في ظل تقدُّم قوات حفتر نحو العاصمة الليبية طرابلس من أجل الاستيلاء عليها، نشر موقع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية تحليلًا للمحلل طارق المجريسي يتناول فيه مخاطر تلك الخطوة، ويوصي الدول الأوروبية بالحيلولة دون ذلك.

واستهل طارق تحليله باستعراض الوضع الحالي في ليبيا، قائلًا إنَّ المشير حفتر، الذي وصفه بأنَّه آخر وأكبر رجل قوي في ليبيا، بدأ في التحرُّك مجددًا في البلاد. ففي 3 أبريل (نيسان) الحالي، بدأ الجيش الوطني الليبي التابع له يتوسع غربًا على طول الطريق الساحلي الليبي عبر جبال نفوسة إلى بلدة غريان.

وبحسب طارق، فإنَّ الاستيلاء السريع للجيش الوطني الليبي على المدينة كان سهلًا، لكنَّه يُمثِّل خطوةً مهمةً في الطريق نحو الاستيلاء على العاصمة الليبية طرابلس، التي أمر حفتر جنوده بالتقدُّم إليها في اليوم التالي. ويرى الكثيرون أنَّ زخم حفتر يعني أنه على وشك تحقيق حلمه بتوحيد البلاد تحت سيطرته.

جعجعة من دون طحين.. لماذا فشل حفتر حتى الآن في دخول طرابلس؟

لكنَّ طارق يرى أنَّ يوم تحقيق حُلم حفتر لم يحن بعد، مشيرًا إلى أنَّ تقدم الجيش الوطني الليبي قد أثار، على نحوٍ غير مفاجئ، حشدًا مضادًا من قوات مناطق غرب ليبيا التي اتحدت بالفعل استعدادًا لمثل هذا التصعيد. وكذلك تُجهِّز حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة إمكاناتها المادية والبشرية للدفاع عن العاصمة. وبحسب طارق، سيكون رد مدينة مصراتة، التي تعهَّدت بالفعل بتقديم قواتٍ للمساعدة في الدفاع عن العاصمة، هو العامل الرئيس في قدرة حكومة الوفاق الوطني على حماية موقعها.

ويعتقد طارق أنَّ كل ذلك يعني أن ليبيا تتأرجح الآن على شفا حرب أهلية أخرى، مضيفًا أنَّ الأمم المتحدة فقدت السيطرة الكاملة على الأحداث، واستشهد على ذلك بأنَّ الجهود الدبلوماسية التي بذلها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس – الذي ذهب إلي طرابلس في الثالث من الشهر الجاري – بين حفتر والفصائل الليبية الأخرى تبدو ميؤوس منها.

والأسوأ من ذلك أنَّ حفتر لا يتمتع بالسلطة اللازمة لتحقيق استقرار حقيقي في البلاد، رغم المظاهر التي تشير إلى ذلك. لذا يدعو طارق الدول الأوروبية إلى تصعيد ردها فورًا على تقدم حفتر نحو طرابلس. ويرى أنَّها تستطيع – إذا اتحدت – منع الجيش الوطني الليبي والمساعدة في الحفاظ على الاستقرار الهش في ليبيا. لكنَّه تساءل ما إذا كانت ستستخدم تلك القدرة.

خطة حفتر

وبحسب طارق، يرجع سلوك حفتر العدواني بدرجةٍ كبيرة إلى صمت المجتمع الدولي على تصرفاته السابقة، بما في ذلك توسعه في جنوب ليبيا. فلطالما اعتقدت معظم الحكومات الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، أنَّه من الممكن أن يكون المشير المتقلب حفتر محور بناء عملية سياسية جديدة تُقَرُّ من جانب المؤتمر الوطني الذي ترعاه الأمم المتحدة. لذا التزمت الصمت تقريبًا بينما وسَّع حفتر عملياته ببطء.

Embed from Getty Images

وذكر طارق أنَّ تقدُّم قوات حفتر سبقته محاولات في الإمارات العربية المتحدة لهندسة صفقةٍ بين حفتر وفايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني كانت ستمنح حفتر منصب سلطة شرعيًا. لكنَّ الشروط كانت منحازة جدًا لحفتر وكانت ستسمح له بالسيطرة على ليبيا بطريقةٍ ملتوية غير مباشرة.

ولكن مع فشل هذه الصفقة تقريبًا، لجأ حفتر إلى النهج العسكري لنيل مراده. ويرى طارق أنَّ حفتر يحاول الضغط على الأطراف الليبية الفاعلة والأمم المتحدة لقبول تعيينه قائدًا أعلى للجيش الليبي.

ومثلما حدث في توُّسعه السابق في جنوب ليبيا، سعى حفتر إلى استخدام مزيجٍ من التهديد بشن حربٍ وشيكة، وتقديم وعودٍ مختلفة بالحصول على دورٍ مستقبلي ضمن سُلطته لمحاولة ضم عددٍ كاف من الأطراف لتمكينه من احتلال الأراضي دون قتال. لكن في هذه المرة، يبدو أنَّ بعض المجتمعات تخشى نهجه بدلًا عن الترحيب به، في حين أنَّ بعض المراكز العسكرية مثل مدينتي مصراتة والزنتان تحتشدان لمقاومته. ومن ثَمَّ قد تكون هذه العملية مختلفةً تمامًا عن تجربة حفتر التوسعية في الجنوب، حسب ما ذكر طارق.

استرضاء حفتر

ويعتقد طارق أنَّ الدول الأوروبية بحاجةٍ إلى إعادة تقييم نهجها في التعامل مع حفتر في ظل الأحداث الأخيرة، مشيرًا إلى أنَّ الدول الأوروبية لديها مصالح مباشرة متعلقة بالأمن والطاقة في استقرار ليبيا عرَّضتها جهود حفتر الأخيرة للخطر.

لذا يجب أن تكون الأولوية العاجلة لتلك الدول هي تسهيل وقف إطلاق النار وعقد مؤتمر وطني سلمي يُمكن أن يُسفر عن خارطة طريق سياسية لبناء الاستقرار في ليبيا. ومن شأن خارطة الطريق هذه أن تقدم لحفتر طريقًا تفاوضيًا للمشاركة في الحكومة الليبية بدلًا عن السماح له بإملاء شروطه.

Embed from Getty Images

ويؤكِّد طارق أنَّ النقطة الأساسية التي يجب فهمها هي أنَّ حفتر ليس قويًا كما يبدو، ولا يمكنه في النهاية توفير الاستقرار لليبيا، مضيفًا أنَّه لا يستطيع كذلك أن يفي بجميع الوعود التي قطعها سواء لنظرائه الليبيين أو شركائه الدوليين الذين وعدهم بالمحاباة والاستقرار السلطوي. وبحسب طارق،  فحفتر لا يسيطر فعليًا على جيشٍ بالمعنى التقليدي للكلمة، بالرغم من الترويج الفعَّال لقوة سيطرته. إذ أنَّ الجيش الوطني الليبي مجرَّد تحالفٍ هشٍّ بين ميليشيات مختلفة ذات مصالح قبلية ودينية ومحلية حول لُبٍّ من قوًى أكثر تقليدية (تتعرَّض هي الأخرى لإضعافٍ شديد بفعل عناصر سلفية).

وأشار طارق إلى أنَّ توسُّعات حفتر حتى الآن تعتمد على ضمِّ قواتٍ محلية جديدة إلى امتياز الجيش الوطني الليبي، في خطوةٍ تبدو أنها المكافئ العسكري لخطة بونزي. ويرى طارق أنَّ المحافظة على فعالية الجيش الوطني الليبي تتطلَّب توسّعًا مستمرًا وعائداتٍ مالية موجَّهة نحو جوهر العملية وقيادتها، مضيفًا أنَّ قوات حفتر في هذه المرحلة منتشرةٌ في مناطق تفوق طاقتها المادية والبشرية، وأنَّ مصادر تمويله متشرذمة، ومن ثَمَّ، فإذا اضطر إلى القتال، قد يكون أشد هشاشة ممَّا يدرك الكثيرون. بل إنَّ أحد أسباب تصعيده الأخير هو هذه الثغرات وحاجته إلى نجاحٍ سريع.

ويرى طارق أنَّ حفتر ليس لديه أيديولوجية موحِّدة يُمكن بناء نظام حكم شرعي عليها ولا جيش يحل محل الخليط الحالي من الميليشيات والقوات المحلية التي تسيطر على ليبيا. لذا فمن المستبعد أن يستمر أي حكم يحصل عليه بهذا المزيج من المكونات المختلفة المتنافرة فترةً طويلة بعد توقف توسعه.

النفوذ الأوروبي

وأشار طارق إلى أنَّ هذا الكم الكبير من نقاط الضعف لا بد أن يُستخدَم أداة ضغط لإجبار حفتر على التوصل إلى اتفاق. واعترف طارق بأنَّ المؤتمر الوطني يواجه العديد من التهديدات، وقد لا ينتج عنه ما هو مطلوب، لكنَّه يراه أفضل أمل لبدء بعض أشكال الانتقال الأكثر استقرارًا. فإذا تمكن المؤتمر الوطني من الاستمرار، قد يسفر عن إطارٍ أقل عرضةً للخطر يمكن أن يقبله سراج ويستوعب حفتر. فما زالت فرص هذه العملية التوافقية أفضل في إيجاد الاستقرار في ليبيا من مجرَّد القوة العسكرية.

Embed from Getty Images

واستشهد بما حدث في عامي 2014 و2018، حين أوقفت الجهود الأوروبية والأمريكية المشتركة محاولاته بيع النفط خارج القنوات الوطنية المعتمدة. ويوصي طارق بضرورة إجبار حفتر على قبول وقفٍ فوري لإطلاق النار لتجنُّب احتمالية اندلاع حرب أهلية، والحفاظ كذلك على شرعية المؤتمر الوطني.

وذكر طارق أنَّ حفتر كثيرًا ما أوضح طموحاته المُبالغ فيها على مرِّ السنوات الأربع الماضية، لكنَّ تلك السنوات أظهرت كذلك أنَّه حتى لو حققها، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى مزيد من الصراع وليس الاستقرار. وإذا ظلَّ حفتر حرًا في مواصلة تصعيد الموقف وفرض العملية السياسية دون أي رد فعل حقيقي من الجهات الدولية الفاعلة، فتجدد العنف يبدو شبه حتمي. وهذا من شأنه أن يعيد المرحلة الانتقالية في ليبيا سنواتٍ إلى الوراء، ويخلق مجموعة جديدة من التهديدات المزعزعة للاستقرار في المنطقة وعلى الجانب الآخر من البحر المتوسط.

«فورين بوليسي»: لماذا نجحت روسيا في ليبيا وفشلت أمريكا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد