حقق النظام السوري انتصارات هامة على المعارضة المسلحة، ويبدو ذلك الآن وهو يطوق حلب، ثاني أكبر مدن سوريا، بفضل التدخل الروسي. وعند استعراض مجريات الأحداث على الأرض، يتبين أن النظام السوري على وشك حسم المعركة في النصف الغربي من البلاد. فهل تدرك واشنطن وما يعرف بحلف أصدقاء سوريا آثار الوقوف متفرجين على إبادة الطائرات الروسية مقاتلي المعارضة؟

إذا كان الغرب مهتمًا حقًّا بمكافحة الإرهاب، فعليه أن يفكر في عواقب انتصار نظام مدعوم من روسيا على انتشار الفكر الجهادي في سوريا والعالم، ناهيك عن الوازع الأخلاقي في تحمل نظام فعل الأفاعيل مع شعبه.

وقد حذر محللون من أن هذا يعتبر حلمًا بالنسبة للجهاديين داخل وخارج سوريا. تحدث نوح بونسي من مجموعة الأزمات الدولية إلى إحدى المحطات الإذاعية قائلًا: “تشكل سوريا بالفعل أداة جاذبة للجهاديين، وفي حالة استطاع الأسد السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد بمعاونة إيران وحزب الله وروسيا، سيمثل هذا فرصة أكبر لتجنيد الجهاديين”.

غدت المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة شبه مهجورة، وذلك بعد أن فرّ معظم سكانها من القتال نحو دول الجوار. وفي حال انتصر النظام في غرب سوريا، لن يكون الحكم الاستبدادي الأول الذي يقضي على تمرد مسلح. وبينما يعاني النظام من نقص في القوات، فقد يلجأ إلى استخدام المساعدين شبه العسكريين بهدف إعادة السيطرة على ما تبقى من تلك المناطق المدمرة.

في الوقت الذي تستعر فيه الحرب داخل سوريا، سينتقل الصراع إلى جيرانها.

وبينما سيواصل الجهاديون القتال وتجنيد مقاتلين جدد، ستنحسر قواتهم بفعل انتصارات النظام. وإذا ما نجح النظام في قطع خطوط الإمداد القادمة من تركيا عن المتمردين، مثلما فعل الأردن بتوجيه الإمدادات حصرًا إلى المتمردين المعتدلين؛ مما أضعف دور جبهة النصرة في تلك المناطق، وذلك بعد أن كانت على وشك إعلان قيام إمارتها الخاصة شمال سوريا في عام 2014، ستضعف قوة الجهاديين وسيلجؤون فقط إلى إحداث الاضطرابات التي لن تغير من واقع الحرب، وسيجري عزلهم عن بقية المعارضة، وفي النهاية ستخسر الحرب.

ومثلما حدث في الجزائر في التسعينيات، عندما لم تتمكن الحكومة من القضاء على التمرد المسلح بشكل كامل، وإنما دفعت بالجهاديين إلى الاختباء في الجبال، سيظهر نوع من التمرد في سوريا، كما هو الحال في حمص بعد أن استسلم معظم المتمردين هناك، وسيقتصر الأمر على تفجيرات إرهابية بين حين وآخر. ولكن مثل هذا الأمر هل يمكن لدولة مزقتها الحرب أن تتحمله!

إلا أن الحال يختلف في شرق سوريا، وذلك مع وجود تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة ليست ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة للنظام. فإذا حاول النظام استعادة السيطرة على تلك المناطق، ستتخفى الدولة الإسلامية وتتحين الفرصة المناسبة كما فعلت في العراق من قبل.

ولكن في مثل هذا السيناريو، ستضعف قدرة تنظيم الدولة على شن هجمات في الخارج، الذي انحسرت قوته بالفعل بسبب الحملة الدولية ضده، وفقدانه نفوذه على الحدود التركية.

ولا يجب التقليل هنا من فكرة أن سوريا ستصبح وقتئذٍ ملاذًا غير آمن للجهاديين. أما لو وقع العكس وانتصر المتمردون، فسيكون من الصعب عدم تخيل قيام تنظيم القاعدة بتحويل أجزاء من سوريا كملاذ آمن.

لا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن انتصار النظام سيحول سوريا إلى جنة، بل على الأرجح سيمتد الصراع إلى جيران سوريا. فعلى الأرجح ستشهد المناطق الجنوبية الشرقية اضطرابات بفعل الحرب الدائرة والتئام مجموعات من الجهاديين مع متشددين آخرين في سوريا. وستعجز كل من الأردن ولبنان عن استيعاب ملايين المهاجرين الذين سيفضلون البقاء في مخيمات عملاقة قبل أن تجذبهم فكرة الجهاد.

ولن تصبح سوريا أرضًا جاذبة للجهاديين الأجانب الذين تدفقوا بكثرة للقتال في سوريا. بل على الأرجح سينتقلون إلى ميدان القتال التالي الذي ربما يكون ليبيا أو اليمن، أو أي دولة تشهد عدم استقرار.

وأينما ارتحلوا، سيتمكن الجهاديون من إيجاد قاعدة دعم كبيرة وصلبة. وستعد خيانة الثورة السورية بالنسبة للكثيرين إثباتًا لصدق وجهة نظر الجهاديين القائلة بأن السنة هم ضحية نظام دولي جشع. الأكثر من ذلك، سيديم ذلك الاستقطاب الطائفي الشديد الذي أججته الحرب السورية في المجتمعين العربي والإسلامي.

كل هذا سيعود بالنفع على الجهاديين. فقد تعاني القاعدة والدولة الإسلامية داخل سوريا، ولكن ذلك سيكون في مقابل جعلهما جزءًا من نسيج السياسة الإسلامي.

وبعبارات أخرى، هكذا سيكون الحال عند سيطرة روسيا على سوريا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد