كتب الصحافي جيليان جوجان مقالًا في مجلة «فورين بوليسي» حول استعانة الحكومة التركية بأتباع الطرق الصوفية من أجل توفير نخب تستعين بها السلطات في الجهاز الإداري. وأشار إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحاول إحلال جماعة «المنزل» محل جماعة «كولن» المتهمة حاليًا بالإرهاب.

ويرى الكاتب أن الاعتماد على الطرق الدينية هي إستراتيجية محفوفة بالمخاطر، ويمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى صراع بين أتباع الطريقة والحكومة كما حدث مع حركة «كولن».

ويستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن «تركيا طردت من عرفوا بالمتعاطفين مع فتح الله كولن من الوظائف الحكومية بعد محاولة الانقلاب في عام 2016. الطرق الإسلامية الأخرى، وخاصة طريقة «المنزل» (Menzil Cemaati)، تملأ الفراغ الآن».

ويضيف: «بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على محاولة الانقلاب المؤلمة التي وقعت في تركيا في عام 2016 – والتي ألقت الحكومة باللوم فيها على جماعة كولن – فإن الجدل الدائر حول الطوائف الدينية يشتعل من جديد. فبعد حملات التطهير الكاسحة، قالت أنقرة إنها قضت على أتباع كولن. لكن منذ ذلك الحين أشار صحافيون إلى ظهور طرق أخرى لتشغل مكان جماعة كولن».

ويتابع الكاتب أنه «في بلد تستهلكه نظريات المؤامرة والتآمر خلف الكواليس، أثار الكشف عن ذلك ضجة كبيرة. وأثارت الشكوك بأن الطرق الدينية تسللت مرة أخرى إلى أجهزة الدولة؛ نقاشات تلفزيونية صاخبة والعديد من الاستجوابات البرلمانية. وأثار ذلك بشكل خاص قلق الصحافة العلمانية في تركيا، المشغولة إلى حد الهوس منذ زمن طويل بالمذاهب الدينية وشبح الأسلمة».

وأردف الكاتب أن «صحافيين أتراك يقولون: إن هناك مجموعة غامضة تسمى «المنزلية» تتسلل إلى قوات الشرطة. لكن قبل شهرين، نفى وزير الداخلية التركي سليمان صويلو هذه المزاعم. قال لي بجرأة: «أرني واحدًا (عضو في الطائفة المنزلية داخل قوات الشرطة) وسأستقيل من الوزارة».

Embed from Getty Images

مشاركة الطرق الإسلامية في السياسة التركية ليست جديدة

في حين أن مصطفى كمال أتاتورك، الأب المؤسس لتركيا العلمانية، جرّم الطرق الدينية في عام 1925، بدأت بعض هذه الطرق في العودة خلال فترة الخمسينات. كان أهمها النقشبندية الخالدية، الأخوية المحافظة التي تنقسم إلى عدة فروع. واليوم، تنبثق عنها غالبية الطرق الإسلامية في تركيا، وكذلك الحال بالنسبة لطريقة «المنزل» التي تعتبر موضع مخاوف كبيرة.

طريقة إسكندر باشا، إحدى فروع الطريقة النقشبندية، كانت وراء إنشاء أول حزب إسلامي في البلاد، وهو حزب «النظام الوطني» في عام 1970. وكان أردوغان نفسه عضوا في طريقة إسكندر باشا، مثله مثل العديد من الشخصيات الأخرى في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم الحالي.

في الواقع منذ صعوده إلى السلطة في عام 2002 بنى الحزب المحافظ دينيًا المؤيد للسوق الحرة حكمه على المشاركة الانتقائية للطوائف الدينية، بما في ذلك أتباع كولن ذوي السمعة السيئة الآن، وكان يغدق عليهم الأفضال، فازداد نفوذهم بالتماشي مع نفوذ حزب «العدالة والتنمية».

لكن لم تصل أي من هذه الطرق إلى سطوة أتباع كولن. فخلافًا للنقشبندية الخالدية، لا تعتمد حركة كولن على طريقة صوفية، ولكنها مدرسة فكرية تحمل اسم «النور» تدافع عن طريقة من الإسلام متوافقة مع التقدم التكنولوجي والبحث العلمي. أما الطوائف النقشبندية الخالدية، فتميل إلى أن تكون معادية للحداثة والغرب.

حركة كولن سيطرت على القضاء وعلى الكثير من أفراد الشرطة

واكتسبت الجماعة بقيادة الداعية فتح الله كولن أرضًا في السبعينات من خلال سلسلة من المدارس الخاصة التي أنشأتها لتدريب نخبة متدينة.

وبحلول التسعينات كانت قد بدأت في تصدير مدارسها إلى الخارج. على الصعيد المحلي، تحرك أتباع كولن للاستيلاء على مؤسسات الدولة، سعيًا إلى أن يحلوا النخب العلمانية الراسخة. وبحلول أوائل العقد الأول من القرن العشرين، كانوا قد سيطروا على وظائف القضاء وكثير من وظائف الشرطة.

عندما تولى حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان السلطة في عام 2002 اتحد مع اتباع كولن من أجل سحق الجيش التركي، الذي يعد حصنًا ضد النزعة الإسلامية، كما يعرف نفسه.

أجرى كل من أتباع كولن وحزب «العدالة والتنمية» معًا ما يسمى بمحاكمات «إرجينكون (Ergenekon)» و«المطرقة» التي أودت بمئات الضباط العسكريين إلى السجن، ولكن بعد فترة وجيزة من ترويض الجيش، تلا ذلك صراع شرس على السلطة.

Embed from Getty Images

الصدام بين حركة كولن وحكومة أردوغان

في عام 2012 هاجم أتباع كولن، الذين شجعهم شعورهم بالقوة، جماعة أردوغان، محاولين سجن بعض المقربين منه. وبعد مرور عام، أثاروا مزاعم بالفساد لتخريب قيادة حزب العدالة والتنمية. ولإحباط حركاتهم خفض أردوغان رتب الآلاف من المشتبه في أنهم من أتباع كولن في الشرطة والقضاء. ثم أغلق وسائل الإعلام التابعة لكولن، بما في ذلك صحيفة «زمان» اليومية والشركات مثل مجموعة شركات «كوزا إبيك (Koza Ipek)».

في يوليو (تموز) 2016 وقعت محاولة انقلاب أودت بحياة أكثر من 250 شخصا. كان أردوغان سريعًا في الإشارة إلى ذراع كولن الطويلة. في أعقاب ذلك أقالت أنقرة حوالي 150 ألف موظف حكومي، واعتقل أكثر من 34 ألف شخص بسبب علاقات مزعومة بكولن. على الرغم من أن هزيمة الانقلاب حظيت بإشادة باعتبارها انتصارًا ديمقراطيًا، إلا أن النقاد يلقون باللوم على عمليات التطهير في ابتلاع مجموعة من الشخصيات الهدامة، بما يتجاوز دوائر كولن.

وأصبحت حركة كولن، التي يشار إليها الآن حصريا بلقبها «FETO» – وهو اختصار لـ«منظمة فتح الله الإرهابية» – آفة وطنية. وأعلن أردوغان في خطاب ألقاه عام 2017: «لقد استخلصنا درسًا من (تهديد كولن) ولن نسمح بحدوثه مرة أخرى!».

هجمات أردوغان على حليفه القديم قد تأتي بنتائج عكسية

ومع ذلك على الرغم من كل الانتقادات هناك قلق من أن الرئيس ربما لم يتعلم من أخطائه، بحسب المقال.

في كتاب «Metastaz» أو «Metastasis»، أي الورم الخبيث، الذي نُشر العام الماضي، يقول الصحافيان الاستقصائيان باريس تيركوجلو وباريس بهليفان: إن الحكومة تملأ الفراغ الذي خلفته عمليات التطهير المناهضة لاتباع كولن بطرق دينية بديلة.

هذه العملية بدأت في وقت مبكر من عام 2014، كما يزعمان. بما أن اتباع كولن المشتبه فيهم جرى خفض رتبتهم داخل قوات الشرطة، فقد جرى اختيار المجندين الجدد إلى حد كبير من أتباع النقشبندية الخالدية وغيرهم من طرق النور التي لا علاقة لها بطريقة كولن.

ونقلًا عن مصدر شهد مقابلات التوظيف في ذلك الوقت، يقول تيركوغلو وبهليفان: إن معظم المرشحين مُنحوا مناصب بعد إظهار الولاء لمجموعة معينة. في بعض الأحيان قدم المرشحون اسم الشيخ المحدد الذي يتبعونه. وهيمنت مجموعة واحدة على المجندين: هي الطريقة المنزلية. في الآونة الأخيرة، كشف موقع «T24» المستقل على الإنترنت أن هذه العملية لا تزال مستمرة.

ومرة أخرى – نقلًا عن مصدر من الشرطة – كشف «T24» أن العشرات من التعيينات والترقيات داخل الإدارة تمت من خلال «إشارات مباشرة أو غير مباشرة» إلى العضوية في طريقة المنزل على مدى الأشهر الستة الماضية. وأكد الموقع أنّ الطريقة تنتزع المناصب التي كان يشغلها في السابق أتباع كولن. بعد أكثر من أسبوع بقليل، قدمت الشرطة شكوى ضد كاتب المقال. وبعد ذلك أمر قرار من المحكمة بإزالة المقال من الموقع.

طريقة «المنزل» فرع من الطريقة النقشبندية الخالدية، وهي تأخذ اسمها من قرية منزل (بمحافظة أديامان) التي جاءوا منها، والتي تقع في الجنوب الشرقي الذي تقطنه أغلبية كردية.

مثل اتباع كولن وغيرهم من المجتمعات الدينية – المعروفة باسم «cemaati» باللغة التركية أي «جماعات» – لا تعد المنزلية جماعة روحانية تهتم فقط بالمسائل الإلهية. بدلًا عن ذلك، فهي منظمة تهتم بمصالحها الذاتية. ففي حين يشتركون فيه في النية الشاملة المتمثلة في الترويج للإسلام والأعراف المحافظة في المجتمع التركي وفي الخارج، فإن هدفهم المباشر هو اكتساب التأثير ومنح الجماعة نفسها قوة.

تعد تدخلات طريقة المنزل في الساحات الثقافية والتجارية والسياسية في تركيا بمثابة شهادة على هذا المشروع. منذ الثمانينات، عندما رفع تورجوت أوزال الرئيس التركي آنذاك القيود المفروضة على الأنشطة الدينية التي استفادت منها جميع الطرق، نمت المجموعة بشكل مطرد.

Embed from Getty Images

حركة «كولن» قبل الصدام: وسائل إعلام وجامعات ومؤسسات تجارية

عندما انهار الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينات، كانت طريقة المنزل من بين الطرق التركية التي توافدت على جمهوريات آسيا الوسطى المستقلة حديثا لتأسيس مدارس خاصة. هذا أمر معروف جيدًا عن أتباع كولن.

وفي عام 2005 أسست الطريقة رابطة أعمالها الخاصة، «تومسياد»، التي تضم الآن أكثر من 15 ألف عضو. في وقتٍ لاحق، أطلقوا قناة تلفزيونية اسمها تلفزيون سمرقند، ووسّعوا دار نشر اسمها «سمرقند يايينلاري». وفي عام 2018 سمحت لهم الحكومة بتأسيس جامعة، هي جامعة سمرقند للعلوم والحضارة.

الشبكة التي بنتها طريقة المنزل تحمل تشابها غريبا مع الطريقة التي كان يقودها أتباع كولن ذات يوم. فإلى أن شنت السلطات حملة ضدها، كانت حركة كولن عبارة عن إمبراطورية واسعة من وسائل الإعلام والجامعات والمؤسسات التجارية والمدنية. وكما كان الحال يومًا ما مع أتباع كولن، يرجع ارتباط حزب «العدالة والتنمية» المزعوم بطريقة المنزل على الأرجح إلى افتقار الحزب لعدد كاف من النخب من صفوفه للسيطرة على الدولة.

بديلًا لحركة كولن.. طريقة «المنزل» في خدمة إردوغان

في أعقاب عمليات التطهير التي وقعت ضد أتباع كولن، وفَّرت طرق مثل «المنزل» لحزب «العدالة والتنمية» أفواجًا من الأشخاص المتاحين بسهولة والموالين ظاهريًا لبث الروح في جهاز الدولة المدمر. يستدرك الكاتب: وعلى هذا النحو، يستمر أردوغان وحزبه في انتهاج سياستهم المعتادة المتمثِّلة في اللجوء إلى الطرق الدينية لدعم سطوتهم.

ويتابع: على الرغم من أن هذه الفضيحة سلطت الضوء عليهم، إلا أن أتباع المنزلية احتفظوا بوجود سري في الجهاز البيروقراطي لبعض الوقت. في الواقع، فإن تسللهم يسبق عمليات التطهير بفترة طويلة. كما ذكر حفظ الدين إيرول، أحد قادة المنزلية، مؤخرًا لمراسل لصحيفة «Sözcü» اليومية التركية أن اثنين من وزراء حزب «العدالة والتنمية» السابقين جاءوا من المنزلية، وهما رجب أكداج، وزير الصحة بين عامي 2002 و2013 (وكذلك فترة قصيرة في 2016-2017)، وتانر يلديز، وزير الطاقة بين عامي 2009 و2015.

ومع ذلك، أكد الشيخ إيرول أيضًا أن لديه «رجال في كل مكان في الدولة». ومع نمو أعدادهم، يمكن لأتباع المنزلية أن يفرضوا أجندتهم، كما يلفت المقال.

Embed from Getty Images

ويقول الكاتب إنه خلال الأشهر القليلة الماضية، انتشر اختصار «METO» (أي: منظمة المنزلية الإرهابية) – للعب على مسمى (FETO) – على نطاق واسع في وسائل الإعلام التركية. ومع ذلك على الرغم من جاذبية التوصيف، سيكون من التهور معاملة المنزلية على أنهم «أتباع كولن جدد».

حذر روسن جكير، الصحفي المخضرم الذي نشر كتابًا عن الجماعات الإسلامية في تركيا، من مثل هذه المقارنات، وعلى قناته الجديدة «Medyascope»، شدد على أن عضوية أي من جماعة النقشبندية الخالدية كانت فضفاضة أكثر من أي من أتباع كولن، وهو ما أعاق قدراتهم التنظيمية.

المنزلية يقوضها التنافس الداخلي

علاوة على ذلك، إذا كانت حركة كولن متحدة، فإن ما كشفه موقع «T24» يوحي بأن المنزلية قوضها التنافس الداخلي. إذ نشأ نزاع داخل الجماعة بعد أن حصل أحد جناحيها، وهو جناح سمرقند، ومقره خارج مدينة أديامان، على مناصب في الشرطة أكثر من جناح آخر هو جناح بوهارا، ومقره خارج مدينة أسكي شهر. وهذا سيضر بلا شك بنفوذ الطريقة المحتمل.

وفي نهاية المقال يحذر الكاتب من مخاطر الاعتماد على الطرق الدينية حيث يقول: «على الرغم من ذلك، تسعى جماعات مثل المنزلية إلى تحقيق مصالحها الخاصة قبل كل شيء – تمامًا مثلما فعل أتباع كولن. وفي حين أنهم قد يقفون حاليًا مع أردوغان وزمرته، إلا أن ولاءهم عرضة للتحولات. وكما أظهر الصراع بين حزب «العدالة والتنمية» وكولن، فإن إستراتيجية الحزب في الاعتماد على الطرق الدينية هي إستراتيجية محفوفة بالمخاطر. وتأسيس جهاز دولة تهيمن عليه طريقة يمكن أن يشكل مخاطر ستدوم طويلًا بعد أردوغان وحكومته».

منطقة الشرق

منذ سنة واحدة
«فورين بوليسي»: ماذا تعرف عن أتباع فتح الله غولن في تركيا؟ أعدادهم ومناصبهم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد