نواجه في حياتنا اليومية خيارات أكثر من أي وقت مضى – ولكن في الوقت الذي يفترض فيه أن تشعرنا الخيارات بالتحرر، فهي في الواقع ترهقنا.

ربما تجد أحد هذه السيناريوهات مألوفًا لك: تضييع ساعة من تصفح تطبيق «تيندر» دون أية نتيجة سوى إبهام متعب. تتقلب بين المسلسلات والأفلام المعروضة على نتفيلكس، وفي النهاية تنام دون أن تشاهد أي شيء. تأخذ وقتًا طويلاً لتقرر نوع الطعام الذي ستطلبه ويمر الوقت لتكتشف أنك أصبحت جائعًا جدًا ولا تستطيع أن تنتظر أية طلبية فتصنع لنفسك ساندويتش بدلاً من ذلك. هكذا بدأت كليو ثورب مقالها الذي نشره موقع «ميديوم».

تقول كلير: نواجه في حياتنا اليومية خيارات أكثر من أي وقت مضى – ولكن في الوقت الذي يفترض فيه أن تشعرنا الخيارات بالتحرر، فهي في الواقع ترهقنا. أظهرت الأبحاث أننا لسنا مفطورين للتعامل مع وفرة من القرارات والخيارات: في إحدى الدراسات الحديثة، لاحظ الباحثون الذين يستخدمون التصوير بالرنين المغناطيسي لرصد أدمغة المشاركين مزيدًا من النشاط عندما كان على المشاركين اختيار خيار واحد من أصل 12 مقارنة، فعندما كانت مجموعة الخيارات ستة أو 24 خيارًا. كان تأثير قلة الخيارات مماثلًا لكثرتها المبالغ فيها.

هناك بعض الأسماء المختلفة لهذا النوع من الإرهاق الذي يصيب بالشلل الذهني. ناقش باري شوارتز عالم النفس ما أسماه «التناقض في الاختيار» في كتابه لعام 2004 الذي يحمل نفس الاسم. بعض الخبراء يطلقون عليه «الخيار الزائد» أو «overchoice»، والبعض يسميها، ببساطة،  FOBO أو فوبو (اختصارًا لـThe Fear of Better Options): الخوف من خيارات أفضل.

Embed from Getty Images

إنه مصطلح جذاب لشيء يمكن أن يكون له تأثير حقيقي وضار على حياتنا -بحسب الكاتبة. يوضح كولين كاميرر، المؤلف المشارك في دراسة التصوير بالرنين المغناطيسي وأستاذ الاقتصاد السلوكي في معهد كاليفورنيا للتقنية أن الـ«فوبو» يشل القدرة على الاختيار ويجعلك تشعر بالسوء حتى بشأن اختيار جيد، النتيجة الأخرى هي أننا نستطيع تأجيل اختيارات مهمة -الجدية بشأن علاقة – لأن هناك الكثير من الخيارات والتفكير في اتخاذ قرار طاحن. وبطبيعة الحال سيكون بعض الناس أكثر عرضة لهذا النوع من التفكير من الآخرين.

يقسم فرع من أبحاث علم النفس الأشخاص إلى فئتين: راضين بالحد الأدنى، وهم الذين يبحثون حتى يجدون خيارًا مناسبًا بما يكفي لتلبية جميع معاييرهم ثم يتوقفون عن البحث؛ والراغبين في أقصى فائدة، وهم الذين يريدون العثور على أفضل خيار متاح.

الأشخاص في المجموعة الثانية يميلون إلى أن يكونوا معرضين لشعور الـ«فوبو». تقول إلين بيترز، أستاذة علم النفس في جامعة ولاية أوهايو ومديرة مدرسة العلوم التعاونية التابعة للمدرسة: «من الممكن أن ينتهي المطاف بأولئك الراغبين في الفائدة القصوى إلى الكثير من الندم والعواطف السلبية التي تأتي من مقارنة الأشياء التي لم يختاروها». أي شخص راجع قراره في طلب طبق ما في مطعم عندما شاهد طبق صديقه سيعرف هذا الشعور جيدًا.

تشير كلير إلى أنه بغض النظر عن أسلوبك في صناعة قرارتك، هناك استراتيجيات يمكن أن تخفف من آلام الاختيار. تقول ميشيل فلورندو، التي درست هندسة القرار في جامعة ستانفورد وتعمل الآن مدربة تنفيذية: «أعتقد تمامًا أنها مهارة يمكن تطويرها».

Embed from Getty Images

تقول فلورندو إن الخطوة الأولى لتجاوز الـ«فوبو» هي وضع خيار معين في سياق أكبر. ويقول: «الناس خائفون من اتخاذ قرار خاطئ، وفي أساس هذا التفكير مغالطة في فهم ما هو قرار جيد أصلًا.. يعتقد الكثير من الناس أنه بإمكناهم أخذ كل شيء بالاعتبار واتخاذ قرار مع معرفة كل المعلومات المحيطة به» كذلك الفيلم الذي تبين أنه فظيع، أو الشقة الجديدة مع جيران من الجحيم، أو العطلة التي أمطرت فيها السماء لمدة ستة أيام متتالية- عندما يحدث خطأ ما، ذكّر نفسك أنه لا يمكنك أن تعرف الصورة الكاملة في وقت مبكر.

كما أن التفكير في أسوأ السيناريوهات المحتملة يساعدنا في اتخاذ القرارات. تقول فلورندو: «بعض الأشخاص يتوقفون عند سؤال: ماذا لو حدث شيء سيئ؟». نعم، قد يحدث شيء سيئ، ولكن ما القرار الذي ستتخذه بعد ذلك؟ وتقول «إن الناس غالبًا ما ينسبون الكثير جدًا إلى خيار ما، متناسين أن هناك فرصًا كثيرة أخرى لاتخاذ قرارات جديدة بعد أن يكون هذا الأمر قد حدث».

كما تذكر كلير أن هناك خطأ آخر شائعًا وهو عدم معرفة ما تريد قبل النظر في خياراتك. وبمجرد أن تصبح هذه الخيارات أمامك، تكون هدفًا سهلًا للمغريات – كتلك الشقة في الحيّ الراقي، أو ماسك الوجه بتسعين دولارًا والذي تظهر إعلاناته باستمرار على الصفحة الخاصة بك على إنستجرام – بغض النظر عما إذا كان ما تريده أو تحتاج إليه بالفعل. إن تحديد ما يهمك في البداية ثم قياس كل خيار مقابل هذا التعريف لما تريده يسمح لك بالبدء بعملية اتخاذ القرار مع توجيه أكبر.

Embed from Getty Images

وإذا كنت عالقًا حقًا، فتقترح فلورندو رسم خريطة للقرار على الورق، وتقول: «من السهل التفكير في دوائر عندما نفكر في رأسنا. ولكن بمجرد أن ترى أشياء مكتوبة أمامك، ستبدأ في رؤية الأنماط التي تنشأ: ما الذي يثير قلقي وماذا الذي يحمسني حقًا؟ ما هي المعلومات التي لدي حول كيفية الحصول على ما أريد من هذه الخيارات؟» إذا استطعت، قرر في وقت مبكر القرارات التي تستحق التأنيب. بالنسبة للقرارات الأصغر والأقل أهمية، تقترح بيترز الاختيار العشوائي، وتقول: «في بعض الأحيان يكون أفضل خيار هو أن نقلب عملة معدنية».

إذا كان ذلك أمرًا شاقًا للغاية، فحاول تطوير نظام لتضييق خياراتك. يمكنك التخلص من جميع الخيارات الأقل جاذبية من الخيارات، على سبيل المثال، ثم اختر عشوائيًا. توصلت إحدى الدراسات إلى أن الطريقة الفعالة لاتخاذ القرارات هي التعامل مع العملية مثل بطولة أو دورة رياضية: تقسيم الخيارات إلى مجموعات، واختيار الفائز من كل مجموعة، ثم اختيار فائز جديد من مجموعة من المتأهلين للتصفيات النهائية.

إذا كنت غير راضٍ عن النتيجة، فهذه معلومة مفيدة أيضًا في اتخاذ القرار. تقول بيترز: «إننا غالبًا ما نتعذب بالاختيارات القريبة جدًا من بعضها البعض» مثل الاختيار بين وظيفتين عندما تعتقد أنك ستكون سعيدًا بأي منهما. عندما لا يأخذك التفكير المنطقي إلى أي مكان، يمكن أن تكون الغريزة والحدس هما العاملان الحاسمان في بعض الأحيان.

تضيف بيترز أن واحدة من أكثر الأشياء المفيدة التي يمكنك القيام بها هي أن تسأل نفسك ما إذا كان القرار سيكون له أهمية بعد خمس سنوات من الآن. عدا العلاقات والمنازل والوظائف طبعًا. لكن في غضون خمس سنوات، هل تهتم باختيار شريحة اللحم فوق الدجاج، أو اختيار السترة الزرقاء فوق سترة حمراء؟ بصراحة، قد تكون مشغولًا جدًا في تحديد ما تشاهده على التلفزيون لتتذكره.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد