لم يكن استنشاق الجنود الذين شاركوا في حرب الخليج لليورانيوم المنضب هو السبب وراء إصابتهم بما سُمي متلازمة حرب الخليج. كان ذلك خلاصة تقرير نشره «موقع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» عن نتائج دراسة علمية حديثة، وبحسب الدراسة فإن استنشاق غاز السارين الذي انتشر في الغلاف الجوي العراقي واستخدام المبيدات الحشرية ربما يكون السبب وراء الإصابة بهذا المرض المزعج.

مشاكل المحاربين القدماء تتفاقم

وفي البداية، أشار تقرير «بي بي سي» المنشور على موقعها الصادر باللغة الإنجليزية إلى نتائج دراسة علمية حديثة أظهرت أن المرض الذي أصاب الجنود الذين شاركوا في حرب الخليج والمعروف باسم متلازمة حرب الخليج لم يكن بسبب استنشاقهم لليورانيوم المنضب. وبدلًا عن ذلك يعتقد الباحثون المشاركون في الدراسة أن مرض متلازمة حرب الخليج ربما يكون ناجمًا عن تعرُّض هؤلاء الجنود لغاز الأعصاب المعروف بغاز «السارين».

Embed from Getty Images

وقال الفيلق البريطاني الملكي إن عدم فهم الحالة كان له «تأثير خطير» على قدامى المحاربين. وقالت وزارة الدفاع إنها لا تعتزم إجراء مزيد من الدراسات في هذا الشأن، لكنها ستولي اهتمامًا بأي بحث يُنشر في هذا الصدد. ويقدر الباحثون أن حوالي 250 ألفًا من قدامى المحاربين في حرب الخليج ربما يتعايشون مع هذا المرض أو المتلازمة – التي يمكن أن تسبب أعراضًا مثل الأرق ومشاكل في الذاكرة.

يقول المحارب المخضرم، كيري فولر: إن «أعراض المرض مزعجة للغاية إلى درجة تجعل المرء يظن أنه لو لقي مصرعه في أرض المعركة لكان أفضل له بكثير». كان كيري فولر، فيما مضى، جنديًّا يبلغ من العمر 26 عامًا ويتمع بلياقة بدنية عالية، وكان يحب الأنشطة الخارجية قبل حرب عام 1991. وقد أصيب بجلطة دماغية وهو في الأربعين من عمره، ويقول الآن إنه مريض للغاية، ومن الصعب عليه حتى النهوض من السرير.

وقال لمراسلة «بي بي سي» إن: «عالمي بأسره قد تغير وطريقتي في الحياة على هذا النحو. ولم يعد هناك مجالًا للعودة إلى ما كنت عليه. لقد وقع الضرر وازدادت آلامي سوءًا». وتابع: «أعتقد أنني والآلاف من قدامى المحاربين معي نريد فقط توضيحًا لما حدث، لنصبح قادرين بعد ذلك على المضي قدمًا للتعرف على أسباب ما جرى، ومن التوصُّل إلى العلاج الصحيح».

ويشير التقرير إلى أن العلماء يحاولون منذ سنوات معرفة سبب متلازمة حرب الخليج، خاصة وأن أكثر من 50 ألف جندي بريطاني شاركوا في حرب الخليج. وكانت إحدى النظريات الشائعة هي أن الجنود أصيبوا بالمرض بعد تعرضهم لليورانيوم المنضب الذي تستخدمه قذائف الدبابات. وللتحقق من هذا الأمر، أجرى باحثون من جامعة بورتسموث اختباراتٍ على أولئك الذين يعانون من هذه الحالة لفحص مستويات اليورانيوم المنضب المتبقي في أجسامهم.

ويقول الباحثون: إن دراستهم «تثبت على نحو قاطع» أن أيًّا من هؤلاء الجنود لم يتعرض لأي كميات كبيرة من اليورانيوم المنضب». وقال البروفيسور راندال باريش: إن نتائج الدراسة «ستفاجئ الكثيرين» الذين يشتبهون منذ مدة طويلة في أن التعرض لمثل هذه المادة الكيميائية يمكن أن يكون قد أسهم في مرضهم.

العلاقة بين متلازمة حرب الخليج وغاز «السارين» 

ويعتقد الباحثون الآن أن السبب الأكثر ترجيحًا للإصابة بمتلازمة حرب الخليج هو التعرض لغاز الأعصاب «السارين»، الذي انتشر في الغلاف الجوي في أعقاب قصف مخابئ الأسلحة الكيميائية العراقية. وأضاف الباحثون أن الخطوات التي اتُخذت بهدف حماية الجنود ربما ضاعفت من حجم المشكلة – بما في ذلك الأدوية المضادة للغازات العصبية والاستخدام المكثف للمبيدات الحشرية، التي كانت تُرَش على الخيام وغيرها من المعدات مثل زي الرسمي للجنود، والمبيدات التي كانت تُرَش على الجلد لطرد الحشرات خلال الحرب لمنع التعرض للملاريا. 

تاريخ

منذ سنة واحدة
«نيويورك تايمز»: سلاح «المطر الفولاذي» الأسطوري.. ما حقيقة دوره في حرب الخليج؟

وفي هذا الصدد، قال البروفيسور باريش: «إن القدرة على دحض العلاقة المزعومة بين هذا المرض وهذه المادة المشعة يسمح للمجتمع الطبي بالتركيز على نحو أكثر وضوحًا على الأسباب المحتملة فعلًا لهذه المتلازمة».

وتابع باريش: «إن العثور على الأسباب يصبح أمرًا غامضًا عندما تتعدد الخيارات التي يمكن إلقاء اللوم عليها». وأضاف: «يمكن النظر، ولو على نحو متأخر، إلى أنشطة الحلفاء الخاصة بتدمير مخبأ عراقي لغاز الأعصاب أو رش المبيدات على نحو مفرط على القوات، على أنه «هدف خاص» غير مقصود ويجب تجنبه في النزاعات المستقبلية». وأردف: «من المهم العثور على أسباب مثل هذه الظروف، حتى لو استغرق الأمر وقتًا طويلًا وقد تكون الأسباب مثيرة للجدل».

تأثيرات خطيرة

ولفت التقرير إلى ما قاله الفيلق البريطاني الملكي إن الأبحاث تشير إلى أن ما يصل إلى 33 ألف من قدامى المحاربين في حرب الخليج في المملكة المتحدة يمكن أن يكونوا مصابين بالمتلازمة، إذ يطالب 1300 منهم بالتمتع بمعاش حرب بسبب تعرضهم لمشاكل صحية مرتبطة بخدمتهم في الجيش.

Embed from Getty Images

وقال آندي بايك، رئيس السياسات والأبحاث في مؤسسة قدامى الحرب الخيرية: إنه «في الوقت الذي نرحِّب فيه بإجراء مزيد من البحث الذي يساعد على تحسين معرفتنا بالتجارب التي واجهها قدامى المحاربين في حرب الخليج، هناك القليل من الأبحاث القيمة المنشورة في المملكة المتحدة بشأن العلاج الفعَّال لهؤلاء الذين يعانون من أمراض حرب الخليج». وتابع: «من المحتمل أن يكون لهذا النقص في الفهم تأثير خطير، إذ تُرك عديد من المحاربين القدامى يعيشون في ظروف مدمرة بعد 30 عامًا من انتهاء العمليات القتالية».

وفي الختام، نقل التقرير ما قاله متحدث باسم وزارة الدفاع الذي أكَّد أننا: «مدينون لكل من خَدَم بلادنا في حروب الخليج، وقد قدَّمنا الرعاية بالفعل لبحث مهم في آثار هذا الصراع على قدامى المحاربين». وتابع: «وعلى الرغم من عدم وجود خطط لإجراء مزيد من الدراسات، فإننا سنواصل متابعة أي أبحاث تُنشَر عن حرب الخليج في جميع أنحاء العالم».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد