كان «عبد اللطيف ناصر» على وشك أن يغادر سجن جوانتانامو، عندما غرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لن يكون هناك المزيد من إطلاق سراح سجناء جوانتانامو. وأبلغ الآن أنه سيظل هناك إلى الأبد.

كتب أندرو بنكومبي مقالًا مطولًا في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية حول مصير آخر 40 نزيلًا في سجن جوانتانامو، الذي أقامته الولايات المتحدة لسجن أولئك الذين وقعوا في الأسر أثناء حربها على أفغانستان في أعقاب هجمات سبتمبر (أيلول) على واشنطن ونيويورك. ويتطرق الكاتب بالتفصيل إلى لحظات الأمل والإحباط الشديد للمعتقل «عبد اللطيف ناصر» الذي غيرت مصيره تغريدة لترامب إضافة إلى الروتين الحكومي.   

ويستهل الكاتب مقاله بالموقف الذي واجهه «ناصر»، إذ قيل له إنه حر وسيعود إلى بلاده. لم يكن الأمر كما لو كان لديه الكثير من المتاع لحزمه، بعد 14 عامًا من الاحتجاز في سجن خليج جوانتانامو سيئ السمعة، لم يكن لديه سوى القليل من الممتلكات بخلاف نظارات القراءة وقاموس إنجليزي- عربي عكف على كتابته بنفسه. 

في المغرب، استعدت عائلته لاستقباله لكي يبدأ حياة جديدة. واستعد شقيقه في الدار البيضاء، يملك شركة لتنظيف حمامات السباحة وتنقية المياه، بترتيب وظيفة له، ورتبوا له مكانًا للعيش، وحتى وجدت له العائلة عروسًا. 

ولكن كل ذلك لم يحدث. فبعد أن جرى إخلاء سبيله من قبل ست وكالات حكومية – ولم توجه إليه أية تهمة بارتكاب جريمة، ناهيك عن عدم محاكمته وإدانته- أبلغ لطيفًا، وهو الاسم الذي يعرف به هناك، أنه يتعين عليه البقاء في جوانتانامو، السجن الذي أنشئ في قاعدة عسكرية أمريكية في الطرف الجنوبي الشرقي لكوبا بعد 11 سبتمبر. لم يكن هناك احتفال بالعودة للوطن، ولم تكن هناك وظيفة لتنظيف حمامات السباحة لدى الطبقة العليا من أبناء الدار البيضاء. لا حفل زفاف، ولا فرصة للطيف لمتابعة حلمه في أن يصبح مدرسًا للرياضيات.

وقال لطيف لأحد محامييه، في تعليق اطلعت عليه الإندبندنت مؤخرًا، بعد أن رفعت عنه السلطات الأمريكية صفة السرية: «الحيلولة بين شخص وحريته بعد تبرئته أمر مؤلم للغاية. لا أحد يستطيع أن يفهم هذا النوع من الإحباط، أن يخلى سبيله من قبل ست وكالات أمريكية رفيعة المستوى وبعد ذلك يأتي شخص ما ويقول (لا يجب عليك البقاء هنا). ليس لدي كلمات لوصف الإحباط».

«ذي أتلانتك»: أمريكا اقتنعت أنهم جهاديون! ماذا تعرف عن الإيغور في جوانتانامو؟

إخلاء سبيل «لطيف» بين أوباما وترامب

قرر مجلس المراجعة الدورية (PRB)، الذي أنشئ في عهد باراك أوباما للإسراع بنقل السجناء المحتجزين في جوانتانامو وإطلاق سراحهم، في عام 2016 أن احتجاز لطيف لم يعد ضروريًّا. غير أن أمرين اجتمعا ليحدثا تحولًا في مصير لطيف. أحدهما كان تأخيرًا بيروقراطيًّا بين إخلاء سبيله لإطلاق سراحه من قبل الولايات المتحدة، والموافقة الرسمية على قبوله من قبل الحكومة في الرباط، مع اقتراب فترة رئاسة أوباما الثانية من نهايتها. أما الثاني فكان تغريدة، نشرها دونالد ترامب في الثالث من يناير (كانون الثاني)، الذي جرى انتخابه قبل شهرين من ذلك التاريخ ليحل محل أوباما في البيت الأبيض.

كتب ترامب قبل أسبوعين من بدء رئاسته: «يجب ألا يكون هناك المزيد من إطلاق سراح السجناء من جوانتانامو. هؤلاء أشخاص خطيرون للغاية، ولا ينبغي السماح لهم بالعودة إلى ساحة المعركة».

وحكاية لطيف، المعتقل رقم 244، وأربعة سجناء آخرين أخلي سبيلهم للإفراج عنهم – هم سفيان برهومي، رقم 694 وهو جزائري، وتوفيق البيحاني رقم 893 وهو من اليمن، ومعين الدين الستار رقم 309 الذي يعود بأصوله إلى الروهينجا، والمحتجز رقم 38 رضا بن صالح اليزيدي وهو تونسي- هي واحدة من العديد من الحكايات المنسية في الحرب الأمريكية على الإرهاب، التي شنها جورج بوش على عجل في أعقاب هجمات القاعدة على نيويورك وواشنطن، وفقًا لما تورده صحيفة الإندبندنت. 

ووصف الكاتب قرار بوش بأنه «أخذ الشعب الأمريكي في رحلة إلى العديد من الأماكن المظلمة: التعذيب، والإيهام بالغرق، ورحلات تسليم الأشخاص خارج إطار القانون و«المواقع السوداء» السرية في البلدان الأجنبية الصديقة، والتي تعد جميعها بعيدة من الأنظار العامة ومعزولة عن النظام القضائي العادي ورقابة الكونجرس. لم يكن هناك مكان أفضل يرمز إلى ذلك العالم السري من جوانتانامو، حيث دُبر الإعداد له حتى في أثناء إزالة الأنقاض والصلب الملتوي للبرجين التوأمين. وفي أوقات ذروته، كان السجن يؤوي 780 سجينًا، غالبيتهم العظمى من ميادين القتال أو البلدات في أفغانستان، وباعهم أمراء الحرب المتنافسون إلى وكالة الاستخبارات المركزية، وغالبًا ما تعمل أجهزة الاستخبارات الباكستانية وسيطًا يحصل على مكافأة طيبة».

Embed from Getty Images

40 معتقلًا فقط في جوانتانامو

اليوم، لم يتبق في السجن سوى 40 شخصًا، وهم محتجزون بموجب قانون الترخيص باستخدام القوة العسكرية الذي أقره الكونجرس عام 2001، في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، ويتكلف احتجاز كل رجل سنويًّا 13 مليون دولار. من المرجح أن العديد من الأمريكيين يفترضون أن السجن أُغلق منذ فترة طويلة، كما تعهد أوباما بأن يفعل ذلك في عام 2007. وبينما يتحرك الجيش الأمريكي أخيرًا لمقاضاة سبعة رجال متهمين بتدبير هجمات 11 سبتمبر، من بينهم رمزي بن الشيب وخالد شيخ محمد، يعيش الرجال الخمسة الذين أخلي سبيلهم للإفراج عنهم، بالإضافة إلى 20 سجينًا لم تعالج أوضاعهم بعد، في حالة من الحياة المعلقة؛ إذ لا تعتزم واشنطن توجيه الاتهام إليهم، لكنها لن تسمح لهم بالرحيل.

يقول كلايف ستافورد سميث، مؤسس جماعة الحقوق القانونية «ريبريف» Reprieve، التي مثلت العديد من سجناء جوانتانامو، والتي زارت لطيفًا مؤخرًا: «كانت هذه واحدة من أكثر الأحداث كارثية في تاريخ القانون الجنائي». وأضاف «وضع عبد اللطيف أسوأ من أي شخص آخر. إنه أسوأ من السجين المحكوم عليه بالإعدام، لأن السجين المحكوم عليه بالإعدام يمكن أن يستأنف على الأقل».

ويتابع: «عبد اللطيف في أسوأ وضع. قيل له سابقا إنه مطلق السراح، والآن قيل له إنه يتعين عليه البقاء هناك إلى الأبد».

مذكرة وزارة الدفاع الأمريكية حول عبد اللطيف

ويتابع الكاتب بقوله إن «الولايات المتحدة زعمت أن لطيفًا، البالغ من العمر 54 عامًا، قد انجذب على مدار عقود من الزمن إلى الإسلام الأصولي، وأنه في المدرسة الثانوية والكلية كان عضوًا في جماعة العدل والإحسان. عندما بدأ المغرب في فرض قيود على الجماعة في التسعينيات، تقول مذكرة وزارة الدفاع التي كتبت في عام 2008 ونشرتها ويكيليكس، إنه غادر أولًا إلى ليبيا ثم إلى السودان. وتقول المذكرة إنه في عام 1993 ذهب إلى السودان «بحثًا عن مجتمع مسلم مثالي».

وهناك التقى بأسامة بن لادن لأول مرة، كما زعم الجيش الأمريكي. بعد فشله في السفر إلى الشيشان، حيث تطوع العديد من المسلمين للقتال ضد القوات الروسية، سافر إلى أفغانستان عن طريق باكستان، حيث قيل إنه تلقى تدريبات على الأسلحة. ويزعم الجيش الأمريكي أنه كان «أميرًا» للمقاتلين العرب الذين يدافعون عن كابول ضد تقدم التحالف الشمالي والقوات الأمريكية في خريف عام 2001، بعد الغزو الأمريكي البريطاني. ويقول إنه كان من بين 50 من أعضاء تنظيم القاعدة اعتقلوا بالقرب من المعقل الأخير تورا بورا على يد مقاتلي التحالف الشمالي ونقلوا إلى عهدة الأمريكيين. 

كتب الجيش الأمريكي في عام 2008 جزءًا من أسباب اعتقاله: «يُقدر أن المعتقل يمثل خطرًا كبيرًا، لأنه من المرجح أن يشكل تهديدًا للولايات المتحدة ومصالحها وحلفائها».

يشكك محامو لطيف وآخرون في الكثير من هذه الأدلة، ويقولون إن العديد من الادعاءات فقدت مصداقيتها. وعلى نحو حاسم، يقولون إن الاتهامات الموجهة إليه لم تختبر أبدًا في المحكمة، وأنه قد حرم هو والآخرون من الإجراءات القانونية الواجبة. يقولون إنه من أجل اجتياز جلسة استماع لمجلس المراجعة الدورية، يجب على السجناء إظهار «الصراحة»، والتي يقولون إنها يمكن أن تعني الاعتراف بالاتهامات التي تقدمها الحكومة ولا تتعرض للطعن فيها. وأشار آخرون إلى البيئة التي أُسر فيها لطيف والمئات من السجناء مع انهيار نظام طالبان في أفغانستان. (يشارك بعض مسؤولي طالبان في محادثات سلام جرت مؤخرًا مع السلطات الأمريكية).

بيع أعضاء القاعدة وطالبان مقابل المال

في مذكراته لعام 2006، «في خط النار»، كشف الرئيس الباكستاني السابق، برويز مشرف، أن وكالة الاستخبارات المركزية كانت تدفع مكافآت تصل إلى خمسة آلاف دولار – وهو مبلغ هائل في جنوب آسيا– مقابل الإبلاغ عن مشتبه به من تنظيم القاعدة وحركة طالبان. 

وكتب مشرف: «فر العديد من أعضاء القاعدة من أفغانستان وعبروا الحدود إلى باكستان. لعبنا لعبة القط والفأر معهم. لقد أسرنا 689، وسلمنا 369 إلى الولايات المتحدة. لقد كسبنا مكافآت بملايين الدولارات. أولئك الذين يتهموننا عادةً «بأننا لا نفعل ما فيه الكفاية» في الحرب على الإرهاب يجب أن يسألوا وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عن مقدار الجوائز المالية التي دفعتها إلى حكومة باكستان». تعليقات «مشرف» جعلت منظمة العفو الدولية تؤكد أن مئات الأشخاص احتُجزوا بصورة غير قانونية. 

وقال كلاوديو كوردوني، مدير الأبحاث في منظمة العفو الدولية آنذاك: «اعتقل صائدو المكافآت، بمن فيهم ضباط الشرطة والسكان المحليون، أفرادًا من جنسيات مختلفة، وغالبًا ما يكون ذلك عشوائيًّا، وباعوهم إلى الولايات المتحدة». وأضاف «الطريق إلى جوانتانامو يبدأ حرفيًّا تمامًا في باكستان».

صدمة أسرة عبد اللطيف بعد القرار

هناك أشخاص ينتظرون عودة «لطيف» إلى بلاده. إنهم ينتظرون منذ وقت طويل. 

«في غضون 24 ساعة من سماع الأخبار (بأنه أخلي سبيله تمهيدًا لإطلاق سراحه) بدأنا الاستعداد لاستقباله حال عودته، لأننا كنا سعداء للغاية. أولئك الذين كانوا على اتصال معه في السجن يتحدثون جميعًا عن شخصيته الطيبة؛ لذلك كنا سعداء لاستقباله». هذه هي كلمات مصطفى ناصر، أحد شقيقي «لطيف»، اللذين تحدثا مؤخرًا من المغرب عبر سكايب مع قناة إيه بي سي نيوز.

عائلة عبد اللطيف ناصر المصدر

وقال مصطفى «لقد شعرت العائلة كلها بالارتياح وكانت تستعد لاستقباله. كان كل شخص يفعل شيئًا، وأعد شخص ما المنزل الذي سيعيش فيه، وآخر غرفته، وحتى وجدنا عروسًا محتملة له لكي نزوجه إياها. في النهاية، تحطمت هذه السعادة والوعد».  

وقالت العائلة، التي تضم خمس شقيقات وشقيقين والعديد من أبناء العمومة، إنها لم تسمع من لطيف منذ سنوات عديدة بعد مغادرته البلاد في شبابه. ثم في مرحلة ما، اتصل بهم ممثل للجنة الدولية للصليب الأحمر ليقول إنه محتجز في جوانتانامو.

وقال مصطفى: «كانت هذه صدمة تتجاوز الشعور بالصدمة. الأخبار التي تلقيناها لم تكن إيجابية. أخي الشخص الذي عرفناه بكونه متعاطفًا ومسالمًا وذكيًّا ومجتهدًا ومتعلمًا، شخص أكمل شهادة البكالوريا في وقت كان هذا يعد صعبًا للغاية ولم يكن هو القاعدة. لقد ذهب إلى الجامعة وأبلى بلاء حسنًا». وقال أحد أبناء عمه، طلب عدم الكشف عن هويته: «بشكل عام، كانت العائلة في حالة صدمة لأنه كان دائمًا شخصًا جيدًا».

وتقول العائلة إنهم عندما تحدثوا إليه في وقت سابق من هذا العام، كان لطيف «متوترًا وغاضبًا، وفقد الأمل في أن تكون له حياة خارج جوانتانامو». يقولون إنه قال لهم: «لقد ضاعت سنوات عديدة من حياتي، ومرت ثلاث سنوات على إخلاء سبيلي، كان يمكن أن أعود إلى بلدي وإلى وطني، وأن أعيش في حرية. الآن لم يعد لدي أي أمل». لقد تحدثوا معه مؤخرًا وأكدوا له أنهم ما زالوا يعملون من أجل إطلاق سراحه، الأمر الذي جعل حالته تبدو أفضل. 

ويقول شقيقه: «نريد أن يعرف الناس أن لطيفًا بمجرد النظر إلى وجهه، سترى براءته، وهو يحب الطبيعة وله شخصية جيدة. إنه شخص يتمنى الخير للجميع، ويشهد الجميع بذلك، الجيران والعائلة، والناس يعرفونه بالاسم بسبب شخصيته وصدقه وطبعه وتفانيه، وهو محبوب من قبل الكثيرين».

متى تطوى صفحة الماضي؟

عندما تحدثت شيلبي سوليفان-بنيس أمام مجلس المراجعة الدولية في يونيو (حزيران) 2016 نيابة عن لطيف، كانت تأمل في الأفضل. يشبه المجلس جلسة الإفراج المشروط، ولكنه مكون من كبار المسؤولين من وزارات الدفاع والعدل والأمن الداخلي، والخارجية، وممثلين عن رئيس هيئة الأركان المشتركة، ومدير الاستخبارات الوطنية. 

وقالت سوليفان بينيس المحامية التي كانت تعمل آنذاك مع منظمة «ريبريف»، ولكنها تعمل الآن بشكل مستقل: «ناصر يأسف بشدة لأفعاله الماضية. أنا واثقة تمامًا من أن ناصرًا لديه رغبة قوية في وضع هذه الفترة المؤسفة من حياته خلفه والمضي قدمًا».

وأضافت في أثناء حديثها من جوانتانامو إلى المسؤولين المجتمعين في واشنطن العاصمة، عبر مؤتمر بالفيديو آمن: «سوف يسعى ناصر إلى إعادة الاندماج في المجتمع، والزواج وتكوين أسرة خاصة به. لم يدل ناصر بأي تعليقات سلبية أو عبر عن أي ضغينة تجاه الولايات المتحدة، ولم يقدم أي دليل على وجود اهتمام بأنشطة متطرفة».

المحاكم تغسل يدها من الأمر

وبعد شهر، أعلن المجلس الأنباء التي لم يكن بوسع لطيف أن يصدقها. لم يكن هناك أي اعتراض من أي من المخابرات أو الوكالات الحكومية على إطلاق سراحه. لقد كان حرًّا في المغادرة، بمجرد توقيع بلده على الاتفاق، وأبلغ الكونجرس الأمريكي بانتقاله. أو هكذا بدا الأمر. 

عبد اللطيف ناصر المصدر

وبعد ستة أشهر، ومع محاولة وزارة الخارجية حمل السلطات في المغرب على التوقيع، غيّرت تغريدة واحدة لترامب سياسة عهد أوباما بشأن إطلاق سراح معتقلي جوانتانامو في لحظة. وعندما طعن محامو لطيف وآخرون على احتجازهم، بدا أن المحاكم تشير إلى أن القرار يعود إلى السلطة التنفيذية.

في 19 يناير (كانون الثاني) 2017، رفضت القاضية الاتحادية كولين كولار-كوتيلي الحجة القائلة بأن وزير الدفاع الجديد لترامب جيمس ماتيس، ملزم أخلاقيًّا بإبلاغ الكونجرس وتيسير تمرير الإفراج عن لطيف. في العام الماضي، قدم محامو لطيف و10 رجال آخرين التماسًا للمثول أمام المحكمة – وهو المبدأ الأكثر جوهرية في القانون العام- للمطالبة بمثولهم أمام القاضي وإبلاغهم لماذا ما يزالون محتجزين.

وقال نص الالتماس: «بالنظر إلى إعلان دونالد ترامب ضد الإفراج عن أي من الملتمسين – الذي تدفع إليه العجرفة التنفيذية والعداء الفج وليس العقل أو مخاوف الأمن القومي المتأنية- فإن هؤلاء الملتمسين قد لا يتركون جوانتانامو أحياء أبدًا، بدون تدخل قضائي». 

وردًّا على سؤال من القاضي الفيدرالي توماس هوجان، الذي يجلس في المحكمة الجزئية لمقاطعة كولومبيا، والذي يعد في المرتبة الثانية من ناحية الأقدمية بالنسبة للمحكمة العليا، كم من الوقت تعتزم الإدارة احتجاز الرجال، قال محامي وزارة العدل رونالد ويلتسي حتى «نهاية الأعمال القتالية».

أثار القاضي احتمال وجود أسير تم أسره خلال حرب المائة عام بين إنجلترا وفرنسا، والتي امتدت من عام 1337 إلى عام 1453. وأجاب ويلتسي «نعم.. يمكننا احتجازهم لمدة مائة عام إذا استمر النزاع لمدة مائة عام».

محتجزون على «هوى ترامب»

يقول مارك ماهر، وهو محامٍ آخر من منظمة «ريبريف»، إن الرجال الآن «محتجزون إلى أجل غير مسمى دون محاكمة تماشيًا مع هوى الرئيس». مضيفًا أنه «من الصعب تصور حدوث انتهاك دستوري أكثر خطورة من ذلك».

ويمثل شيانا كاديدال، وهو محام في مركز الحقوق الدستورية ومقره نيويورك، سفيان برهومي، المحتجز في جوانتانامو لأكثر من 17 عامًا وأُخلي سبيله للإفراج عنه في عام 2010. ولم يكن برهومي من بين الأحد عشر رجلًا الذين قدموا التماس المثول أمام القاضي، على الرغم من أنه قدم طلبًا مماثلًا عن نفسه. 

يقول كاديدال إن إدارة ترامب أوضحت أنها ليست مهتمة بإطلاق سراح المزيد من السجناء، بغض النظر عن وضعهم، أو التوفير المالي المحتمل.

بالإضافة إلى تغريدة ترامب، كان أحد الدلائل هو قرار إغلاق مكتب وزارة الخارجية الذي تعامل مع عمليات نقل السجناء إلى خارج جوانتانامو. يقول شيانا إنه التقى مؤخرًا برهومي. ويضيف: «لقد كان جيدًا بشكل مدهش. أحد الأشياء عن هؤلاء الرجال هو وجود تفاؤل عنيد لديهم».

يقول كاديدال إنه على الرغم من أن الكثيرين يرون أن إبقاء جوانتانامو مفتوحًا هو نوع من الجنون، فإن هناك مصالح كبيرة في ذلك. بالنسبة لترامب، قد تكون المصلحة سياسية، وبالنسبة للجيش قد تكون استراتيجية، وبالنسبة للمحامين الكثيرين المعينين من قبل الجيش الذين يدافعون عن متهمي 11 سبتمبر، قد تكون مهنية ومالية. ويضيف أن «الجيش الأمريكي يريد الاستمرار في إدارة سجن، بحيث يمكن أن يكون له مكان لإرسال الناس إليه في المستقبل».

تساؤلات حول المستقبل وأحزان دفينة

وتقول سوليفان بينيس، التي تمثل عددًا من سجناء جوانتانامو، إن الرجال طرحوا عليها أسئلة مختلفة. ويريد البيحاني، البالغ من العمر 47 عامًا، وهو يمني محتجز منذ 17 عامًا، وصدر قرار بإخلاء سبيله عام 2010، أن يعرف «ما الذي تقوله الحكومة عنه». مضيفة أنه من الصعب تقديم إجابة؛ إذ لم يتم الرد بعد على التماس المثول أمام القاضي المقدم في عام 2017. 

Embed from Getty Images

وتقول «إنه يقرأ ويفهم التقاضي. لا نعرف سبب احتجازه. كان من المقرر نقله إلى السعودية. لا نعرف لماذا لم يوضع على متن الطائرة».

وتتابع أن «لطيفًا» يشعر بالقلق حول ما إذا كان ينبغي له الاستعداد لقضاء بقية حياته في جوانتانامو. يقول إن الدروس والبرامج التي كانت السلطات تقدمها يومًا ما، جرى تخفيضها. يقول إن المكتبة لا تتلقى الآن أي كتب جديدة، والقناة الإخبارية الإنجليزية الوحيدة هي قناة روسيا اليوم، والقناة العربية هي الميادين اللبنانية.

وتقول إن «شاغله الرئيسي هو أن يعيش حياة مثل الحياة. إنه يشعر وكأنهم يجري إبقاؤهم على قيد الحياة ليس أكثر». قالت إن اهتمامهم بقضاء الوقت معًا محدود؛ لأن «ما الذي نتحدث عنه؟ شيء ما حدث في عام 2006؟ لا شيء». 

وتقول إنه أضاف: «لكن إذا وفرت جوًّا من التعليم، فسوف ينغمس فيما يهمه. على سبيل المثال، إذا كان مهتمًا باللغة الإنجليزية، فسوف يتحدث طوال الوقت عن اللغة الإنجليزية. إذا كان مهتمًا بالفن، فسيتحدث عن الفن. المشكلة هي أن المحتجزين ليس لديهم ما يفعلونه».

إلى حد ما، يعد البيحاني، ولطيف، وبرهومي في وضع أفضل من الاثنين اللذين أخلي سبيلهما لإطلاق سراحهما. لا يمتلك ستار ولا اليزيدي حاليًا تمثيلًا قانونيًّا. داخل المجتمع القانوني الذي تعامل مع جوانتانامو، هناك مخاوف بشأن الصحة العقلية لجميع المعتقلين، ولكن على نحو خاص فيما يتعلق بهذين المعتقلين المحتجزين منذ أكثر من 17 عامًا.

بين الإضراب والرعاية الطبية

فشلت وزارة العدل الأمريكية في الرد على استفسارات متعددة حول الرجال الخمسة. تقول كانديس تريتش المتحدثة باسم البنتاجون، إن الجيش يوفر للمحتجزين «فرصًا للترفيه، والصلاة الجماعية، والمكالمات الهاتفية للعائلة والبريد». وتقول إن المكتبة تحوي أكثر من 30 ألف مادة، بما في ذلك الكتب والأفلام، بأكثر من 19 لغة مختلفة. يمكن للمحتجزين الوصول إلى القنوات الفضائية والإذاعة.

وتقول إنها بينما لا تستطيع التعليق على صحة سجين فردي، فإن «الرعاية الطبية المقدمة للمحتجزين تتفق مع اتفاقية جنيف، التي تتطلب علاجًا طبيًّا مشابهًا لذلك المتوفر لأعضاء الخدمة الأمريكية».

Embed from Getty Images

وعندما سئلت عن سبب استمرار احتجاز الرجال، قالت: «لا يُتخذ قرار نقل المعتقل إلا بعد محادثات مفصلة ومحددة مع الدولة المستقبلة، حول التهديد المحتمل الذي قد يشكله المعتقل بعد النقل، والإجراءات التي ستتخذها الدولة المستقبلة لتخفيف هذا التهديد بشكل كاف. بمجرد أن تقبل دولة ما المحتجز لإعادته إلى وطنه أو إعادة توطينه، فإننا نضمن أن عملية النقل يمكن أن تتم وفقًا لسياستنا المتعلقة بالمعاملة الإنسانية بعد النقل».

أضرب لطيف، الذي احتجز لعدة سنوات في الحبس الانفرادي، مرتين عن الطعام للاحتجاج على اعتقاله. في عام 2013، انخفض وزنه إلى 124 رطلا (56 كجم). إنه يبذل الآن جهدًا لرعاية صحته بشكل أفضل. «عناصر الراحة» التي يطلبها عادة هي الطحينة، وزيت الكتان، والتين، والفواكه، المجففة وبذور الشمر، والجوز، والفستق، وزبدة اللوز.

في رسالة أخرى نشرها محاموه، فكر في السنوات السبعة عشرة التي أمضاها في جوانتانامو إذ يقول: «لقد تعلمت أن أكون أكثر انفتاحًا على الثقافات الأخرى». ويضيف «ما لدينا ليس كله مثاليًّا وجيدًا. مرات عديدة، سيكون الحارس صديقًا وأشعر بالحزن عندما يغادر البعض». ويتابع: «بعض الأمريكيين يحاولون (مساعدتنا) في الحصول على حريتنا؛ لذلك لا تحكم على بلد من خلال سياسات حكومته».

مترجم: سجنتهم أمريكا لأنها تستطيع! ماذا تعرف عن «السجناء الأبديين» في جوانتانامو؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد