نشرت صحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية مقالًا للكاتب أوليفر كارول، تناول فيه تطورات الأوضاع في بيلاروسيا بين رئيس البلاد وأعوانه من رجال العصابات والعملاء المستأجرين من جانب، والمعارضة على اختلاف أطيافها من جانب آخر، ولجوء الطرف الأخير إلى استخدام الإنترنت وما يُسمَّى بالجيش السيبراني للتصدى للديكتاتور الحاكم في ظل دخول الاحتجاجات أسبوعها التاسع في البلاد.

يستهل مراسل صحيفة «الإندبندنت» من موسكو مقاله بعبارة موجزة وموحية مفادها أنه إذا اخْتُصِر الأمر في معركة القوة الصلبة (استخدام القوة العسكرية والاقتصادية للتأثير في سلوك أو مصالح كيانات سياسية أخرى) – البنادق والرصاص والقمع الشرس – فلن يكون هناك بالتأكيد أي مجال للصراع.

وفي التفاصيل، يقول الكاتب إنه في الأسابيع الثمانية التي انْقضَت منذ أن أعلن ألكسندر لوكاشينكو فوزه الانتخابي الساحق غير المحتمل، اجتاز نظامه الدموي كل خط أحمر عنيف يمكن تخيله. إذ اعتقل الآلاف وعذب المئات، وقتل خمسة أشخاص على الأقل، واختطف الخصوم السياسيين وهدَّدهم وسجنهم، ونظَّم حفل تنصيب سريًّا، بل كشَّر عن أنيابه من دون رحمة مع جدة تبلغ من العمر 73 عامًا.

أما المتظاهرون، الذين اتَّبعوا نهجًا أكثر سلمية، فكانوا في حاجة إلى التحلي بالبراعة للحفاظ على تكافؤ الصراع. وعندما أطلق النظام إرهابه، نظَّموا عصيانًا مدنيًّا وإضراباتٍ جماعية. وعندما بدأ النظام في اعتقال المتظاهرين الذكور على نحو جماعي، تقدمت النساء البيلاروسيات لقيادة الاحتجاج. وعندما بدأ الضباط في اعتقال النساء، عمدت النساء إلى تمزيق الأقنعة التي يرتديها الضباط على وجوههم بهدف كشف هويتهم.

المعارضة الرقمية في بيلاروسيا

وينبه الكاتب إلى أنه مع دخول المواجهة لحظة من الجمود في الشوارع الآن، بدأ القتال يتحول إلى جبهة جديدة، وهي الفضاء الإلكتروني؛ حيث تتمتع المعارضة ببعض الانتصارات الواضحة.

ويضيف الكاتب، الذي كتب في الشأن الروسي في مدة ما بعد الاتحاد السوفيتي لأكثر من عقد، أنه منذ بداية شهر سبتمبر (أيلول)، نجحت مجموعة من المحاربين السيبرانيين المجهولين، الذين يصفون أنفسهم بأنهم «أنصار الفضاء الإلكتروني في بيلاروسيا» (Cyber Partisans of Belarus)، في اختراق العشرات من أنظمة تكنولوجيا المعلومات الحكومية.

وفي معظم الأحيان، كانت عمليات الاختراق محرجة، وإن لم تكن بالغة الأهمية. فعلى سبيل المثال، غُطِّي الموقع الرئاسي بالأعلام الوطنية الحمراء والبيضاء التي تفضلها المعارضة. ووجد الرئيس لوكاشينكو ووزير داخليته ملفاتهم الشخصية مدرجة في قوائم المطلوبين رسميًّا للشرطة البيلاروسية. وتوقَّفت نشرات الأخبار الرسمية التي تُبَث عبر الإنترنت وتخللها عرض لقطات فيديو عن عنف الشرطة.

Embed from Getty Images

لكن نشطاء القرصنة حققوا نجاحًا منهجيًّا خطيرًا أيضًا. وشلُّوا أنظمة الحوسبة في مكتب المدعي العام، والبورصة، وإدارة شرطة مينسك، ومكتب الضرائب. كما أخْلُوا المواقع الحكومية (من المعلومات) لساعات في وقت واحد. وعطَّلوا موقع اليانصيب الرسمي، وتسببوا في انهيار نظام المدفوعات في البنك الوطني البيلاروسي.

يقول ممثل «أنصار الفضاء الإلكتروني في بيلاروسيا»، شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الهجمات الإلكترونية ضد النظام ستتصاعد فقط. ووصف أمن تكنولوجيا المعلومات الخاص بالنظام بأنه «يبعث على السخرية»، وادَّعى أن المجموعة لديها بالفعل القدرة على التأثير في ميزانية الدولة. وقال: «يمكننا الوصول إلى الحسابات المصرفية في الوقت الحالي إذا أردنا، لكننا نُدرك أن ذلك سيضر أكثر مما ينفع؛ لذلك أحجمنا عن فعل ذلك».

ويلفت الكاتب إلى أن أكبر نجاح حققه الأنصار حتى الآن كان اختراق قواعد بيانات وزارة الداخلية، بما في ذلك أسماء الضباط العاملين وعناوينهم وأرقام هواتفهم. وأصبح هذا الأمر سلاحًا قويًّا في بلد صغير مثل بيلاروسيا. ويجب أن يعيش الضباط في الشقق نفسها التي يسكنها عامة السكان، وأن يتسوَّقوا في المتاجر نفسها. ويؤدي تجريد الضباط من القدرة على ارتكاب الانتهاكات من دون الكشف عن هويتهم إلى زيادة فرصة الانشقاقات على نحو كبير. ويحافظ هذا الوضع، بصورة حاسمة، على الضغط النفسي القائم على النظام.

تكنولوجيا متطورة للتعرف إلى هوية الملثمين

وفي تطور موازٍ، تزعم مجموعة من المهندسين بقيادة المغترب المقيم في الولايات المتحدة، أندرو ماكسيموف، أنهم طوَّروا برنامجًا حاسوبيًّا يمكنه التعرف إلى الضباط حتى أثناء ارتدائهم أقنعة.

وأظهر ماكسيموف، البالغ من العمر 30 عامًا، لأول مرة إمكانات نظامه في مقطع فيديو يحلل لقطات سيئة السمعة لانتهاكات ارتكبتها الشرطة في أوائل شهر أغسطس (آب). وتُظهر المظاهرة التي نُشرِت على موقع الفيديوهات (يوتيوب)، والتي شاهدها بالفعل مليون مشاهد، لقطات فيديو لضباط ملثمين يقفون فوق صبي أعزل يبلغ من العمر 15 عامًا، حاملين قنبلة من الذخيرة الحية. ويزعم النظام المُطوَّر أنه يعرض البرنامج الذي يُطابِق مواصفات الرجل مع قاعدة بيانات للضباط المعروفين.

وقال ماكسيموف، الذي تتمثل مهام وظيفته اليومية في إدارة شركة ذكاء اصطناعي بملايين الدولارات في لوس أنجلوس، إن البرنامج كان واضحًا بما فيه الكفاية. وأضاف: «يمكن لشخص يبلغ من العمر 15 عامًا ولديه جهاز كمبيوتر محمول أن يفعل ما نفعله». فالنظام يستخدم نماذج رؤية حاسوبية موجودة مسبقًا لاستخراج ملامح الوجه، ثم يتحقق منها باستخدام بيانات وصفية أخرى مثل الموقع والوقت. وعند ذلك فقط يبحث البرنامج عن الصورة المطابقة المحتملة عبر استخدام قواعد البيانات.

Embed from Getty Images

لكن المشروع الذي يُوصَف بأنه ضرب من الخيال العلمي لماكسيموف اجتذب عددًا من المشككين، حتى إن بعض مجموعات القراصنة المعارضة رفضت البرنامج ووصفته بأنه «مزيف».

إلا أن المهندس المغترب يتمسك بمزاعِمه، ويقول إن الناس تعتقد خطأً أن الذكاء الاصطناعي علم دقيق. وتابع قائلًا: «كل ما يعكسه هو احتمالات تستند إلى بيانات مُجربة، وأعترف أن بيانات التصوير الفوتوغرافي ما تزال غير كاملة، لكننا نسعى إلى تطويرها».

الجيش السيبراني ومحاولة الثورة على لوكاشينكو

وألمح الكاتب إلى أن أنصار الفضاء الإلكتروني في بيلاروسيا من جانبهم اعترفوا أيضًا بأن التخريب في مجال تكنولوجيا المعلومات هو أيضًا أقل من أن يؤمِّن حدوث ثورة. لكنهم يقولون إنهم يلعبون «دورًا مهمًّا» في «حركة تاريخية»، وأنهم «واثقون» من قدرتهم على إلحاق أضرار جسيمة بنظام لوكاشينكو القائم منذ 26 عامًا.

واختتم الكاتب مقاله بقول ممثل أنصار الفضاء الإلكتروني (السيبراني): «لا نريد الكشف عن كل أوراقنا حتى الآن». وتابع «دعنا نقول فقط إننا واثقون جدًّا مما نفعله».

دولي

منذ شهرين
«الإندبندنت»: هل تستطيع نساء بيلاروسيا خلع الديكتاتور لوكاشينكو؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد