عرضت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية تقريرًا عن مستقبل العلاقات الخليجية الإسرائيلية في العام الجديد، متوقعةً أن تستمر هذه العلاقات وتتطور في 2019.

أشارت المجلة إلى أنَّ التواصل بين إسرائيل ودول الخليج العربي وصل إلى مستوياتٍ غير مسبوقة عام 2018. وبينما قد تبدو الشراكة العلنية أمرًا بعيد المنال في الوقت الحالي، فإنَّ حجم النشاط غير المسبوق هذا يوضح أنَّ الأمور قد تختلف هذا العام.

بحسب التقرير، أبرز ملامح هذا التقارب الإسرائيلي العربي في العام الماضي تمثلت في زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سلطنة عمان في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، التي التقى فيها السلطان قابوس. وأضاف التقرير أنَّه على الرغم من أنَّ رئيسي الوزراء الإسرائيليين السابقين إسحاق رابين وشيمون بيريز سافرا في رحلاتٍ إلى عمان في التسعينيات، فإنَّ هذه الرحلة كانت علنيةً أكثر، وهي أول زيارة رسمية منذ الانتفاضة الثانية.

وبعد زيارة نتنياهو بوقتٍ قليل، وصل وزير المواصلات الإسرائيلي إلى السلطنة ليتحدث في أحد المؤتمرات.

وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي في زيارته المسجد الأقصى- فبراير (شباط) 2018

وأضاف التقرير أنَّ عمان لم تكن الدولة الوحيدة التي تنفتح على إسرائيل. ففي خطوةٍ ذات دلالة، دافع وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة علنًا عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد إيران ووكلائها، وهو ما كرره عندما اكتشفت إسرائيل أنفاقًا لحزب الله تحت حدودها الشمالية في شهر ديسمبر (كانون الأول).

ومؤخرًا، دعم وزير الخارجية البحريني قرار أستراليا بالاعتراف بالقدس الغربية عاصمةً لإسرائيل. وقيل إنَّ الإمارات استضافت رئيس الأركان الإسرائيلي مرتين أواخر عام 2018، وبعد ذلك بوقتٍ قليل استضافت البلاد لاعبي جودو إسرائيليين، ووزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية، وهي الزيارة الرسمية الأولى لوزيرٍ إسرائيلي إلى الإمارات. وكذا، فقد أصبحت الإمارات أول دولة عربية تعزف النشيد الوطني الإسرائيلي في فعالية رياضية.

توضح المجلة أنَّ السعودية ساعدت على تعزيز هذه التطورات في العلاقات العربية الإسرائيلية. إذ سمحت المملكة في شهر مارس (آذار)، لرحلات الخطوط الجوية الهندية المتجهة إلى إسرائيل بعبور المجال الجوي السعودي. وفي الثاني من شهر أبريل (نيسان)، صرح ولي العهد محمد بن سلمان تصريحًا مفاجئًا في مقابلةٍ مع مجلة «ذي أتلانتك» بأنَّ «الإسرائيليين من حقهم أن يكون لهم وطنٌ خاص بهم».

إسرائيل تعلم الخليج كيف يتجسس على مواطنيه.. من هنا بدأت حمى التطبيع

واشتمل مقال حديث لصحيفة «وول ستريت جورنال» على العديد من الإشارات لهذا التقارب بين الإسرائيليين والسعوديين: إذ زار مسؤول سعودي بارز إسرائيل عدة مرات، وتدرس السعودية استثماراتٍ ضخمة في التكنولوجيا الإسرائيلية، وأصدرت المملكة إعفاءاتٍ خاصة لرجال أعمال إسرائيليين لزيارة المملكة. وبالإضافة لذلك، فقد التقى رئيس الموساد الإسرائيلي، يوسي كوهين، بمسؤولين سعوديين عدة مرات العام الماضي.

بل حتى قطر، أحد الداعمين الماليين الرئيسيين لحماس، يبدو أنَّها تتقارب مع إسرائيل. فبحسب التقرير، شكر السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة رون ديرمر قطر على وجه الخصوص لدورها في التخفيف من الوضع الإنساني في غزة. واستضافت قطر مثل الإمارات رياضيين إسرائيليين أواخر عام 2018.

أسباب التقارب

ترى المجلة أنَّ هناك العديد من الأسباب المحتملة لهذه الأنشطة غير المسبوقة، وإيران هي السبب الأكثر وضوحًا، نظرًا إلى أنَّ كلًّا من إسرائيل ودول الخليج يرون نظام الملالي بوصفه خطرًا وجوديًّا. لكن ربما يكون شبح مستقبل ما بعد حقبة البترول سببًا هو الآخر في ذلك التقارب. فانهيار أسعار البترول يزيد من الشعور بعدم الاستقرار الداخلي في دول الخليج، وربما يكون قد أدى بها إلى إعادة النظر في سياستها الخارجية التقليدية، ودفعها لإقامة علاقاتٍ إقليمية جديدة للمساعدة على تدعيم أمنها عند نفاد نفوذها النفطي.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس والملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود

ويضيف التقرير أنَّه على الرغم من التقدم الكبير الذي وقع العام الجاري، فإنَّ التطبيع الكامل ليس أمرًا في متناول اليد على المدى القريب، ما دامت القضية الفلسطينية لم تحل بعد.

إذ كانت دول الخليج قد استثمرت رأس مال سياسي ضخم في تصوير نفسها في صورة المناضل لصالح القضية الفلسطينية. ومن المحتمل أن يؤدي التطبيع دون خطة للسلام إلى التسبب في رد فعلٍ داخلي ضخم، ما قد يزعزع الاستقرار الداخلي لتلك الدول.

ومع أنَّ القضية الفلسطينية ما تزال قضيةً حساسة في العالم العربي، تشير المجلة إلى أنَّ دول الخليج أصبحت تشعر بالإحباط على نحوٍ متزايد من فساد السلطة الفلسطينية وعنادها. فمنذ عام 2014، تتجاوز الإمارات السلطة الفلسطينية وتوجه أموال المساعدات من خلال المنظمات الدولية. وتشير علامات التوبيخ العلني للسلطة هذه إلى زيادة التوتر بين المانحين والسلطة الفلسطينية وقائدها محمود عباس، لا سيما في ضوء الأزمة المالية التي تواجهها الإمارات مع انخفاض أسعار النفط. وأفادت بعض التقارير بأنَّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قال إنَّ الفلسطينيين بحاجة للذهاب إلى المفاوضات «أو الصمت والتوقف عن الشكوى»، مستدلًا برفض القادة الفلسطينيين مقترحات سلام متعددة.

فوائد العلاقات الثنائية

حسبما ترى المجلة، تدرك دول الخليج الفوائد التي يمكن أن تجلبها العلاقات الثنائية مع إسرائيل. فإدماج إسرائيل أكثر في الهيكل الأمني الإقليمي من شأنه مساعدة الهدف العام لدول الخليج لتحقيق الاستقرار ومواجهة إيران، إلى جانب الفوائد الاقتصادية، في الوقت الذي تضطلع فيه دول الخليج بمشروعاتٍ تحويلية لإنهاء اعتمادها على النفط. هذا بالإضافة إلى أنَّ تحسين العلاقات مع إسرائيل سوف يُكسب دول الخليج رضا واشنطن.

على خُطا إيران.. كيف تقاربت السعودية مع إسرائيل؟ 4 أحداث تاريخية مشتركة

ويضيف التقرير أنَّ هذه العلاقات الثنائية ربما تكون فرصةً ضخمة لإسرائيل أيضًا. فمنذ إنشاء الدولة اليهودية عام 1948، خلقت العزلة الإقليمية عقلية حصارٍ لدى الإسرائيليين ورغبةً في القبول. وكذا فإنَّ جزءًا كبيرًا من جاذبية رئيس الوزراء الإسرائيلي تمثلت في منزلته بوصفه زعيمًا دوليًّا، وقدرته على توسيع علاقات إسرائيل حول العالم. وسوف يكون تعزيز الروابط مع الدول المجاورة دافعًا كبيرًا له، لا سيما مع انتخابات 2019.

عام الاعتراف العلني بإسرائيل؟

اختتمت المجلة تقريرها باعتقادٍ بأنَّ العام الجاري ربما يكون العام الذي تعترف فيه دول الخليج علنًا بروابطها مع إسرائيل، لكنَّها ترى أنَّ ذلك سوف يعتمد على رد فعل الخليج تجاه خطة سلام الرئيس دونالد ترامب المسماة «صفقة القرن»، وعلى قدرة محمد بن سلمان على استمرار خطوات المملكة المؤيدة لإسرائيل.

روبرت فيسك: لماذا اتحدت السعودية وإسرائيل ضد «الجزيرة»؟

فتوجه ابن سلمان ناحية إسرائيل يبدو أنَّه في طور الترنح، في أعقاب جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي، مع وجود مؤشراتٍ على تراجع الأمير الشاب عن مغامراته الخطرة في السياسة الخارجية، بعد أن عانى من تبعات الجريمة. إذ يقر المسؤولون السعوديون سرًّا بأنَّ محمد بن سلمان قد تجاوز الحدود، وأنَّ الملك من المحتمل أن يعود إلى موقف المملكة السابق تجاه إسرائيل والفلسطينيين.

وترى «ناشونال إنترست» أنَّه من المحتمل استمرار التواصل السعودي الإسرائيلي، لكن مع تراجع دور محمد بن سلمان، فإنَّ فرص ظهور هذا التعاون إلى العلن العام القادم تتضاءل هي الأخرى. ومن الممكن لإطلاق خطة سلام ترامب أن يعزز من هذا التواصل الإسرائيلي الخليجي. لكنَّ تأجيل إعلانها يضع دول الخليج في ورطة، إذ إنَّها لا تستطيع الالتزام بتعاونٍ علني مستدام دون وجود طريق للمفاوضات؛ لأنَّ رد الفعل سوف يكون شديدًا للغاية. وإطلاق هذه الخطة على الأقل يعطي الطرفين نقطة للبدء، ولو قاطع الفلسطينيون صراحةً هذه الخطة أو رفضوا المشاركة في المفاوضات، فيمكن لدول الخليج حينها إلقاء اللوم على الفلسطينيين حسبما ترى المجلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد