دفعت جائحة فيروس كورونا المستجد قادة دول الخليج إلى إدراك أن المنطقة تحتاج إلى تسريع عملية التحوُّل نحو مصادر الطاقة المتجددة، بينما يتهم الناشطون في مجال البيئة دول الخليج بالمراوغة.

نشر موقع «المونيتور» الإخباري تقريرًا للكاتب سيباستيان كاستيلير، الصحفي المتخصص في شؤون الخليج، تناول فيه إمكانية تحوُّل دول الخليج الغنية بالنفط إلى مصادر الطاقة المتجددة مدفوعةً بعدة أسباب، من بينها جائحة كوفيد-19، وتخفيض النفقات وتكاليف إنتاج الطاقة الكهربائية.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
أسطورة انتهاء عصر النفط.. متى يصبح الخليج العربي فقيرًا؟

طفرة مقبلة في الطاقة المتجددة

استهل الكاتب تقريره بما أخبر به كريستوفر راثكي، المدير التنفيذي لصندوق الطاقة الشمسية والطاقة المستدامة والمقيم في سنغافورة، المستثمرين والمسؤولين السعوديين رفيعي المستوى، عندما زار المملكة العربية السعودية لأول مرة منذ حوالي خمس سنوات، عن توقعاتٍ بحدوث «طفرة كبرى قادمة» في مصادر الطاقة المتجددة في الخليج. وحذَّر راثكي من إمكانية «الاستغناء عن استخدام الوقود الأحفوري تدريجيًّا قريبًا لأن أسعار مصادر الطاقة المتجددة على وشك أن تصبح تنافسية».

وعلَّق الكاتب على الأمر قائلًا: صحيحٌ أن المتحدثين مع المدير التنفيذي لصندوق الطاقة الشمسية أعربوا عن اهتمامهم بما أطلعهم عليه، لكن لم يتخذ أي أحدٍ منهم خطوة عملية بشأن ذلك. وكما أخبر راثكي موقع «المونيتور» قائلًا: «بدلًا من اتخاذهم خطوات عملية حيال ذلك، اشتركوا جميعهم في شراء أسهم شركة أرامكو عندما طُرِحت للاكتتاب العام الأولي، وهذا أمرٌ سخيفٌ جدًّا. وأقصد بذلك أنهم اتخذوا القرار الخاطئ بكل تأكيد». وقد حقَّق إدراج شركة النفط السعودية العملاقة (أرامكو) في سوق الأسهم في عام 2019 استثمارات قُدِّرت بقيمة 29.4 مليار دولار.

وفي وقت سابق من هذا العام، نقلت مجلة «بتروليوم إيكونومست» ما اعترف به أحد كبار المسؤولين في مؤسسة البترول الكويتية قائلًا: «إن الكويت لا تنوي الاندفاع في اتجاه التحوُّل السريع لاستخدام الطاقة المتجددة. ولم نرسم بعد خطة للتحوُّل إلى بيئة خضراء ونودِّع الوقود الأحفوري على نحو مفاجئ».

تغييرٌ في النهج

ونوَّه الكاتب إلى أن مثل هذا التصريح يتعارض تمامًا مع التزام دول الخليج العربي، التي صنَّفها البنك الدولي ضمن أعلى 16 دولة تسجيلًا لانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون للفرد في العالم، باتفاقية باريس التي أُبرِمت في عام 2015، للحد من ظاهرة الاحترار العالمي إلى أقل من درجتين مئويتين (35.6 درجة فهرنهايت) في هذا القرن.

وعلى الرغم من أن اعتماد المنطقة الهائل على عائدات الوقود الأحفوري لن ينتهي على الأرجح، وقدَّر تقرير مجموعة «تعقب العمل المناخي» أن الإجراءات المناخية التي اتخذتها السعودية، وهي أكبر اقتصاد في العالم العربي، «لا يفي بالغرض بالمرة»، يرى راثكي أن هناك ثمَّة تغيير في هذا النهج يحدث في السعودية، قائلًا: «لقد أدركوا أنه ينبغي عليهم التحرك بخطًى أسرع».

Embed from Getty Images

فرص الطاقة المتجددة الخضراء

ولفت الكاتب إلى أن النموذج الاقتصادي الخليجي، الذي كان مزدهرًا ذات يوم، أصبح مهددًا بعدما تضرَّر ضررًا بالغًا بسبب جائحة فيروس كورونا، ويدرس صانعو السياسات ماهية الفرص التي يمكن أن توفرها الطاقة المتجددة في خفض التكاليف من خلال محطات توليد الكهرباء، باستخدام الطاقة المتجددة بدلًا من الوقود الأحفوري؛ لأن دول الخليج، على سبيل المثال، وُهِبت قدرٌ لا بأس به من أعلى إمكانيات الطاقة الشمسية حول العالم.

وتابع الكاتب أن مصادر الطاقة المتجددة قد تساعد السعودية في تقليص نفقات إنتاج الكهرباء المدعومة إلى حد كبير، إذ يُستخدَم قرابة 70% من الكهرباء في تشغيل أعداد مكيفات الهواء الهائلة الموجودة في البلاد. وقد أعلنت السعودية أنها بدأت في بناء أكبر مزرعة رياح في الشرق الأوسط من أجل تزويد 70 ألف منزل سعودي بالطاقة الكهربائية من خلال «مشروع طاقة الرياح الأكثر فعالية من حيث توفير النفقات في العالم» بحلول عام 2022.

أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فمن المتوقع أن يبدأ تشغيل المرحلة الرابعة من مشروع «مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية (أكبر مشروعات تخزين الطاقة الشمسية على مستوى العالم)» في عام 2021، ويمكن أن تمثِّل الطاقة النظيفة والمتجددة، والتي يمكن إنتاجها أيضًا من خلال محطة براكة للطاقة النووية، نصف مزيج الطاقة المُنتجَة في البلاد بحلول منتصف هذا القرن.

أكبر مصنع هيدروجين أخضر في نيوم السعودية

وفي هذا الصدد، أكدَّت عائشة السريحي، خبيرة سياسات المناخ والباحثة غير المقيمة في معهد دول الخليج العربية بواشنطن، أن «تحسين كفاءة الطاقة في البنى التحتية القائمة وتعزيز الاستهلاك الرشيد للكهرباء لا بد أن يُكْمِل هذه الجهود».

وأضاف الكاتب أن دول الخليج ترى أيضًا فرصًا متاحة في السوق العالمية الناشئة للهيدروجين الذي تنتجه مصادر الطاقة المتجددة، على الرغم من أن الوقود الأحفوري يظل أرخص إلى حد كبير. ومن المتوقع أن تبني السعودية أكبر مصنع هيدروجين أخضر في العالم في مدينة نيوم الواعدة.

وفي الوقت الذي وصل فيه معدل البطالة في السعودية إلى مستوى قياسي بلغ 15.4%، تتماشى فرص توفير قرابة 750 ألف فرصة عمل في قطاع الطاقة المتجددة، الذي يتطلب أيدي عاملة كثيفة، على مدار العشر سنوات المقبلة مع هدف البلاد لزيادة توظيف المواطنين السعوديين.

مراوغة في الحديث

سعد الجابري السعودية

واستدرك الكاتب قائلًا: وعلى الرغم من ذلك، ما يزال الناشطون في مجال البيئة يشككون فيما تقوله دول الخليج ويتهمونها بالمراوغة؛ إذ لا يخفى على أحد محاولات السعودية لـ «فرض رقابة على النقاش الدائر حول إلغاء دعم الوقود الأحفوري»، فضلًا عن عدم توقف عمليات التنقيب عن الوقود الأحفوري في الإمارات. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، احتفلت أبوظبي باكتشاف حقول نفط ضخمة جديدة تقع على الشاطئ.

من جانبه، تحدث أحمد الدروبي، مدير حملات منظمة جرينبيس (منظمة السلام الأخضر) في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى موقع «المونيتور» قائلًا: «من المهم أن يكون أي تحرك نحو مصادر الطاقة المتجددة نابع من الرغبة في تحمُّل المزيد من المسؤوليات في النضال العالمي ضد تغير المناخ، بدلًا من مجرد كونه حافزًا اقتصاديًّا لتوفير المزيد من الوقود الأحفوري للتصدير في جميع أنحاء العالم». وأضاف الدروبي: «ينبغي على حكومات دول مجلس التعاون الخليجي أن تتبنى نهجًا يتسم بمزيد من الشمولية».

وأبرز الكاتب أن دول منطقة الخليج ما يزال أمامها طريق طويل ينبغي عليها أن تسير فيه وتَجْتَازه؛ إذ قدَّرت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة أن مصادر الطاقة المتجددة في دول الخليج تمثل نحو 26٪ فقط من إجمالي قدرات الطاقة المتاحة في الشرق الأوسط في عام 2019، أي أنها تقريبًا أقل بثلاث أضعاف من جميع المناطق الأخرى.

محاربة محدودية مشاركة للمواطنين برفع الوعي

وفي السياق ذاته، قال محمد الشمري، شاب سعودي يشارك في مشروع يهدف إلى فتح قنوات اتصال مع صانعي السياسات الشبابية، ويرى أن نظام التعليم الحديث ضروري لزيادة الوعي بالقضايا البيئية، «عندما يلعب الشباب الألعاب عبر الإنترنت ويشاهدون توربينات الرياح، يتساءلون لماذا لا نوفرها هنا بالفعل»؟

وأشار الشمري إلى أنه «لهذا السبب، عندما تدخل السيارات الكهربائية إلى السعودية، مع تمويل صندوق الاستثمارات العامة السعودي لشركة (لوسيد موتورز) لصناعة السيارات الكهربائية، فإن هذا سيُحفز الناس على شرائها».

وأوضحت عائشة السريحي في حديثها إلى موقع المونيتور قائلة: «لابد أن يكون رفع مستوى وعي الشعوب بشأن تحدي تغير المناخ من أولويات الدول».

وذكر الكاتب أن المواطنين في أوروبا يُمارسون كثيرًا من الضغوط على الحكومات لاتخاذ أي خطوة حيال البيئة وتغير المناخ. لكن شعوب منطقة الخليج لا يُمارسون أي نوع من الضغوط على الحكومات للقيام بمزيد من الإجراءات في هذا الصدد. وباستثناء الكويت؛ حيث يؤدي البرلمان دورًا مهمًا في الحياة السياسية، تمنع الأنظمة الملكية الاستبدادية في منطقة الخليج كافة بشدة مشاركة المواطنين في السياسات وتمارس قمعًا ممنهجًا بشأن حرية التعبير.

Embed from Getty Images

قلب الطاولة رأسًا على عقب

كما أشار الكاتب إلى ما تعهَّد به الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن خلال حملته لكي تصبح الولايات المتحدة بمثابة «قاطرة اقتصاد الطاقة النظيفة في العالم»، وربما تنظر دول الخليج إلى علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، بعد ذلك، بوصفها قناة لتأسيس شراكات يربح فيها الجميع لدعم تحوُّل بلادهم نحو الطاقة المتجددة الخضراء.

لكن وعلى الرغم من الطموحات الأمريكية – بحسب ما يستدرك الكاتب – من المحتمل أن يكون التحوُّل الذي تقوده الإمارات والسعودية نحو مصادر الطاقة المتجددة في منطقة الخليج معتمدًا بالأساس على التقنيات التي تنتجها الصين في أكبر مصنع في العالم للألواح الشمسية وبطاريات أيونات الليثيوم والسيارات الكهربائية.

يقول راثكي: «لا أرى أن هناك منافسة بين الولايات المتحدة والصين لتزويد منطقة الخليج بألواح شمسية، إذ يعجز الأمريكيون عن تزويد سوقهم الخاص بما يلزمه من إمدادات». كما شكك المدير التنفيذي لصندوق الطاقة الشمسية في خطط الرياض لتصبح مركزًا لصناعة الطاقة الشمسية نظرًا لتعقيد سلسلة التوريدات والمزايا التنافسية التي تتميز بها الصين لعقد من الزمان في هذا المجال.

العالم والاقتصاد

منذ 8 شهور
بعد حرب البترول.. أي مستقبل ينتظر النفط الروسي؟

دور الصين في تحوُّل الخليج

بدوره، قال وانج تشينج، الملحق التجاري في سفارة الصين في سلطنة عمان، «إن الصين لعبت دورًا مهمًا بالفعل في التحوُّل الأخضر في الخليج»، وأشاد تشينج بمشاركة الشركات الصينية في «مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية».

ونقل الكاتب عن المسؤول الصيني أن رجال الأعمال العُمانيين حريصون على توقيع اتفاقيات حصرية للتوزيع مع شركات صناعة السيارات الصينية لاستيراد السيارات الكهربائية. وأخبر تشينج موقع «المونيتور» قائلًا: «إن مزيدًا من المصنِّعين الصينيين للسيارات سيأتون إلى أسواق الخليج».

وتنبأ الكاتب، في ختام تقريره، بأنه في ظل عصر الطاقة المتجددة قد تنقلب الأمور رأسًا على عقب وتصبح دول الخليج، التي تُصدِّر معظم إنتاجها النفطي إلى الأسواق الآسيوية، مجرد اسم في قائمة عملاء بكين بحلول منتصف القرن الحالي. وقبل حوالي ثلاثة عقود، قال دنج شياو بينج زعيم الصين آنذاك خلال زيارة قام بها إلى منطقة منغوليا الداخلية، عن دول الخليج متهكمًا: «لا تمتلك منطقة الشرق الأوسط سوى النفط، بينما تمتلك الصين كثيرًا من التربة نادرة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد