعتقل إلى حظر نقل أي فنون ينتجها المعتقلون. بل وزعموا أن تلك الأعمال «ملك للحكومة وستُدمر إذا خرجت من السجن» وفقًا لما صرحت به إرين تومسون – الأستاذة المساعدة في جرائم الفنون في كلية جون جاي للعدالة الجنائية – للإندبندنت. وأضافت السيدة تومسون – التي نظمت المعرض: «لقد قيل لهم أيضًا إن وجدت فنون فجة في زنازينهم ستُصادر. لا أعرف ما المقصود بالفجة».

إحدى اللوحات التي رسمها المعتقل أحمد رباني وظهرت في المعرض. الإندبندنت

أرادت السيدة تومسون من المعرض تسليط الضوء على ثقافة مقاتلي القاعدة الذين أُسروا في أماكن مثل أفغانستان وباكستان. مشيرة إلى أنه من المهم إظهار الرجال بوصفهم بشرًا، بغض النظر عما فعلوه أو لم يفعلوه. وقالت «إن الفن نافذة على النفس، وقيام السلطات بحظره يشبه من يطلق النار على قدمه».

وينقل بانكومب عن محامٍ يمثل ثمانية من السجناء الذين ما زالوا محتجزين في جوانتنامو قوله إن السلطات كانت دائمًا تفرض رقابة على الفن الذي يعتبرونه حساسًا.

اقرأ أيضًا: «اغتصاب وإذلال».. «الجارديان» تستقصي قصص تعذيب الرجال جنسيًّا في سوريا

وكشف كليف ستافورد سميث، مؤسس جمعية Reprieve الخيرية ومقرها المملكة المتحدة، عن أن أحد موكليه ويدعى أحمد رباني -يقول إنه سائق سيارة أجرة في كراتشي، ولكن تدعي السلطات الأمريكية أنه مرتبط بتنظيم القاعدة- قد احتجز لمدة 545 يومًا في سجن سريّ في كابول تديره وكالة المخابرات المركزية، حيث تعرض للتعذيب والاستجواب، وهو ما أكده تقرير لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ لعام 2014 عن التعذيب الذي تمارسه وكالة المخابرات المركزية.

قال السيد رباني لمحاميه إنه تعرض لأساليب تعذيب من العصور الوسطى كانت مستخدمة في محاكم التفتيش الإسبانية وتسمى بـ«سترابادو». كشف رباني بالقول «لقد ساقوني إلى غرفة وأنا مغطى الرأس وعلقوني من إحدى يدي، حيث بالكاد تلامس أصابع قدمي الأرض. ثم أزالوا القناع عن وجهي وتركوني معلقًا وأنا عارٍ وأشعر بالجوع والعطش».

لوحة تحاكي الرسمة الأصلية لأحمد رباني تظهر تعرضه للتعذيب بطريقة سترابادو. طالب بأكاديمية كولفوكس-الإندبندنت

ويظهر في معرض كلية جون جاي إحدى رسومات السيد رباني، وهو مشهد لأطباق وأكواب فارغة. غير أن السيد ستافورد سميث قال إن السيد رباني أراه لوحة أخرى تصور تعذيبه. وأضاف أن سلطات سجن جوانتنامو رفضت إخراج هذه اللوحة من السجن بدون إبداء أسباب.

لكن محامي السيد رباني لم يستسلم – يشدد بانكومب – فعندما عاد إلى بريطانيا، طلب من بعض الفنانين إعادة رسم اللوحة. فتم إنتاج العديد من النسخ، بما في ذلك واحدة من قبل طلاب أكاديمية كولفوكس في بريدبورت البريطانية. وقال السيد ستافورد سميث «هناك الكثير من الحقائق المخفية في خليج جوانتنامو، بما في ذلك التاريخ الطويل لتعذيب أشخاص لم توجه إليهم أي تهمة». وأضاف «الصورة أبلغ من ألف تعبير كما يقولون، ولم أدرك حجم معاناته حتى رأيت لوحته. وأود أن أشدد على أننا محامون متطوعون ونسدد ثمن معظم لوازم السجناء الفنية».

اقرأ أيضًا: الأطفال في جوانتانامو: ماذا تعرف عنهم؟

يُعتقد أن إحدى اللوحات تصف عملية التعذيب، وقد رسمها المعتقل عمار البلوشي وأطلق عليها اسم «الدوامة». وقالت السيدة تومسون لبرنامج تلفزيوني إن اللوحة كانت عبارة عن دوامة من الخطوط والنقاط كي يوضح لمحاميته ما حدث عندما عانى من الدوار نتيجة إصابات في الدماغ أصيب بها أثناء الاستجواب.

لوحة الدوامة التي رسمها المعتقل عمار البلوشي للتعبير عن التعذيب الذي يمارس ضده-الإندبندنت

وقال شيلبي سوليفان بنيس، وهو محام في مؤسسة Reprieve، إن إدارات السجون حول العالم تشجع المحتجزين على التحسين من أنفسهم، لا سيما عبر الرسم. وأضاف أن «جزءًا من ذلك يشمل السماح للعالم الخارجي بالاطلاع على ما قاموا به. هناك سبب واحد للمنع وهو أن الفن يخضع للرقابة الآن، للحفاظ على الادعاء الكاذب بأن كل هؤلاء مجرمون سفاحون».
وقد أحال البنتاجون جميع استفسارات بانكومب إلى فرقة العمل المشتركة في جوانتنامو التي تدير السجن، لكن لم يرد أحد. كما أحالت وزارة الخارجية الاستفسارات إلى وزارة الدفاع. والتزمت وكالة المخابرات المركزية الصمت أيضًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك