انطلقت أحدث جولة من الهجمات المتبادلة بين حركة «حماس» والجيش الإسرائيلي يوم الاثنين الماضي، حين دمَّر صاروخٌ أُطلِقَ من غزة في الصباح الباكر منزلًا داخل حيٍ في شمال تل أبيب.

وجاء رد الفعل الإسرائيلي المُعتاد في هيئة قصفٍ للمنازل في جميع أرجاء غزة. ونتيجة لذلك، أطلقت المقاومة المزيد من الصواريخ، التي أدَّت إلى المزيد من الغارات الجوية الإسرائيلية. وبحلول منتصف يوم الثلاثاء أعلنت وسائل الإعلام المحلية دخول مرحلة «الهدوء الحذر» في خطوةٍ شعر الكثيرون أنها تتكرر للمرة الألف.

وترى صحيفة «الجارديان» البريطانية أن ذلك الصراع مُفيدٌ للقيادة السياسية على الجانبين، بحسب التقرير الذي نشرته على موقعها الإلكتروني.

لو قامت حرب على غزة الآن.. هل تستطيع «حماس» الصمود؟

وقالت «الجارديان» إن الأمر تحوَّل إلى نمطٍ شبه شهريٍ مُتوقَّع، صواريخٌ غزَّاوية في مُواجهةً الغارات الجوية الإسرائيلية. يتكوَّم الفلسطينيون في الأقبية في حين يختبئ الإسرائيليون داخل ملاجئ القنابل. وتزيد احتمالية نشوب حربٍ كاملةٍ مع دَوِيِّ كل انفجار، لكن الأمر ينتهي عادةً في اليوم التالي.

وانخرطت إسرائيل وحماس، وهي الفصيل الفلسطيني الذي يدير قطاع غزة على الضفة الشرقية للبحر المتوسط بين إسرائيل ومصر، في «رقصةٍ دمويةٍ مستعرة» على مدار العام الماضي. ولم يستخدم أيٌ من الجانبين ترسانته الكاملة على مدار جولات القتال المُتعدِّدة، بحسب الصحيفة. لكن الجانبين لا يزالان في حالةٍ من الصراع المُتقطِّع، وكأنهما على وشك الدخول في حربٍ دائمة.

ونقل تقرير الصحيفة عن الجيش الإسرائيلي قوله إنه شنَّ حوالي 900 غارةٍ جويةٍ على غزة خلال 12 شهر مضى، وإن حماس أطلقت أكثر من 1200 صاروخٍ وقذيفة هاون. لكن تلك الفترة لم تشهد توغُّلًا برِّيًا إسرائيليًا في الأراضي التي احتلتها منذ عام 1967 وحتى عام 2005.

لكن أحدًا لم يتنفَّس الصُعداء في أعقاب التهدئة التي أُعلِن عنها مُؤخرًا، بحسب التقرير؛ لأن المعركة الأخيرة اندلعت في الوقت نفسه الذي تكشفت فيه سلسلةٍ من التطوُّرات التي قد تنطوي على خطورة، إذ تعرَّضت حماس لواحدةٍ من أكثر مظاهر المُعارضة الداخلية وضوحًا منذ وصولها إلى السلطة عام 2007. لدرجة أن قوات الأمن التابعة للحركة قمعت مسيرات المواطنين الفلسطينيين المُعترضين على زيادة الضرائب في غزة بعنف، واعتقلت واعتدت على عشرات الأشخاص.

ويقول منتقدو الحركة: «إن قادتها استفزوا إسرائيل في الماضي لصرف الانتباه عن إخفاقاتهم الشخصية في إدارة القطاع». في حين تستعد إسرائيل حاليًا لتنظيم انتخاباتها بعد أسبوعين. واستغل أقوى خصوم بنيامين نتنياهو العنف المُتواصل في غزة لتصوير رئيس الوزراء على أنه شخصيةٍ مُتردِّدةٍ وضعيفةٍ في ما يتعلَّق بالقضايا الأمنية، بحسب تقرير «الجارديان».

لكن الصحيفة قالت: إن الرجل الذي قضى 13 عامًا في زعامة البلاد بذل جهودًا ضخمةً من أجل دحض مزاعمهم بإظهار استعداده لاستخدام العنف، مشيرة إلى تحذيره قائلًا: «على حماس أن تُدرِك أننا لن نتردَّد في الغزو واتِّخاذ كل الخطوات اللازمة».

وبالفعل عبَّأ الجيش فرقه العسكرية على الحدود وحشد قواته الاحتياطية. وقصفت إسرائيل مكتب إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس ورئيس الوزراء الفلسطيني، في استعراضٍ واضحٍ لقدرتها على استخدام القوة الضاربة.

ورغم ذلك، تقول الصحيفة إن تلك الخطوات لم تُقنِع مُحبي العسكرية في أوساط الساسة الإسرائيليين. إذ اتَّهم نفتالي بينيت، السياسي اليميني المُتشدِّد، نتنياهو بالفشل في الرد المضاد على حماس قائلًا إنه كان «سيفتح أبواب الجحيم» لو كان رئيسًا للوزراء. لدرجة أن بيني غانتس، عدو نتنياهو السياسي الرئيسي الذي يُعتبر وسطيًا داخل إسرائيل، لعب على وتر أنه دكَّ أحياءً كاملةً في غزة حين كان قائدًا للجيش إبان آخر الحروب الثلاثة التي خاضتها إسرائيل ضد حماس، بحسب تقرير الصحيفة.

وترى «الجارديان» أن رئيس الوزراء قد يعتبر تلك الصراعات مُكلِّفةً سياسيًا وغير مُجديةٍ عسكريًا. إذ أسفرت آخرها عن مقتل 2200 فلسطينيٍ، أكثر من نصفهم مدنيون، و73 إسرائيليًا. وأظهرت استطلاعات الرأي أن الإسرائيليين لا يرغبون في حربٍ جديدةٍ مع حماس.

وقال ناحوم برنياع، كاتب مقالات الرأي بصحيفة «يديعوت أحرنوت» الإسرائيلية أشهر الصُحف اليومية بالبلاد: «كُلٌّ توغُّلٍ في غزة يُسفر عن خسائرٍ في الأرواح البشرية والحياة اليومية -وهي خسائرٌ قد تُكلِّفه الكثير من الأصوات في صناديق الاقتراع. نتنياهو ليس بحاجةٍ إلى المُسارعة في شن الحرب».

وكتب برنياع أن «صورة نتنياهو التي أمضى سنواتٍ في صياغتها ليظهر في صورة الرجل القوي ورجل الأمن والأمان ستكون عُرضةً للانهيار» في حال لم يُبد استعدادًا للقتال.

وتعتقد «الجارديان» أن أكثر التطوُّرات المثيرة ستكون تصادُف عطلة نهاية الأسبوع الجاري مع الذكرى السنوية للاحتجاجات الفلسطينية المُستمرة منذ عامٍ كاملٍ بطول الجبهة الإسرائيلية مع غزة. واستهدفت تلك المسيرات لفت الانتباه للأزمة الإنسانية المُستفحلة في غزة، حيث انهار الاقتصاد تحت وطأة الحصار المصري-الإسرائيلي الشديد. لكن الجنود الإسرائيليين ردوا على تلك الاحتجاجات بُعنفٍ فتَّاكٍ أدَّى إلى مقتل أكثر من 180 شخصًا وإطلاق النار على 6100 آخرين في أفعالٍ وصفتها الأمم المُتحدة بأنها قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب.

وتتوقع الصحيفة البريطانية أن تدعو حماس، التي تدعم تلك المسيرات، الآلاف إلى المشاركة في مسيرات يوم السبت المُقبل، في حين لم تُظهِر إسرائيل أي مُؤشرٍ على إنهاء سياسة إطلاق الرصاص الحي على ما وصفته بـ«أعمال الشغب العنيفة».

وترى «الجارديان» أن استخدام إسرائيل للقوة المُميتة ضد تلك الاحتجاجات هو السبب في الانحدار التدريجي إلى هُوَّة المُواجهات المتكرِّرة، والتي اندلع الكثير منها في أعقاب الأحداث شديدة الدموية قُرب السياج الحدودي تحديدًا.

ومع ارتفاع حصيلة القتلى، بدأ الفلسطينيون في ربط الزجاجات والمُتفجِّرات الحارقة بالطائرات الورقية والمناطيد التي جعلوها تُحلِّق فوق السياج الحدودي لتحرق الحقول. وبدأت إسرائيل منذ بضعة أشهرٍ في الرد على تلك الطائرات الورقية بطريقةٍ الرد نفسها على الهجمات الصاروخية: عن طريق القصف الجوي. وتُشير الكثير من الاعتبارات إلى وجود حرب مُنخفضة الحدة بين الجانبين، بحسب الصحيفة.

وعلى الرغم من مطالبة كثيرين داخل إسرائيل بضبط النفس، إلا أن المُطالبات باتخاذ إجراءاتٍ أكثر عنفًا وصرامةً تتزايد يومًا بعد يوم، وفق الصحيفة، إذ أوردت افتتاحية صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية اليمينية يوم الثلاثاء الكلمات التالية: «لا يُمكن لإسرائيل أن تتحمل تكلفة التزام الهدوء. فالردع لا يأتي بالكلمات القوية فقط، بل يتطلَّب أفعالًا قويةً أيضًا».

من «بدنا نعيش» لـ«عمليات الضفة».. كيف قلبت حماس الطاولة على فتح وإسرائيل؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد