لطالما كانت حركة الخدمة وزعيمها فتح الله غولن صداعًا في رأس حكومة «حزب العدالة والتنمية»، وها هي المحاكمات الجماعية بتهمة الانقلاب على الرئيس رجب طيب أردوغان توشك على الانتهاء، لكنها تنتهي كاشفة معها حقيقة صادمة: حركة غولن تتغلل في مفاصل الدولة وأرجائها.

وفي تقرير بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية يرسم الصحفيان توجبا بوزكادا وفوتيني كريستيا خريطة جغرافية لانتشار حركة غولن في الشارع التركي ودولاب الدولة.

التاريخ والواقع والمستقبل.. ملف «ساسة بوست» الشامل عن محاولة الانقلاب العسكري في تركيا

في تركيا، أوشكت مئات المحاكمات لرجال أمن ومدنيين متهمين بالمشاركة في الانقلاب الفاشل ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الانتهاء، وهو انقلاب اتهمت الحكومة التركية التي نجت منه إلى حد كبير رجل الدين فتح الله غولن بالوقوف وراءه وتدبيره.

تعهدت الحكومة بالقضاء على حركته الدينية واسعة الانتشار، المعروفة باسم «جماعة الخدمة». ونتيجةً لذلك، أغلقت أنقرة نحو 800 شركة، و1100 مدرسة، و850 سكن طلابي، و1400 جمعية مدنية، فضلًا عن اعتقال أكثر من 38 ألف شخص، وإيقاف أكثر من 100 ألف موظف مدني في قطاعات الشرطة والقضاء والتعليم والصحة، كما أُلقي القبض على عاملين في القطاعات التجارية والمالية والإعلام، بحسب تقرير «فورين بوليسي».

ويشير التقرير إلى أنه مثلها مثل العديد من الحركات الإسلامية، حصلت جماعة غولن على دعم المواطنين بتقديم الخدمات لهم. وأضاف أنه إلى جانب هذا الدعم، تُظهر المعلومات الحكومية الموثقة التي كُشفت بعد محاولة الانقلاب في 2016 أن سيطرة الحركة على الخدمات الاجتماعية كانت ملحوظة.

ويشرح الكاتبان العملية التي عُرِّف عن طريقها العمق الحقيقي لتأثير حركة غولن، قائلين: «فحصنا البيانات المتاحة للجمهور حول حملة تطهير حكومة أردوغان، وتتبعها لبؤر انتشار الحركة، وقياس مدى تغلغل جماعة الخدمة في المناطق التركية البالغ عددها أكثر من 900 مقاطعة».

وأضافا: «استخدمنا كذلك بيانات المواقع الحكومية الرسمية حول الاستثمارات العامة المحلية في التعليم والصحة والمؤسسات الدينية، فضلًا عن بيانات جمعيات رجال الأعمال غير التابعين للخدمة، والأوقاف الدينية، ومعلومات من التعداد السكاني والانتخابات التركية».

وتابعا: «اكتشفنا أن وجود أنصار غولن في مختلف قطاعات الخدمة المدنية يتراوح بين 1.5% إلى 11.3% من جميع موظفي الدولة. كان وجودهم في القطاع التعليمي ملحوظًا، إذ كان له تأثير على حوالي 18% من جميع مساكن الطلبة الخاصة، و11% من جميع المدارس الخاصة».

وشهدت المؤسسات التعليمية المرتبطة بالحركة نموًا ملحوظًا بمرور الوقت، واكتسبت سمعة حسنة في إخراج الطلاب المتفوقين، وشددت الحركة في المقام الأول على الجمع بين التدريب الديني والعلمي، وكانت معروفةً باستخدام المؤسسات التعليمية، كوسيلة لكسب ولاء العديد من الشباب ونشر أفكارها، وفقًا لتقرير توجبا وفوتيني.

وبين كبار البيروقراطيين، يبدو أن نسبة انتشار الحركة وصل إلى 30% في القضاء، و50% في قوات الشرطة، وهما القطاعان البيروقراطيان اللذان يُزعم أنهما ينطويان على أكبر شبكات الحركة، بحسب التقرير، الذي أضاف أنه على صعيد التباين الإقليمي، كان وجود الحركة في منطقتي الأناضول الشرقية وإيجة هو الأعلى، والذي كان مفاجئًا، فقبل هذه الدراسة، كان الاعتقاد السائد أن المناطق المحافظة الأكثر حظًا من خدمات الإسلاميين.

ويرى الكاتبان أن الاختلافات لا توضح قدرة الدولة، بقدر ما تبرز الانتهازية؛ الزحف إلى حيث كانت الخدمات الحكومية رديئة، وقالا: إنه «يبدو أن تقديم الخدمات من جماعة غولن ارتبط بوجود نخبة من رجال الأعمال، الذين ارتبطوا بالحركة بنشاط، ما أضفي بعض المنطقية». وأشار التقرير إلى أن العديد من الأعمال التي سبقت انقلاب يوليو (تموز) 2016 تقول: «إن فتح الله غولن دعم منذ السنوات الأولى لتأسيس حركته اقتصاد السوق الحر كوسيلة لإنتاج الثروة التي يمكن تحويلها إلى خدمات».

وعلى هذا النحو، يقول التقرير إن حركة غولن وُجهت لخلق مساحة تتواجد فيها الرأسمالية جنبًا إلى جنب مع الدين، حيث يمكن لرجال الأعمال أن يكونوا أتقياء، بينما يتربحون من التحرر الاقتصادي التركي في الثمانينات، عندما عززت تركيا روح المبادرة.

في حين ذهب علماء مثل غابرييل بريكي أبعد من ذلك، بمقارنة دور حركة غولن في حشد رجال الأعمال الأتقياء، بدور البروتستانتية في ريادة الأعمال في العالم المسيحي، وفقًا للتقرير.

وأشار التقرير إلى أن حركة غولن استخدمت منذ البداية دوائر الخطاب الديني والتي كانت موجودة مسبقًا، والمعروف بـ«الصحبة»، كوسيلة للجمع بين المتدينين من رجال الأعمال، ذوي الفكر التجاري، للتجارة والشراكة، وفي المقابل، كان متوقعًا أن يتبرعوا بالمال، كنوع من المكافأة للاستفادة من شبكات الحركة، موضحًا أنه في نفس الوقت، وفرت روابط الأعمال بيئة مؤسسية للحفاظ على هذه الاجتماعات، التي كانت مصيدةً لجذب الأعضاء المحتملين. وكلما زاد الطابع الرسمي على هذه الروابط، أصبح جمع التبرعات لتوفير الرعاية والخدمات أسهل على مسؤولي الحركة.

وقال الكاتبان: «إن وصول مجموعة ذات دوافع دكتاتورية مثل حركة غولن إلى إمكانات هائلة في البيروقراطية والخدمات الاجتماعية سيكون مثيرًا للقلق لدى أي حكومة، لكنهما أضافا أنه في حالة حركة غولن تظهر أيضًا أن ضمان حرية المجتمع المدني والحد من التمييز في قطاعات الأعمال والتوظيف العام، أمر مهم للغاية للحكم الثابت، للتأكد من عدم سيطرة أي حركة على هذه القطاعات».

واختتما تقريرهما بالقول: إنه «ينبغي أن تضع تركيا هذا في الحسبان، وهي تواجه أزمات متعددة بما فيها الاضطرابات المالية الناتجة عن ضعف الليرة، والتهديدات الأمنية الناتجة عن الصراعات في سوريا والعراق».

«بلومبرج»: كيف تغيِّر تركيا شكل الشرق الأوسط وماذا يمكن أن تفعل أمريكا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد