هان كانج: «الكتابة عن المذبحة كان صراعًا داخليًّا، فأنا شخص أتألم لمجرد رؤية قطعة من اللحم تُقلَّب على النار».

نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية مقالًا لكلير أرميتستيد، مؤلفة وصحفية بريطانية ومحررة الفنون والثقافة في الصحيفة، عن الروائية الكورية الجنوبية، هان كانج، وكان ذلك بمناسبة نشر ترجمة الرواية التي ألفتها كانج ونشرت عام 2016 بعنوان: (Human Acts أو أفعال بشرية)، والتي تتحدث عن انتفاضة الطلبة في مدينة جوانج جو في كوريا الجنوبية في عام 1980 ضد الديكتاتورية العسكرية وما تمخض عنها من عنف ما زال يؤرِّق ضمير المثقفين في البلاد؛ إذ يُعتقد أن أكثر من 500 شخص لقوا حتفهم في تلك المذبحة.

وفي بداية المقال، أشارت الكاتبة البريطانية إلى أنه في أوائل عام 2015، أُثيرت ضجة عن رواية رائعة تسمى (The Vegetarian أو النباتيَّة). وتحكي هذه الرواية عن امرأة وجَّهت وجهها إلى الحائط (هذا المعنى مأخوذ من العهد القديم: فَوَجَّهَ حَزَقِيَّا وَجْهَهُ إِلَى الْحَائِطِ وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ، سِفر إشعياء (الآية 2، الإصحاح 38)، رافضةً أكل اللحوم، تمهيدًا لرفض الحياة نفسها. وكتب محرر الجارديان عن هذه الرواية قائلًا: «إنها شهوانية ومثيرة للغضب وعنيفة، ومليئة بالصور القوية والألوان المذهلة والأسئلة المزعجة».

Embed from Getty Images

ومؤلفة الرواية هي هان كانج، شاعرة، وكاتبة قصة قصيرة، وروائية، كانت لسنوات أحد أفضل كتاب كوريا الجنوبية غير ذائعي الصيت. لقد وقعت رواية الرفض التي تسرد المؤلفة أحداثها من ثلاث وجهات نظر (من منظور الزوج والشقيقة الكبرى وزوج الشقيقة الكبرى). لقد استخرجت حقائق عالمية من الجوانب الثقافية الخاصة، وكانت قريبة قربًا مؤلمًا من الوطن وغريبة عنه على نحو غامض في الوقت نفسه.

أفعال بشرية تتناول مذبحة للعسكر في كوريا

وأشارت الكاتبة للرواية التي كانت صدرت حديثا آنذاك، ووصفتها بأنها أكثر إثارة للقلق والجدل، ومن المؤكد أنها تنشر عنفها عبر مسرح أكبر. وتبدأ رواية «أفعال بشرية» بمذبحة الطلاب المتظاهرين عام 1980 في مدينة جوانج جو في كوريا الجنوبية ولا تدخر الرواية أي تفاصيل عند تفحصها الدقيق لأحداث المذبحة: الحلق المقطوع مع اللهاة الحمراء التي تبرز خارج الحلق، والأصابع المتعفنة التي تنتفخ «مثل درنات الزنجبيل السميكة».

Embed from Getty Images

وأوضحت الكاتبة أن مؤلفة الرواية التي شهدت على هذا الدمار هي امرأة هادئة وأم لطفل وتبلغ من العمر 45 عامًا ولديها دائرة متنامية من المعجبين في المملكة المتحدة. ومن بينهم المعالجة النفسية سوزي أورباش، التي وجدت في رواية «النباتية» اهتمامًا مشتركًا بـ «الألم والجسد وكيف أن النضال من أجل أن تكون إنسانًا ينطوي على عديد من الطرق الغريبة عند محاولة الاعتناء بالنفس في مواجهة الأذى والقسوة والفوضى»، ومحامي حقوق الإنسان فيليب ساندز، الذي يرى أن رواية «أفعال بشرية» تمثل «إنجازًا ساحرًا ومكثفًا – انعكاسًا وحشيًّا، ولكنه انعكاس للإرث العالمي للظلم الذي يُرى من منظور عمل واحد فظيع».

شخصية كاريزمية

وأردفت الكاتبة أن هان امرأة مفكرة تتمتع بشخصية كاريزمية، وكتبت عن نفسها في القسم الأخير من رواية «أفعال بشرية» لكي تشرح سبب شعورها بأنها مضطرة لرواية القصة. وتبدأ بالقول: «كنتُ في التاسعة من عمري في وقت انتفاضة جوانج جو». وكانت جوانج جو، مدينة تقع في جنوب البلاد، هي موطنها حتى أربعة أشهر قبل المذبحة، عندما تخلى والدها عن وظيفته في التدريس ليصبح كاتبًا متفرغًا وانتقل بالعائلة إلى العاصمة سيول.

واكتشفت هان المجزرة وهي في الثانية عشرة من عمرها. وعلى الرف العلوي لخزانة الكتب في منزل العائلة، كان يوجد ألبوم تذكاري مُخبَّأ يجرى تداوله سرًّا، والذي يضم الصور التي التقطها صحافيون أجانب للمجزرة. ووُضِع الألبوم على الرف ووجهه الذي يحمل العنوان إلى الحائط لكي تستطيع هان أو إخوتها العثور عليه. وحوَّل الاكتشاف المريع الصدمة العامة إلى صدمة شخصية للغاية. تكتب هان: «لم أزل أتذكر اللحظة التي وقعت فيها عيناي على صورة لوجه مشوه لامرأة شابة، وملامح وجهها مشجوجة بحربة». وتضيف: «وفي هدوء ومن دون أي ضجة، انكسر شيء ما رقيق في أعماقي. شيء، حتى ذلك الحين، لم أكن قد أدركت وجوده».

أزمة وجودية

تقول الكاتبة: وبعد مرور ثلاثة عقود، أدركتْ هان أن الصور ألقت بها في أزمة وجودية سيتردد صداها طوال حياتها. تقول هان: «لو كان عمري 20 عامًا عندما رأيت الصورة، فربما كان بإمكاني تركيز كراهيتي على النظام العسكري، لكنني كنت صغيرة جدًّا وشعرت للتو أن البشر مخيفون وأنا واحدة منهم». إنه حدث نادرًا ما يُذكَر في كوريا الجنوبية، مما ترك لدى هان قضية لم تُحَل من الشعور بعقدة الناجي (نوع من الاضطرابات النفسية التي تحدث للشخص بعد تعرضه لحادث أو صدمة غير متوقعة، ويمكن أن يكون هذا الحادث قد وقع لآخرين من حوله، فيصاب الشخص الذي نجا بعقدة الناجي)، والتي شاركتها مع بقية أفراد أسرتها، إلى جانب «لغزين غير قابلين للحل: كيف يمكن للبشر أن يصلوا إلى هذا الحد من العنف والقسوة، وماذا يمكن أن يفعل الناس لمواجهة هذا العنف المتطرف»؟

 Embed from Getty Images

وبدلًا عن البحث عن إجابات من الناس، لجأت إلى الكتب. تقول هان: «عندما كنت في مرحلة المراهقة، عانيتُ من أسئلة نموذجية: لماذا الألم، ولماذا الموت؟ واعتقدتُ أن الكتب تحتوي على الإجابات، لكن من الغريب أنني أدركت أنها تحتوي على الأسئلة فقط. وكان مؤلفو الكتب ضعفاء وعرضة للخطر مثلنا تمامًا».

وعندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها، عرفت أنها تريد أن تصبح كاتبة. وانتقلت من المدرسة إلى الجامعة حيث درست الأدب الكوري المعاصر. وبحلول ذلك الوقت، أُسقِطت الديكتاتورية المسؤولة عن المجزرة، وأصبحت كوريا الجنوبية دولة ديمقراطية. تقول هان: «أنا محظوظة جدًّا لأنني أنتمي إلى الجيل الحر: وهو جيل لم يكن عليه أن يركز على القضايا الاجتماعية فحسب».

اللجوء إلى الدين والبعد عنه

تشير الكاتبة إلى أن ظهور هان على مسرح الأدب كان في عام 1993، حيث كانت تكتب الشعر ثم القصص القصيرة التي كانت متعمقة للغاية، ولكن على الرغم من أن الجوائز تناثرت عليها وتغنت بها آيات الثناء بسرعة، إلا أنها أدركت أنها تشعر بالمعاناة كلما حاولت تبني إنسانية أوسع. وفي العشرينات من عمرها، بحثت عن إجابة في البوذية، ولم تتراجع عنها إلا عندما أصيبت في الثلاثينات من عمرها بمشاكل غامضة في المفاصل جعلت يديها تعاني من ألم شديد لدرجة أنها كانت تستطيع بالكاد استخدامهما. وعلى مدار ثلاث سنوات كانت تستطيع الكتابة فقط بالنقر بالقلم فوق لوحة المفاتيح. تقول هان: «يلجأ معظم الناس إلى الدين عندما يمرضون، لكن ما حدث معي كان على العكس من ذلك».

Embed from Getty Images

وتلمح الكاتبة إلى أنه ليس من الصعب رؤية ظل هذه التجربة في رواية «النباتيَّة»، حيث ترفض شابَّة، يوينج هي، جسدها وكأنها تحاول محو العنف الذي تعرَّض له هذا الجسد على يد مجتمع تجسَّد في والدها وزوجها. وتجسد -في مشهد مزهر للرسم على الجسد- في زوج شقيقتها الرسام. وعلى الرغم من انحسار آلام المفاصل، أدركت هان أنه كان عليها أن تنظر بعمق داخل نفسها، وأن تنظر نحو الرعب الذي لا يريد أحد التحدث عنه. تقول: «اكتشفتُ أخيرًا هذه المدة التي واجهتها مواجهة غير مباشرة في طفولتي. وأدركتُ أنني لن أستطيع الذهاب إلى أبعد من ذلك ما لم أتعد هذه التجربة».

تقول الكاتبة: أخذها بحثها إلى بعض من أحلك الأحداث في تاريخ القرن العشرين، ليس في كوريا فحسب ولكن في البوسنة وفي أوشفيتز (معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة أقامته ألمانيا النازية أثناء الاحتلال النازي لبولندا أثناء الحرب العالمية الثانية). تقول هان: «كنتُ أخشى أكثر وأكثر أن أفقد ثقتي بالبشرية».

وكانت على وشك الاستسلام، بحسب الكاتبة، عندما اكتشفت يوميات أحد أعضاء الميليشيا المدنية الذي احتل مكاتب الحكومة الإقليمية حيث وقعت المجزرة، بينما تراجع الجنود لمدة وجيزة. تقول هان: «كانت المذكرات تقول: لماذا أضم بين جوانحي مثل هذا الشيء الذي يُسمَّى الضمير الذي لا يفتأ يوخزني ويعذبني بهذه الطريقة؟ وعصف ذلك بي. وأدركتُ أنني نسيتُ اللغز الثاني في طفولتي. وأعطتني اليوميات طريقة للتحرك نحو الكرامة الإنسانية، حتى على الرغم من أنني بدأت الطريق من العنف».

الصور تتحول إلى شخصيات حية في الرواية

أفادت الكاتبة أن الصبي الذي تتحدث رواية «أفعال بشرية» عنه منقول من الصور التي اكتشفتها في الألبوم عندما كانت طفلة. وتتخيله وهو يغادر منزله، ويساعد في نقل الجثث في مشرحة مؤقتة قبل أن يختفي وسط حشد من المتظاهرين حتى على الرغم من أن أمه اليائسة تتوسل إليه للعودة إلى المنزل.

Embed from Getty Images

إنه أحد «المختفين» الذين كانت مصائرهم مجهولة ولا يمكن سردها بطريقة بسيطة ومتسلسلة، ولذا فإن التفاصيل مبعثرة في الخيال. والصديق الذي ينطلق للعثور عليه يموت أيضًا. تقول هان: «كانت الكتابة عن الصِبية صراعًا داخليًّا، فأنا شخص أتألم لمجرد رؤية قطعة من اللحم تُقلَّب على النار. لكنهم لم يتمكنوا من الإدلاء بشهادتهم عما حدث لأنهم ماتوا، لذلك أردتُ أن أُعِيرهم جسدي وصوتي. ولا أعرف لماذا اضطررت للقيام بذلك، لكنني قمت به».

ولمدة عام، كانت تذهب إلى غرفة عملها كل يوم، وغالبًا ما تكافح لكتابة ما لا يقل عن ثلاثة أو أربعة أسطر قبل أن تجد نفسها غير قادرة على الاستمرار في الكتابة، بحسب التقرير.

التمعن في المذبحة

وتلفت الكاتبة إلى أن هذا الجهد يكشف عن نفسه في كتابات تُعد مروعة، ولكن لا مبرر لها في النضال لاستخدام شكل إنساني فني بصورة جوهرية للتمعن في مذبحة بحق هذا العدد الكبير من الأشخاص. وعلى الرغم من ملاحظاتها التي لا تقل عن دقة الطب الشرعي، فهي أيضًا مبدعة تقليدية، إذ يعتمد عملها على معرفتها بالشعر واهتمامها بالموسيقى والفن، كما أدركت مترجمتها ديبورا سميث سريعًا. وكانت ديبورا قد بدأت مؤخرًا في تعلم اللغة الكورية عندما اكتشفت عمل هان.

تقول ديبورا: «الشيء الذي جعلني مهتمة بعمل هان هو شيء يمكنك حقًا معرفته من كتابات هان: الروايات التي يكتبونها في كوريا ليست مشابهة حقًا لتلك الموجودة في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة لأنه في كوريا يكون الظهور الأدبي للجميع رسميًّا من خلال كتابة قصص قصيرة. وتكتب مجموعتين (قصصيتين) ثم تنتقل إلى كتابة رواية. وتعد الرواية المرتبطة شكلًا أدبيًّا في حد ذاتها».

كانت رواية «النباتيَّة» واحدة من هذه الروايات المرتبطة، وقد كُتبت في الأصل على شكل ثلاث روايات قصيرة أو «نوفيلا» منفصلة، لكن رواية «أفعال بشرية» تعكس أيضًا هذا التراث الأدبي، حيث تتكون من «قطع متمايزة في أسلوبها». وفي مقطع رَوَته والدة أحد الصِبية المتوفين، كان على ديبورا أن تتحايل على لهجة إقليمية معقدة. ولكن كان هناك تحدٍ مماثل تمثل في قسم سابق يشاهد فيه أحد الأولاد جسده يتحلل بين كومة من الجثث.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد