يمكن للمرض العقلي أن يصيب أي شخص في أي من مراحل حياته. في الحقيقة فإن أكثر من 350 مليون شخص حول العالم -من كل الأعمار وفي كل المجتمعات- يعانون من الاكتئاب. وبحسب «منظمة الصحة العالمية» فإن حوالي نصف الأمراض العقلية تبدأ في سن 14 عامًا، وتظهر إحصائيات صادمة بهذا الخصوص في احتفال هذا العام باليوم العالمي للصحة النفسية.

لكن وبحسب تقرير منشور على الموقع الإلكتروني لـ«المنتدى الاقتصادي العالمي»، فإن ثمة أخبارًا جيدة هنا تتعلق بأننا صرنا نتعلم ونفهم ونتعامل على نحو أفضل مع قضايا الصحة العقلية والأمراض العقلية، وتعرض السطور التالية بعضًا من هذه التطورات.

لست مكتئبًا ولكنك مريض.. 6 أمراض نفسية سببها المرض العضوي

التدخل المبكر

يذكر التقرير أنه وبرغم أن نحو نصف الأمراض العقلية تبدأ في الظهور بعمر 14 عامًا، إلا أن أغلب الحالات عادة ما تمر بدون أن يتم اكتشافها أو علاجها. لدى المراهقين والشبان الصغار الكثير من التغيرات التي عليهم أن يتعاملوا معها، كالانتقال من مدرسة إلى أخرى، وترك منازلهم، وبداية المرحلة الجامعية، أو الالتحاق بوظيفة جديدة. ومن شأن تلك الأمور جميعها أن تبعث في نفوسهم الكثير من التخوفات والإحباطات، وفي بعض الأحيان إذا لم يتم التعرف إليها وعلاجها، تؤدي إلى الإصابة ببعض الأمراض العقلية.

في بعض البلاد، تتسم سنوات التكوين الأولى في عمر الطفل بالكثير من الصراعات والقلبان، وهو ما يجعل الطفل أكثر عرضة للأمراض والاضطرابات العقلية، وفي ما يتعلق بالأعباء المرضية لدى المراهقين، فإن الاكتئاب يحتل المرتبة الثالثة، فيما الانتحار يحتل المرتبة الثانية، إذ يتصل بأكثر أسباب الوفاة للفئة العمرية بين 15- 29 عامًا. بينما يعد الاستخدام الضار للكحوليات والعقاقير واضطرابات الطعام أسبابًا أخرى ذات أهمية.

وبالرغم من هذه الصورة المزعجة، فإن «منظمة الصحة العالمية» تقول إن هناك إدراكًا متزايدًا لأهمية مساعدة الشباب لبناء المرونة العقلية في سنوات عمرهم الأولى. إذ يمكن أن يتلقوا المساعدة من الآباء أو المعلمين لبناء مهارات حياتية تساعدهم على التأقلم مع التحديات التي تواجههم في المنزل أو المدرسة. وقد أطلقت الكثير من المدارس مبادرات للتفكير والتأمل بين الطلاب، فيما توفر مدارس أخرى دعمًا نفسيًّا اجتماعيًّا لطلابها.

لكن هذا الأمر يتطلب استثمارًا أكبر من جانب الحكومات. وهو ما يقتضي العمل المتزامن مع العديد من البرامج التي تهدف إلى رفع الوعي، ومساعدة الآباء والمعلمين والأقران على سبل دعم أبنائهم وتلاميذهم وأصدقائهم.

دور العامل الوراثي

يضيف التقرير: تظهر الأبحاث أن نحو 30- 40% من مخاطر الإصابة بالاكتئاب، أو اضطرابات القلق يعود سببها إلى العوامل الوراثية، بينما نحو 60- 70% سببها عوامل بيئية، وذلك بحسب «المعهد القومي لأبحاث الصحة»، والآن ينادي المعهد -بالتعاون مع كلية لندن- نحو 40 ألف شخص من الذين تم تشخيصهم بالاكتئاب أو اضطرابات القلق للانضمام إلى ما يصفانه بـ«أكبر قاعدة بيانات للمتطوعين على الإطلاق». ويخطط الباحثون لاستكشاف العوامل الوراثية خلف الاكتئاب واضطرابات القلق، وهما أكثر الأمراض العقلية شيوعًا في العالم.

«من المثير أن ينخرط المرء في بحوث حول الصحة النفسية في الوقت الحالي، خاصة البحوث المتعلقة بالعوامل الوراثية والتي خطونا فيها خطوات رائعة في السنوات الأخيرة، تعرفنا حتى الآن إلى نحو 46 رابطًا وراثيًّا للاكتئاب واضطرابات القلق»، هكذا يقول الدكتور جيروم برين من الكلية الملكية بلندن، مستطردًا: «عبر تجنيد أكثر من 40 ألف متطوع يرغبون أن يصبحوا جزءًا من المشروع، فإن الدراسة سوف تأخذنا بعيدًا جدًا، ستجعل الباحثين يجدون إجابات عن الأسئلة الكبرى التي ظلت عالقة وقتًا طويلًا حول العلاقة بين العوامل الوراثية والبيئية، وكيف تتفاعل معًا، فضلًا عن تطوير خيارات علاجية جديدة».

«ذو العقل يشقى في النعيم بعقله».. ماذا تعرف عن الجوانب السلبية للذكاء المرتفع؟

التكنولوجيا والدماغ

تخبرنا الحكمة التقليدية أن قضاء الكثير من الوقت على الإنترنت هو أمر ضار بالدماغ البشري وبصحتنا النفسية، كما يلاحظ التوجه المتزايد لدى الباحثين للإشارة إلى مخاطر نمط الحياة الرقمي الذي نعيشه. على سبيل المثال، كتب عالم الأعصاب آدم غازالي كتابًا بعنوان «العقل المشتت: أدمغة عتيقة في عالم التكنولوجيا» حاول فيه استكشاف كيف أن الأجهزة التكنولوجية المتصلة بالإنترنت تلعب دورًا كبيرًا في تشتيت انتباهنا، ولديها تأثيرات سلبية في صحتنا النفسية ومستويات التوتر التي نعيشها في بيئة العمل.

لكن، وبحسب التقرير، فعلى الجانب الآخر هناك الكثير من العلماء يؤمنون بأن التكنولوجيا يمكن تسخيرها من أجل معالجة قضايا الصحة النفسية، وهو ما يلاحظ في التكاثر المذهل للتطبيقات التي صارت تهدف إلى الرفاهية الصحية. على سبيل المثال، فإن تطبيقًا مثل Happify app يعمل على تقليل الضغوط والتوترات التي قد تعاني منها عبر توفير السعادة باستخدام الألعاب والأنشطة المتنوعة.

والمبدأ الرئيسي هنا أنك تستطيع تغيير وتعديل عقلك من خلال تدريبه، كما لو كان عضلة في الجسد، وهي نظرية تعرف بالمرونة العصبية. ويمكن للمستخدمين عبر تبني طرق تفكير جديدة أن يتغلبوا على أنماط التفكير السلبية، ويتأقلموا مع ضغوط الحياة اليومية. هذا التطبيق يستخدمه الآن بالفعل 3.5 مليون شخص. ويُذكر أنه يساعد الأشخاص المصابين بالسكيزوفينيا والاكتئاب الإكلينيكي والأمراض العقلية المزمنة.

يلاحظ التقرير أيضًا أن ثمة أدلة علمية متزايدة تشير إلى نجاح تجارب العلاج عبر الإنترنت، ففي المملكة المتحدة، وافق «المعهد القومي للصحة والرعاية المتميزة» -وهو معهد يوفر خدمات الإرشاد القومي لتحسين الرعاية الصحية- على استخدام العلاج السلوكي الإدراكي عبر الإنترنت، ويعد العلاج السلوكي الإدراكي واحدًا من العلاجات المستقرة، ويتم عبر تبادل الحديث مع آخرين، لكن العلماء اليوم يدركون أن من السهولة بمكان أحيانًا أن تدير زر تشغيل آلة بدلًا من إنسان حقيقي. هذا بالإضافة إلى أن العلاج السلوكي الإدراكي باهظ الثمن، ويستنزف الكثير من الوقت، لذلك فإن من شأن التكنولوجيا أن تجعل هذا العلاج أكثر توافرًا.

أولوية قصوى

أدرك قادة العالم أهمية الصحة النفسية عبر تضمينها ضمن «جدول أعمال التنمية المستدامة» التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2015، ففي جزء من البند الثالث، يشار إلى التزام قادة العالم بضرورة توفير «الوقاية والعلاج من الأمراض غير المعدية، بما فيها اضطرابات السلوك والتطور والاضطرابات العقلية، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا للتنمية المستدامة».

وتشرح المدير العام لـ«منظمة الصحة العالمية»، مارجريت شان، أهمية القرار، قائلة إن من شأنه أن يساعد العالم على تحقيق المزيد من العدالة: «يعد تضمين الأمراض غير المعدية ضمن الأهداف الصحية نقطة تحول تاريخية ستساعد في منح تلك الأمراض الاهتمام الذي تستحقه».

ثمة أهداف خاصة تتعلق بتقليل معدلات الوفاة من الأمراض العقلية غير المعدية بحوالي الثلث مع حلول عام 2030، وتعضيد سبل الوقاية والعلاج من إدمان الكحوليات والعقاقير المخدرة، ويختتم التقرير بالقول: عبر هذا النوع من الالتزام المستمر، بالإضافة إلى الوعي المتنامي بقضايا الصحة النفسية، يمكن تحقيق التقدم المرجو في هذا المجال.

علم النفس يخبرك: هذه الحيل يمارسها عليك عقلك يوميًّا وقد تسبب لك الاكتئاب

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد