مثل كل الأزياء، تتبدى معانٍ كثيرة عبر ما يرتديه المدَّعَى عليهم والمحامون وغيرهم في محكمة الحرب الأمريكية التي تنظر قضية هجمات سبتمبر (أيلول) 2001.

حول هذه الدلالات، كتبت كارول روزنبرج، محررة الشؤون العسكرية في صحيفة «نيويورك تايمز» مقالًا، ركزت فيه على الملابس التي يرتديها المدعي عليهم ومحاميات الدفاع والادعاء والقضاة في محاكمة جوانتانامو، وكيف تعكس هذه الأزياء ثقافة من يرتديها، وتثير مشاعر متباينة، وتبعث بكثير من الرسائل.

في البداية أشارت الكاتبة إلى لحظة دخول شيريل بورمان، وهي محامية أحد الرجال المتهمين بالتخطيط لهجمات 11 سبتمبر 2001، إلى قاعة المحكمة، وكيف أنها حين اجتازت التفتيشين الأمنيين الضروريين لدخول القاعة بدأت حاشية عباءتها السوداء في التفكك، ما أجبرها على التوضيح في ردهة المحكمة أنها مشكلة تتعلق بالملابس، وتحديدًا ترتبط بشريط لاصق.

وكانت شيريل، وهي مدنية كرست حياتها المهنية للدفاع عن القضايا التي حكم فيها بالإعدام، اشترت الرداء سعودي الطراز بمبلغ 50 دولارًا من متجر بالقرب من البنتاجون، لكن لم يتح لها الوقت لحياكة حاشيته بإتقان. وفي ذلك الوقت، كانت المشابك التي استخدمتها كبديل مؤقت لتثبيت الحاشية تتفكك.

بمجرد إصلاح الثوب، أحكمت لفه على جسدها وغطت شعرها الذي هو بلون «أشقر الفراولة»، ودلفت إلى قاعة المحكمة العسكرية في خليج جوانتانامو، حيث كانت هناك ثمانية نساء أخريات، معظمهن من محاميي فريق الدفاع والمساعدين القانونيين، يغطون شعورهن كنوع من الاحترام لموكليهن، وهم الرجال الخمسة المتهمون بالتخطيط لأسوأ هجوم إرهابي في تاريخ الولايات المتحدة.

ثقافة

منذ 9 شهور
أدب الأقليات.. 4 روايات تحكي لك الجانب المجهول من القصة السياسية

المحامون بحاجة لاحترام المشاعر الدينية لموكليهم

وتتابع الكاتبة أن اختيار النساء للقيام بذلك يوضح أن صراع الثقافات لا يزال مستعرًا لم يهدأ، حتى بعد مرور أكثر من عقد على بدء إجراءات محكمة الحرب في قاعدة الولايات المتحدة البحرية المعزولة. موضحة أن قاعات المحكمة تكون دائمًا كما لو كانت مسارح، وعلى الرغم من أن قليلين هم من يرون ما تكشف عنه جلسات الاستماع، إلا أنها تظل مكانًا ينطوي على مزيج صعب للغاية من الأفكار والرؤى.

يقول المحامون إنهم بحاجة إلى احترام المشاعر الدينية لموكيلهم من أجل الدفاع عنهم. وتقول عائلات ضحايا 11 سبتمبر إنهم يشعرون بالاستياء من النساء الغربيات اللائي يغطين أنفسهن، ويتبنّين المعايير الثقافية لرجال متهمين بالقتل الجماعي.

/
شيريل بورمان، محامية الدفاع عن وليد بن عطاش.

إن قضاء بعض الوقت في المحكمة العسكرية، وهي تُجري محاكمة المتآمرين الذين ارتكبوا هجمات 11 سبتمبر – عبر إجراءات تستغرق سنوات – يتيح لك رؤية تلك النزاعات وغيرها بطرق مختلفة، وإحدى النوافذ الذي تتيح إطلالة على هذا المشهد هي الملابس التي يرتدونها والرسائل التي تبعث بها.

هناك ممثلو الادعاء الذين يظهرون في حلل وربطات عنق، وجنود يرتدون ملابس مموهة خضراء زيتونية وأحذية قتالية، في حين يخرج القاضي في رداء أسود تقليدي. وهناك أيضًا السجناء، ولا سيما الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لمؤامرة 11 سبتمبر، خالد شيخ محمد، الذي يرتدي الزي الإسلامي التقليدي، على نحوٍ ينقل رسائل سياسية، حسب ما ترى الكاتبة.

والأكثر إثارة للجدل أن هناك نساءً في فرق الدفاع القانوني يأتين إلى المحكمة في ملابس محتشمة، ما يضرب وترًا ثقافيًا حساسًا، وهو جزء من جهد يهدف إلى تطوير علاقات ثقة واحترام مع المدعى عليهم، كما يقولون، وهم رجال عذبتهم وكالة المخابرات المركزية قبل نقلهم إلى خليج جوانتانامو لحضور محاكماتهم بعد صدور حكم بالإعدام بحقهم. بيد أن ما يرتدينه يسيء إلى أقارب بعض ضحايا هجمات 11 سبتمبر البالغ عددهم من 2976  شخصًا.

لا يسمح بالتصوير ولكن الرسم التقريبي في المحكمة

وتشير الكاتبة إلى أنه لا يُسمح بتصوير إجراءات المحكمة، إذ من المقرر أن تبدأ هيئة المحلفين النظر في القضية خلال شهر يناير (كانون ثاني) 2021. لذا، أحضرت صحيفة «نيويورك تايمز» رسامًا إلى جوانتانامو لإظهار كيف تطوَّر المشهد الذي بدأ كإجراء عسكري لا لبس فيه، عندما استُدعي المتهمون في عام 2012، عبر عدة طرق ليس أقلها اختيار الملابس.

ويتابع: فرق الدفاع القانوني التي كان يغلب عليها قبل سبع سنوات أفراد من جيش الولايات المتحدة تتكون الآن في أغلبيتها من المدنيين. ولا يزال اثنان من أفراد الادعاء العام العسكريين في الفريق الحكومي كمدنيين ويأتيان إلى المحكمة في ملابس العمل.

وتضيف الكاتبة أنه يمكن أن تمر أيام كاملة دون أن يتحدث محام يرتدي الزي العسكري، ما لم يكن كبير المدعين في جرائم الحرب، البريجاديير جنرال مارك س. مارتينز، الذي ينهض في زيه العسكري ذي اللون الأزرق ليتحدث.

إلى حد بعيد، يعد هو أكثر شخص تزين ملابسه الأوسمة والنياشين في المحكمة، إذ لديه ثمانية صفوف من الأشرطة، وشارة المظليين وشارة خبير المشاة، وشارة رينجر (القوات الخاصة) وغيرها من الميداليات والشارات الأخرى التي تمتد من كتفه الأيسر إلى القفص الصدري. إنه زي شاهد على إنجازاته، يمكن أن يكون معروضًا عندما تصل القضية إلى هيئة محلفين من ضباط الجيش الأمريكي.

تغيير الملابس.. هل يمثل انعكاسًا للثقافة؟

كذلك تغيرت ملابس المدعى عليهم. إذ نقلتهم القوات للمثول أمام المحكمة قبل سبع سنوات بملابس بيضاء فضفاضة، وطاقيات وأحذية قماشية، كلها صادرة عن السجن. أما الآن فيأتي الرجال الخمسة المتهمون بالتآمر مع الخاطفين إلى المحكمة وهم يرتدون سترات وسراويل أو أثواب عليها صديريات، ويغطون رؤوسهم بالقبعات والأغطية والأوشحة.

يصبغ محمد لحيته باللون البرتقالي تأسيًا بالرسول محمد. وفي بعض الأيام يلف وشاحًا أسودًا مخططًا كعمامة أعلى طاقيته البيضاء. وفي أيام أخرى يرتدي قبعة السند من بلوشستان، للتعبير عن الألفة مع وطنه القبليّ.

/

خلال الأسبوع الذي كان فيه مصور «نيويورك تايمز» حاضرًا في المحكمة، كان محمد يرتدي صديرية مبطنة رمادية اللون أرسلتها له أسرته. وبحلول وقت ذهاب الرسام، كان يرتدي سترة خضراء فوق ثيابه التقليدية.

دافع محامو محمد عن حقه في ارتداء السترات المموهة باعتبارها «ملابس مناسبة ثقافيًا» في عام 2012. وهو يرتدي ثيابًا تستوحي روح الغابات، على نمط الملابس التي كان يرتديها الجهاديون خلال الثمانينات في أفغانستان. وارتدى أسامة بن لادن ملابس من هذا الطراز نفسه حين ظهر في مواقف عامة.

ويرتدي اثنان من المتهمين مع محمد أحيانًا سترة على طراز عسكري فوق ملابسهم الإسلامية التقليدية، غالبًا من الطراز الصحراوي الذي ارتدته القوات الأمريكية خلال غزوها للعراق.

وكان جميع المتهمين الخمسة يرتدون وشاحًا ذي حواش مزين بالأعلام الفلسطينية في صيف عام 2014 ، فيما يدل على تضامنهم مع غزة ضد الهجوم الإسرائيلي. ولا تزال هذه الأوشحة تظهر في المحكمة، وأحيانًا على طاولة للدفاع.

والمحكمة نفسها، كما يراها الجمهور عبر زجاج من ثلاثة ألواح، تحتوي على العديد من الزخارف النموذجية لقاعات المحاكم. ةالقاضي يرتدي رداءً أسود، والأعلام الأمريكية على يمينه، وشاهد يقف على يساره، بالقرب من منصة المحلفين.

استماع الجمهور للإجراءات متأخر 40 ثانية

لكن هذه محكمة أمن قومي. لذلك يستمع الجمهور إلى الإجراءات متأخرة بـ40 ثانية، وهو وقت يكفي أن يقوم أحد ضباط الأمن بوقف البث إذا قال أحدهم شيئًا ما يعتبر من الأسرار المحظورة.

ويُسمح بالرسم التقريبي، ولكن مع الخضوع لقيود. فالرسام، على سبيل المثال، لا يمكنه رسم الحراس. وهم جنود في نوبة عمل مدتها تسعة أشهر يأتون إلى المحكمة وهم يرتدون ملابس مموهة وأحذية قتالية.

عائلات ضحايا الهجمات لهم قسم خاص بهم

وتتابع الكاتبة أنه يخصص لأفراد عائلات الأشخاص الذين قُتلوا في الهجمات قسم خاص بهم في القاعة خلف الادعاء. وبعض أفراد العائلات يتذمرون من التسهيلات التي يمنحها الجيش للمشتبه بهم في جرائم الإرهاب.

ويقوم الحراس بإخلاء قاعة الحضور في أوقات صلاة المسلمين لتوفير الخصوصية للمدعى عليهم وأعضاء الفريق القانوني الذين يصلون معهم.

لكن الشيء الأكثر إثارة لبعض أفراد العائلات هو الطريقة التي ترتدي بها النساء في فرق الدفاع ملابسهن عندما يكون موكلوهن في المحكمة.

وقالت كاثلين فيجيانو، التي قتل زوجها جوزيف المحقق في الشرطة وصهره جون جونيور وهو رجل إطفاء أثناء محاولتهما إنقاذ الناس في مركز التجارة العالمي: لا يزعجني إذا كان هذا في الواقع دينهم وكانوا يؤمنون به.

ووصفت ملابسهم بأنها خالية من  الاحترام (لمشاعر ذوي الضحايا) وأشارت إلى أنها عندما سافرت إلى جوانتانامو هذا الصيف على متن الطائرة ذاتها التي كان المحاميات فيها، لم تكن أي منهن تغطي شعرها.

قالت كاثلين: هن لا يرتدين غطاء الشعر في الطائرة. ولا ترتدينه في القاعدة. ملابس العمل هي ملابس العمل.

ترتدي النساء في فريق محمد في الغالب التنانير الطويلة وغيرها من الملابس الفضفاضة التي تعلوها مجموعة متنوعة من الأوشحة الملونة، والشالات، وأغطية الرأس، وفي حالة واحدة على الأقل حجاب من قطعة واحدة.

«الإسلاموفوبيا هي المعضلة»

وقالت ريتا رادوستيتز، وهي واحدة من خمسة محامين يمثلون محمد في المحكمة: «أعتقد بصدق أن بعض الانزعاج ناتج عن الإسلاموفوبيا». مضيفة أن محاميي الدفاع، الذين يتخصصون في العمل بعقوبة الإعدام مثلها، يقومون بشكل غريزي بتوفير تسهيلات لعملائهم لبناء علاقات مهنية والحفاظ عليها.

ويفضل الفريق القانوني لوليد بن عطاش، بقيادة السيدة بورمان، العباءة السوداء التي ترتديها النساء في موطنه السعودية.

وقالت بورمان: إنها «تمثل الثقافة التي جاء منها. إنه الشيء الذي يجعله أكثر شعورًا بالارتياح. عندما تجري محادثة مع شخص ما، فأنت تريد أن يكون لديه شعور بالارتياح».

خلال مؤتمر صحافي في جوانتانامو في عام 2017، وصف أحد أفراد العائلات، واسمه جان وينتر، اختيار الملابس من قبل النساء في فريق الدفاع بأنه مؤلم ويمثل إهانة لجميع النساء الأمريكيات.

كانت السيدة وينتر تمثل ابن أخيها كارل إي مولينارو، وهو رجل إطفاء قتل في مركز التجارة العالمي، وزوجها ريتشارد، مفتش شرطة في مدينة نيويورك، الذي توفي في عام 2008 بسبب الأبخرة السامة التي استنشقها في الموقع. ووصفت الأمر بأنه محرج أن ترى النساء الأمريكيات اللواتي حققن إنجازات في حياتهن يلبسن ملابس قديمة وعتيقة ومهينة ومذلة، على حد وصفها.

على جانب المدعى عليهم من القاعة، كانت النساء الوحيدات اللواتي لا يغطين شعرهن هن المحاميات والمساعدات القانونيات من الأجهزة العسكرية اللائي يرتدين الزي الرسمي في المحكمة، مثل نظرائهن من الرجال. وينظم الجيش بدقة ما يرتدينه، وعادة ما يحضرن إلى المحكمة وشعرهن ملفوف في صورة كعكة ملفوفة بإحكام.

بدأت دارليسا إم ليذروود، وهي مساعدة قانونية، بالعمل في فريق دفاع في عام 2015 بصفتها رقيبًا في مشاة البحرية، وحضرت إلى المحكمة مرتدية الزي الرسمي وشعرها مكشوف.

انتقلت إلى منصب مدني، وعادت إلى المحكمة بعد شهر أو شهرين وهي ترتدي وشاحًا. قالت: «بالنسبة لي، كان الأمر يتعلق بمحاولة التواصل وجعلهم يشعرون بالارتياح. لم أشعر أبدًا بالضغط لكي أتصرف بصورة أو أخرى».

وأضافت أنها أصبحت بارعة للغاية في ارتداء الوشاح، بحيث يمكنها ارتداؤه في خمس دقائق، وهو الوقت ذاته الذي يستغرقه تمشيط شعري ولفه على هيئة كعكة وأنا مرتدية الزي العسكري. وأوضحت أنها تتعلم كيف تفعل الأشياء بسرعة كبيرة في سلاح مشاة البحرية.

في قضايا عقوبة الإعدام على وجه الخصوص، يقول محامو الدفاع: إن عليهم واجب إيجاد أرضية مشتركة من خلال احترام تقاليد موكليهم.

/

العباءة الجديدة بها شريط لاصق

تتابع الكاتبة أن بورمان اشترت العباءة الجديدة، التي توجد بها حاشية من الشريط اللاصق، لتحل محل العباءة ذات اللون الأسود العادي التي اهترأت في مكتبها بمجمع محكمة الحرب أعلى مهبط طائرات عتيق لا يستخدم تابع لسلاح البحرية.

بالنظر إلى مدرج المطار المتشقق، وبرك الوحل في بعض الأحيان، والمرتقى الصعب المكون من أربع درجات، إلى المراحيض في المحكمة، تخلت بورمان عن انتعال حذائها من ماركة كريستيان لوبوتان في جوانتانامو منذ سنوات. ومع ذلك فإن عباءتها الجديدة مزينة بأحجار الراين، وهي أناقة اختارت أن تزينها مؤخرًا بأحذية فالنتينو المقلدة.

قالت بورمان إنها كانت ترتدي الثوب في كل مرة تكون بصحبة وليد بن عطاش (سجين يمني رهن الاعتقال في جوانتانامو) وليس لديها أي خطط لتغيير هذه الممارسة بمجرد اختيار هيئة المحلفين.

وأضافت: بالتأكيد آمل ألا يقوم أحد ممن أدوا اليمين بالدفاع عن العدالة بالتحامل عليّ لأنني أرتدي رداء أسود ووشاحًا.

تاريخ

منذ 9 شهور
مترجم: بحجة حماية التراث.. هكذا استطاع الغرب نهب آثار الدول النامية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد