نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا لمراسلتها في تل أبيب، شيرا روبين، التي تغطي الأخبار من إسرائيل والأراضي الفلسطينية والمنطقة، تناولت فيه الأوضاع التي تغيَّرت في تل أبيب، موضحةً أن المدينة التي كانت تُعرف باسم «الفقاعة» لبُعدها عن ويلات الحروب لمدة طويلة باتت الآن في مرمى نيران صواريخ حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي ما فتئتْ تسقط عليها من كل حدب وصوب.

وفي بداية تقريرها تقول المراسلة عندما استهدفت صواريخ حماس هذه المدينة لأول مرة في إحدى ليالي الأسبوع الماضي، انطلق ناداف كوهين، مالك حانة El Vecino، وجميع زبائنه على عجَل نحو قبو النبيذ القابع تحت الأرض ليَحْتَموا به، حيث انبطحوا على الأرض وكؤوس الشراب في أيديهم.

حماس تضع تل أبيب على خط المواجهة

وقال كوهين إنه فتح زجاجة فودكا وزجاجة أخرى من خمر العَرَق الذي يتميز بنكهة العرقسوس لينظِّموا «حفلتهم الصغيرة»، وفي هذه الأثناء كان يتنامى إلى أسماع هذه المجموعة دوي الصواريخ الدفاعية التي يُطلِقها نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي المعروف باسم القبة الحديدية. وشاهدت المجموعة مقاطع فيديو منتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي لخطوط بيضاء تسبح في سماء الليل وخرائط في الوقت الفعلي توضح أماكن سقوط الصواريخ.

Embed from Getty Images

ولفتت الكاتبة إلى أنه خلال الصراعات السابقة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في غزة، ظلت تل أبيب في الغالب في أمان وبمنأى عن خط النار. لكن خلال الأسبوع الماضي، أدَّت عمليات القصف المتكرر لصواريخ حماس إلى وضْعِ سكان هذه المدينة الساحلية – المعروفة باسم «الفقاعة» أو «دولة تل أبيب» في إشارة إلى بُعدها عن حروب إسرائيل المتعددة – على خط المواجهة.

يقول كوهين: «آخر مرة سقطت فيها صواريخ على تل أبيب، لم يشعر بها كثير من الناس. ومنذ الأسبوع الماضي، لم يزل سكان تل أبيب يذهبون إلى الشاطئ والحانات، ويخرجون للتنزُّه وقضاء الأوقات، لكن شيئًا ما تغير».

وفي ليلة السبت وحدها أُطلِق عدد من الصواريخ على منطقة تل أبيب يفوق عدد تلك الصواريخ التي أُطلِقت خلال الحرب التي استمرت 50 يومًا بين إسرائيل وغزة في عام 2014، وفقًا للجنرال أوري جوردين، الذي يقود قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية. وخلال الأسبوع الماضي قُتِل ثلاثة أشخاص في وسط إسرائيل؛ لأنهم لم يتمكنوا من العثور على ملجأ يَحْتمون به.

احتفال خاص

وأفاد التقرير أن الصراع المتصاعد بين حماس وإسرائيل أدَّى إلى مقتل أكثر من 10 أشخاص في إسرائيل، من بينهم طفل في الخامسة من عمره وفتاة في سن المراهقة. وصرح مسؤولو الصحة باستشهاد أكثر من 200 شخص من سكان غزة، من بينهم أكثر من 60 طفلًا.

وأطلقت حماس أكثر من 3300 صاروخ على إسرائيل، لكنها احتفلت بحماسة من نوع خاص بالمئات التي أطلقتها باتجاه تل أبيب. وقال المتحدث باسم حماس المعروف باسم أبي عبيدة في بيان متلفز الأسبوع الماضي: إن قرار ضرب تل أبيب والقدس وديمونا، مقر البرنامج النووي الإسرائيلي السري في جنوب البلاد، «أسهل علينا من شربة ماء».

Embed from Getty Images

واتَّخذت الهجمات الجوية على منطقة تل أبيب الكبرى، الأكثر كثافة سكانية في إسرائيل، طابعًا روتينًّا، بدءًا بإعلانات ليلية من حماس تحدد الساعة التي سيبدأ فيها سقوط الصواريخ. وعندما تدوِّي صفارات الإنذار جرَّاء الغارات الجوية، أو يصدر وميض التحذيرات على تطبيقات الهاتف، يندفع السكان إلى «غرفهم الآمنة» أو إلى دَرَج المبنى في غضون 90 ثانية محددة.

لكن مكان سقوط الصواريخ لم يزل أمرًا غير قابل للتنبؤ على نحو خطير، بحسب وصف التقرير. وفي قاعة للحفلات الموسيقية في مدينة هرتسليا، شمال تل أبيب، نقل المغني الإسرائيلي شولي راند وعازف الأكورديون في فرقته الموسيقية العرضَ الموسيقي إلى ساحة انتظار سيارات تحت الأرض بينما كانت صفارات الإنذار تدوي فوق الأرض. وقال راند: إن الصراع الحالي، بعد عام مضى من فيروس كورونا، أجبر الإسرائيليين على العودة بسرعة إلى وضع الأزمة.

وتنصح مجموعات مجتمعية على وسائل التواصل الاجتماعي السكان في تل أبيب بترك الأبواب الأمامية لمبانيهم مفتوحة، إذ ربما يحتاج المارَّة إلى ملجأ يأوون إليه إذا ما انطلقت صفارات الإنذار. وعرض الإسرائيليون في شمال البلاد استضافة عائلات تل أبيب التي تريد مغادرة المدينة. وأُلغيت الدراسة وأغلقت المدارس أبوابها إلى أجل غير مسمى.

ولفت التقرير إلى أن منطقة تل أبيب الحضرية – مقر البورصة الإسرائيلية وأعلى منطقة تتركز فيها شركات التكنولوجيا الفائقة والمؤسسات الثقافية الأكثر تفاخرًا – تُعد إحدى آخر معاقل الليبراليين الإسرائيليين المتبقية. تقول ماريا كلاينر، التي تنام مع أطفالها الثلاثة وعدد من العائلات الأخرى في ملجأ عام منذ يوم الخميس؛ لأن شققهم لا تُعد ملجأً مناسبًا، لكن حتى في هذه المنطقة، فقَد معظم الإسرائيليين الثقة في مفهوم السلام مع الفلسطينيين. ويقول بعض السكان: إن المزيد من الناس في تل أبيب أصبحوا متشددين (يؤيدون استخدام القوة في العلاقات السياسية بدلًا عن المناقشة أو الحلول السلمية).

بيبي يتحمل المسؤولية

واستدركت كاتبة التقرير قائلةً: لكن من وجهة نظر كثيرين في المدينة، تقع المسؤولية عن تصاعد العنف على عاتق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وفي الملاعب المزدحمة، لا سيما تلك الملاعب التي توجد بها ملاجئ قريبة، يدور الحديث بين الآباء حتمًا عن نتنياهو، المعروف بلقبه «بيبي»، والذي كان من المتوقع على نطاق واسع أن يُطاح من السلطة قبل أسبوعين فقط بعد فشله في الانتخابات الوطنية في وقت سابق من هذا الربيع.

«لم يكن هذا ليحدث لولا بيبي»، تقول ميري تسايج، وهي محاسبة من تل أبيب وتبلغ من العمر 50 عامًا، بعدما قادت خطى رضيعَيْها إلى ملجأ تحت الأرض أسفل ملعب الحي الذي يقيمون فيه، وأضافت: «إنه يستخدم هذه الحرب باعتبارها مصدرًا للإلهاء».

Embed from Getty Images

وقال داني فيلنسكي، الناشط اليساري الذي شارك في مظاهرتين لوقف الحرب خلال الأسبوع الماضي، إن «هذه حرب سياسية، ولا داعي لها على الإطلاق». وقال: إن الصراع مع حماس واندلاع الاضطرابات العربية اليهودية في جميع أنحاء البلاد وفي الضفة الغربية كانا بمثابة اختبار له ولمجتمعه المتضائل من اليسار، الذين ينادون بإجراء مفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. لكن فيلنسكي قال إنه أوضح أيضًا أن «المشكلة ليست في غزة. ولكن المشكلة تكمن في حقيقة أن إسرائيل أصبحت أكثر يمينية وتشددًا.. خاصة في تل أبيب، وهي فقاعة إسرائيل، وذلك الشعور بالحياة الطبيعية آخذ في التضاؤل. والناس لا يشعرون بالأمان، ولذلك يميلون أكثر فأكثر نحو اليمين المتشدد».

كيف تغلبت حماس على القبة الحديدية؟

وأشار التقرير إلى أنه منذ الحرب على غزة عام 2014، وجدت حماس طريقة لتجعل تل أبيب عرضة لخطر أكبر. وقالت الكولونيل المتقاعدة ميري إيسين، ضابطة مخابرات كبيرة سابقة في الجيش الإسرائيلي: إن حماس عدَّلت من تكتيكاتها في محاولة للتغلب على نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي، إذ أطلقت قذائف كثيفة باتجاه مواقع متعددة في غضون عدة دقائق. وأضافت أن هذا أصبح ممكنًا بسبب العدد الكبير من الصواريخ المصنَّعة في منشآت الإنتاج تحت الأرض التابعة للحركة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
«رجل المستحيل».. لماذا أطلقت حماس اسم يحيى عياش على أخطر صواريخها؟

وتقول ميري إيسين: «تطلق حماس كثيرًا من الصواريخ، لكنها غيَّرت أيضًا طريقة إطلاقها: تطلق الصواريخ في رشقات للتغلب على القدرة الاعتراضية لدى نظام القبة الحديدية، وفي الوقت ذاته تعمل على تحديث القدرة الفتَّاكة لرؤوسها الحربية».

واستهدفت الضربات الجوية الإسرائيلية على غزة تدمير أقسام كبيرة من شبكات الأنفاق تحت الأرض التابعة لحماس، حيث يُعتقد أن الصواريخ تنطلق منها. وقال نتنياهو مرارًا وتكرارًا: إن الحملة العسكرية «ستستغرق وقتًا طويلًا لإعادة الأمن إلى المواطنين الإسرائيليين».

واختتمت المراسلة تقريرها منوِّهةً إلى تزايد الضغط الدولي على إسرائيل لإنهاء العملية (حتى نشر هذا التقرير لم يكن تم الإعلان عن وقف إطلاق النار من الجانبين والذي دخل حيز التنفيذ منذ الثانية فجر الجمعة). ولكن بعدما يجري التوصُّل إلى اتفاق لوقف لإطلاق النار في نهاية المطاف، يمكن لتل أبيب أن تتوقع سقوط «رشقات صاروخية» عليها مرةً أخرى، حسبما تقول ميري إيسين. وأضافت: «ستحتاج حماس إلى أن تقول لشعبها: انظروا، لم نزل نتمتع بالقدرة على إطلاق الصواريخ على تل أبيب».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد