منذ أن أُسِس مجلس التعاون الخليجي سنة 1981، سعت الدول الأعضاء: السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وعمان، وراء أهدافٍ مشتركة، وأحيانا متنازعة. بشكلٍ عام تعترف جميع دول المجلس بمشاركة باقي الأعضاء أهدافها الاستراتيجية من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي والأمني أو حتى السياسي. لكن بشكل فردي، تُولِي كل دولة على الرغم من صغرها نسبيًّا أهمية كبيرة لصياغة الهوية الوطنية وتعزيزها.

مخاوف مشتركة

خلال زيارتي الأخيرة للإمارات العربية المتحدة، أثناء انعقاد المنتدى الثاني لمركز الدراسات الاستراتيجية الإماراتي، بدا التوتر واضحًا بين الأهداف الإقليمية والوطنية. ففي حين أن المنتدى كان يهدف لاستعراض السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، استُثِيَرت كثيرًا المخاوف المشتركة بين دول المجلس بشأن إمكانيات مجلس التعاون الخليجي ككل، وقد كان بين المشاركين الفاعلين خبراء ممثلون لدولٍ أخرى من مجلس التعاون الخليجي. ساهم استمرار المخاوف بشأن إيران والتطرف بالنصيب الأكبر في تقريب دول مجلس التعاون الخليجي من بعضهم البعض في السنوات الأخيرة. لكن بعض المسؤولين الإماراتيين لا يخجلون من تعبيرهم الصريح عن رأيهم أن مصر والمملكة العربية السعودية هما صاحبتي الدور الأكثر حيوية في استقرار المنطقة، بل ويؤكدون على دورهما القوي في رسم صورة عن الإسلام السياسي، والتي ربما يختلف رأي العالم معهما في ذلك. فبينما أرخت المملكة العربية السعودية من قبضتها الحازمة في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين منذ بدء حكم الملك سلمان من أجل تبني جبهة سنية موحدة، لا تزال الإمارات العربية المتحدة تعتقد أن الإسلام السياسي بجميع صوره أمرًا غير مقبول، لاعتقادها أنه منحدر زلق يؤدي بالضرورة إلى التطرف.

 

في نفس الوقت، تعتبر الإمارات العربية المتحدة حالة خاصة لصعود بلد – صغير حجمًا – اقتصاديًا، وعلى ما يبدو أن لديها موارد غير محدودة تمكنها من الارتقاء باسمها في الأسواق العالمية، وبناء حس أقوى من حيث الهوية الوطنية والغاية. وحاجة الإمارات الملحة إلى تحقيق ذلك، تحركها جزئيًّا ظروفها غير العادية. إذ تبلغ كثافة السكان الأصليين الإماراتيين حوالي 2 مليون نسمة، وهي جزء صغير بالنسبة لعدد السكان المقيمين، والتي تبلغ 9 مليون نسمة. فتلك البقية هم عمال مغتربون من بلدان كثيرة أخرى، أمريكيون وأوروبيون وهنود وجنوب شرق آسيويين يحتكرون القوة العمالية لكل متطلبات سوق العمل. وبينما تعمل الدول النامية بشكل كبير بمشاريع بناء القدرات، المعنية في نهاية المطاف بنقل المهارات والمسؤوليات للعاملين المحليين، إلا أن الواقع الديموغرافي يشير إلى أن الإمارات العربية المتحدة ستبقى معتمدة كثيرًا على العمالة الأجنبية إلى ما لا نهاية، وخاصة بالنظر إلى حجم البنية التحتية العصرية التي نجحوا في بنائها في وقت قصير للغاية، وبشكل مميز.

بالنظر إلى الصحافة المحلية والتي تهتم بتوضيح رغبات العائلة الحاكمة، وبيروقراطية الدولة المتنامية في جعل الإماراتيين فخورين ببلدهم، فالإمارات بلد فيدرالية مكونة من 7 إمارات مستقلة كل منها يحكمها حاكم ينحدر من سلالة عائلة حاكمة، والبعض يُعرِّفه بأنه “الحاكم المطلق”. السلطة الحقيقية للاتحاد الفيدرالي تقتسمها بحذر إمارة أبو ظبي العاصمة، وإمارة دبي المركز الحيوي التجاري والمالي، وغالبًا ما يأتي الرئيس من الأولى ورئيس الوزراء من الثانية، وبالتبعية تمتلئ مكاتب كل منهم بأفراد من عائلاتهم الحاكمة، على الرغم من بدء تصاعد خبراء فنيين ليسوا من العائلة الحاكمة ليتولوا مناصب الوزراء، وبعض المؤسسات الوطنية الأخرى.

تسعى الإمارات العربية المتحدة لتنظيم مجموعة عريضة من النشاطات ترمي إلى تعزيز الهوية الوطنية التي تتمثل في الولاء لإمارة واحدة، وكذلك الولاء لمجلس التعاون الخليجي. بالإضافة إلى الاحتفالات التي تركز على العلم كرمز وطني، هناك مسابقات للمواطنين لذكر أسماء الأبطال الوطنيين، وهناك دعايات مستمرة حول الإحصاءات التي تبين إنجازات الإمارات العربية المتحدة مقارنةً بجيرانها من دول مجلس التعاون الخليجي. ومن أمثلة ذلك، تصنيف دبي كأحد أفضل الدول للعيش، وأنها الدولة الوحيدة من بين دول مجلس التعاون الخليجي التي تمكنت من الوصول لقائمة وحدة الاستخبارات الاقتصادية العالمية، وتتصدر دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على قائمة مشروع العدالة العالمي، علاوة على أن جواز سفرها يعتبر الأقوى من بين دول مجلس التعاون الخليجي من حيث عدد البلدان المسموح لحامل الجواز السفر إليها دون الحاجة لتأشيرة، وهي صاحبة أفضل ترتيب على مستوى الدول العربية من حيث الرفاهية بحسب قائمة معهد ليجاتوم للرخاء.

وعلى الرغم من تقدمها المميز في بناء الدولة الحديثة التي تزدهر على الصعيد العالمي، تظل الإمارات دولة صغيرة، وتقع جغرافيا على مرمى البصر من إيران، كما أنها تعتمد في أمنها على شركاء من الخارج، لذا، تعتبر الإمارات المتحدة ملتزمة نظريًّا بزيادة التعاون بين دول المجلس. وفقًا لما تم الاتفاق عليه، يطمح مجلس التعاون الخليجي لتكامل اقتصادي، من خلال الاتحاد الجمركي والعملة الموحدة، وتسهيل حركة المواطنين في التنقل بين دول المجلس، وخطوات عديدة أُخري اتخذتها من قبل الدول الأوروبية في مسيرتها نحو الوحدة الكاملة التي ينعمون بها الآن.

 

بالفعل يرغب الشركاء الغربيون لدول المجلس في رؤية المزيد من التقدم من ناحية الأمن، وخاصة في التعاون بين أنظمة الدفاع الجوي، والتنسيق في استراتيجيات التمويل، وإدارة التدريب المشترك. فجميعها ستساعد في جعل المنطقة أكثر فعالية، وطرف أمني لديه اكتفاء ذاتي. أطلق حلف شمال الأطلسي “مبادرة تعاون إسطنبول” لتشجيع مجلس التعاون الخليجي لدمج المجهودات الأمنية، لكن بعد ما يقرب من عقدٍ من الاهتمام والنشاط المنظم وفق برامج، أربعة دول فقط من دول المجلس الست وقَّعَت على المبادرة. ويعزى عدم تحقيق أي تقدم في التعاون الأمني بشكل رئيسي إلى التنافسية بين دول المجلس، ورغبتها الواضحة في الإبقاء على عملية صنع القرار في هذه القضايا الحساسة على المستوى الوطني.

تعتبر أزمة اليمن الحالية حالة جيدة للدراسة. عندما استدعت المملكة العربية السعودية أصدقاءها وشركاءها لدعم التدخل العسكري في اليمن ضد المتمردين الحوثيين، لم تتمكن من إقناع جميع دول المجلس بالمشاركة؛ حيث تراجعت عمان بسبب احتمال تعرضها للهجوم لتشاركها الحدود مع اليمن. لكن، في المقابل شارك حلفاء الرياض العرب حتى البعيدين جغرافيًّا مثل المغرب ومصر في التحالف.

بالطبع سيتم تعزيز مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق مزيد من التكامل في الجهود المشركة بشأن الأمن بين دول المجلس، إذا تمكنت البيروقراطية الأمريكية من تحسين أدائها، فعلى سبيا المثال، التأخير المروع في الموافقة على المعاملات التجارية المتعلقة بالأمن قوّض سياسات أمريكا، وخلق مزيدًا من الدوافع لدول الخليج لتنويع علاقاتهم الداعمة؛ مع احتمال وجود عواقب طويلة الأمد على شراكة الأمن بين دول الخليج وتوجهها. وبينما لا ينتبه أحد، فإن روسيا والصين قادرتان، بل وعلى استعدادٍ لتحِلا محل الولايات المتحدة وشمال الأطلسي كحلفاء أمنيين أساسين لمجلس التعاون الخليجي قريبًا. بالفعل ينتاب المنطقة قلق عميق بشأن تراجع الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من أن علاقاتها في مجال الطاقة غالبيتها آسيوية وليست أوروبية.

ومع مرور الوقت، فوائد الشراكة واستحقاقاتها الأكبر ربما تشكل أولويات كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي. إلا أنه حاليًا يبدو أن مهمة بناء الأمة لها الأسبقية لتلك الدول الناشئة، حتى لو كانت المتطلبات الأمنية أمرًا إلزاميًّا حيويًّا الآن نظرا لدورها في تحقيق تعاون أعمق وتكامل الجهود.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد