كتب إدموند آدم، باحث الدكتوراه في جامعة «أوز» في تورنتو، مقالًا في موقع ذا كونفرزيشن، حول كيفية تغلب دول الخليج العربي على اضطرابات الربيع العربي، التي عصفت بالكثير من النظم الجمهورية المجاورة. ويرى الباحث أن شرعية هذه النظم الملكية يعود إلى التوافق بين مؤسساتها الملكية والمعايير الثقافية لشعوبها.

ويستهل الكاتب مقاله بقوله: عندما اندلعت احتجاجات الربيع العربي في عام 2010، توقع العديد من النقاد السياسيين أن تنتشر الانتفاضات في المنطقة بأكملها، وأن تصل في نهاية المطاف إلى دول الخليج الغنية بالنفط، وتكتسح الأنظمة الملكية فيها.

لكن في نهاية المطاف، كانت ممالك الخليج – الكويت وعمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، وبدرجة أقل البحرين – هي الأقل تأثرًا بالربيع العربي. إذ كانت تلك الممالك الخليجية الست أكثر نجاحًا في التغلب على العاصفة السياسية من الدول الجمهورية المجاورة، التي غرقت في بعض الحالات في حروب أهلية كبدتها خسائر إنسانية واقتصادية فادحة.

يضيف الباحث: لقد أمضيت شطرًا كبيرًا من حياتي في المنطقة، وأثناء فترات الربيع العربي المضطربة، لذلك يسألني الزملاء الفضوليون كيف تستمر ممالك الخليج في الصمود. ردًّا على ذلك، لا أعتمد على ذكرياتي بل على دراستي السياسية. وأعتقد أن هناك دروسًا يمكن تعلمها من ديمومة هذه الأنظمة، يمكن أن تعزز الجهود العالمية لفهم المنطقة وبناء سلام مستدام في الشرق الأوسط.

معظم دول الخليج غنية بالنفط

يتابع المقال: أنا أسخر عمومًا من الحجة القائلة بأن ممالك الخليج تمكنت من اجتياز مصاعب الجغرافيا السياسية في المنطقة، وتجنبت النزوح الجماعي لمواطنيها فحسب بسبب ثرواتها النفطية. تقوم هذه الحكمة الشعبية على أن دولارات النفط تسمح لممالك الخليج بإقناع الناس بالخضوع، وهذا هو سبب استمرارها.

يغيب عن هذا التقييم الاعتراف بأن أنظمة الخليج الملكية ليست الدول الوحيدة في المنطقة الأوسع التي تمتلك ثروات كبيرة من الهيدروكربونات. ومع ذلك، فإن عائدات النفط في المنطقة الأوسع، والتي غالبًا ما أفادت مواطني تلك البلدان، لم تمنع من اندلاع الغضب الشعبي أو بروز تحديات كبرى للسلطة.

التحديث في ممالك الخليج كان أسرع

Saudi King Abdullah bin Abdul Aziz drink

وتكشف المقارنات الموجزة بين ممالك الخليج والدول الأخرى المنتجة للنفط في المنطقة عن أرضية مشتركة أخرى إلى جانب النفط، مثل الثقافة والدين. غير أن مسارات كل منهما اختلفت منذ الخمسينيات، إذ كانت وتيرة التحديث في الملكيات الخليجية سريعة، في حين أن البلدان الأخرى المصدرة للنفط (على سبيل المثال العراق وليبيا والجزائر وإيران) تعرضت لأزمات سياسية وانقلابات وحتى تغيير في النظام.

وهذا يؤكد الإحساس بأن ممالك الخليج والدول الأخرى المنتجة للنفط في المنطقة تمضي في اتجاهات مختلفة. لذا فإن النفط وحده لا يفسر استمرارية ممالك الخليج. بل تساعد عوامل أخرى في تفسير نجاحها.

قبول الملكيات في منطقة الخليج

أولًا وقبل كل شيء، يتعلق الأمر بما إذا كان الناس في منطقة الخليج ينظرون إلى الملكية على أنها شكل شرعي للحكم. ففي الفكر السياسي الغربي، تمثل الانتخابات أحد المعايير الأساسية للحكم على شرعية النظام الحاكم. هذا هو أساس الديمقراطية التشاركية.

من هذا المنطلق، فإن قادة الجمهوريات الرئاسية هم فقط من يحظون بالقبول وفقًا للشرعية الغربية. وعلى أي حال، تجري هذه الدول انتخابات رئاسية منتظمة. لكن هل هذه الانتخابات بحد ذاتها شرعية؟

في عام 2011 في ذروة الربيع العربي، كتب إليوت أبرامز نائب مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، أن «الملكيات العربية … أكثر شرعية من الجمهوريات الزائفة». ويثير هذا التقييم قضيتين هامتين، بحسب الكاتب.

الأول؛ مصداقية الانتخابات في الخليج. فغالبًا ما تكون الانتخابات الرئاسية في جمهوريات الشرق الأوسط مزورة. وسيكون من السخرية من الديمقراطية اعتبار هذه الانتخابات دليلًا على الشرعية.

والثاني؛ يتعلق بالتوافق بين المجتمع ومؤسساته السياسية. وهذا من ركائز الاستقرار في أي مجتمع. فالملكيات الوراثية – مثل تلك الموجودة في الخليج – ليست جديدة بالنسبة للثقافات المحلية في المنطقة. لذلك تستمد هذه الأنظمة الملكية شرعيتها من التوافق بين مؤسساتها الملكية والمعايير الثقافية لشعوبها. وهذا شكل تقليدي من الشرعية السياسية.

بالتركيز على التقاليد والتسلسل الهرمي والولاء والتحالفات الاجتماعية، تحظى الملكيات بقبول العديد من الثقافات في شبه الجزيرة العربية؛ حيث ولدت الممالك الخليجية من تراثها الاجتماعي والثقافي، وهذا يمنحها المزيد من الشرعية.

الحكم عن بعد

غير أن هذه الشرعية تضع حدودًا معينة للسلطة التنفيذية، كما تفرض مطالب على الملوك، الذين يتوقع منهم أن يكونوا حكمًا بين المصالح المتنافسة، أي يقومون بدور عوامل الاستقرار التي تسعى إلى الخير العام، إذا جاز التعبير. في الواقع، تنشأ المشاكل عندما يفشل الملوك في عرض هذه الصورة، أو يعجزون عن أداء هذا الدور، بحسب الباحث.

ومن الأمثلة على ذلك الاحتجاجات الجماهيرية في البحرين في عام 2011، عندما شعر العديد من المواطنين أن ملكهم لم يعد يظهر ما يكفي من الالتزام بمبادئ الوسطية والاعتدال التي ميزت إلى حد كبير حكم أسلافه. وحين يرتدي الملك ثوب الحكم (الذي يفصل بين المصالح المتنافسة) فإنه يحظى بالاحترام والسلطة، وهو ما يمكنه من الحكم عن بعد.

الجمهوريات تعتمد أكثر على القوة والأمن للاحتفاظ بالسلطة

وقد ساعدهم هذا في الاحتفاظ بالسلطة، دون الاضطرار إلى الاعتماد على القوة بقدر ما اعتمد عليها جيرانهم غير الملكيين، الذين يؤسسون مطالباتهم بالشرعية على أيديولوجية سياسية مثل القومية والاستقلال. في أغلب الأحيان، لا تلقى هذه الأيديولوجيات صدى لدى الناس. ويشكل هذا تحديًا كبيرًا لقدرتهم على الاحتفاظ بالسلطة، لذلك تعتمد الجمهوريات اعتمادًا أكبر على القوة والأمن للحفاظ على السلطة.

وأفضل تجسيد لذلك نراه في سوريا، حيث حكم نظام الأسد لعقود من خلال شبكة من الأجهزة الأمنية المتداخلة لفرض شرعية مشكوك فيها. وهذا هو السبب في أن الجمهوريات الإقليمية تضررت بشدة من الربيع العربي. إذ كانت الانتفاضات الشعبية هناك يغذيها استياء متزايد.

خلق الاستقرار

وقد أدى ذلك إلى تجنيب الملكيات الخليجية أزمات شرعية متكررة وسمح لها بتحويل الموارد إلى جوانب أخرى للحكم، مثل بناء قدرات الدولة. وهو ما يشير إلى قدرة الحكومات على استخدام العمليات الإدارية والتقنية، بدلًا من القوة، لمواجهة التحديات المجتمعية وخلق الاستقرار.

يكمل الباحث مقاله قائلًا: ترتبط قدرة الدولة باستثمارات البلاد في التعليم ورأس المال البشري، والتي بدورها تخلق القدرة على اتخاذ القرارات المستنيرة. وهذا واضح في حجم إصدارات الجامعات الخليجية. وعلى الرغم من الحداثة الزمنية النسبية للجامعات في دول الخليج الملكية، والتي تأسس معظمها في منتصف السبعينيات، إلا أنها تتفوق على نظيراتها في الجمهوريات العربية من حيث كمية المطبوعات.

الدولة

عدد السكان (بالملايين)

عدد المطبوعات المطبوعات لكل مليون
دول الخليج 51.5 237.802 4.617
مصر 100 13.8512 1.385
العراق 40 17.925 448
الجزائر 43.8 44.978 1.027

المصدر : عدد الوثائق المطبوعة في شبكة العلوم Clarivate Analytics Web Science

ويرى الكاتب في ختام مقاله أن النجاح المستقبلي لممالك الخليج ربما يعتمد على مزيد من الاستثمار في التعليم. وسيؤدي القيام بذلك إلى تعزيز النشاط الفكري كمًا ونوعًا، وتنشئة مواطنين يمكنهم تقاسم السلطة وتوجيه الاقتصادات بما يمثل استجابة للتحديات المجتمعية والتكنولوجية وضمان الاستقرار على المدى الطويل.

الربيع العربي

منذ 10 شهور
مترجم: كيف يختلف الربيع العربي الآن عن 2011؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد