«إنَّ التابع المثالي لحكم شمولي ليس النازي أو الشيوعي المقتنع بالأيديولوجيا، وإنما الشخص الذي يتلاشى في نظره، الفارق بين الحقيقة والخيال (مثل حقيقة تجربة ما) والفارق بين الحق والباطل (مثل معايير الفكر)».

عرض موقع Brain Pickings، بمناسبة صدور كتاب «المدينة الوحيدة»، لأوليفيا لانج، والذي يعد واحدًا من أفضل كتب هذا العام، تقريرًا حول رأي حنة آرنت (14 أكتوبر/ تشرين الأول، 1906 ـ 4 ديسمبر/ كانون الأول، 1975) عن الوحدة، باعتبار فرض هذه الوحدة من وسائل الأنظمة الشمولية، وإحدى نتائجها في الوقت ذاته.

قالت أوليفيا لانج: «إنَّ الوحدة أمر شخصي، لكنها أيضًا أمر سياسي». قبل ذلك بنصف قرن، درست حنة آرنت، في مستهل حياتها الفكرية، هذه الأبعاد المتوازية للوحدة باعتبارها عذابًا شخصيًّا عميقًا، وعملة سياسية لا غنى عنها لحياتنا السياسية، وذلك في كتابها الثاقب، الذي جاء في توقيت مدهش، والمعنون «أصول الشمولية».

وصفت آرنت الشمولية بأنها «الأرضية المشتركة للإرهاب»، واستكشفت وظيفتها باعتبارها السلاح الأساسي، والضرر الأساسي الناتج عن الأنظمة السياسية القمعية. فكتبت آرنت، قبل عشرين سنة بالتمام من أطروحتها المتبصرة، حول الكذب في السياسة:

«كما أنَّ الإرهاب، حتى في مرحلة ما قبل استفحاله إلى شمولية، أي في صورته الاستبدادية فحسب، يدمر كل العلاقات بين الناس، فإنَّ الإكراه الذاتي على التفكير الأيديولوجي يفسد كل العلاقات بين الناس والواقع. ينجح الإعداد للشمولية عندما يفقد الناس التواصل مع بعضهم البعض، بنفس القدر الذي يفقدون فيه التواصل مع الواقع من حولهم. ذلك أنه بفقدان هذين، يفقد الناس القدرة على التجربة، والفكر معًا. إنَّ التابع المثالي لحكم شمولي ليس النازي أو الشيوعي المقتنع بالأيديولوجيا، وإنما الشخص الذي يتلاشى في نظره، الفرق بين الحقيقة والخيال (مثل حقيقة تجربة ما) والفرق بين الحق والباطل (مثل معايير الفكر)».

وتقول آرنت إنَّ ما يخلد الأنظمة الاستبدادية هو التلاعب بالناس باستخدام العزلة، وهو الأمر الذي ينجز بأفضل كفاءة عن طريق السرديات التقسيمية التي تقسم الناس إلى «نحن وهم». فكتبت آرنت في ذلك:

«لا يمكن للإرهاب أن يسيطر إلا على ناس منعزلين ضد بعضهم البعض… من أجل ذلك، فإنَّ واحدًا من المخاوف الأساسية لكل الحكومات الاستبدادية هو تغيير هذه الحالة من الانعزال. ربما تكون العزلة بداية الإرهاب، وهي قطعًا أخصب أراضيها. وهي دائمًا نتيجة هذا الإرهاب. هذه العزلة دائمًا ما تسبق الحكم الشمولي، وعلامتها المميزة هي العجز، إذ إنَّ القوة دائمًا ما تأتي من اجتماع الناس… المنعزلون مغلوبون على أمرهم بالتعريف».

اقرأ أيضًا: «أدب الأنظمة الشموليَّة».. كيف نقرأ روايات «ميلان كونديرا»؟

ومع أنَّ العزلة ليست بالضرورة نفسُ الشعور بالوحدة، إلا أنَّ آرنت تلاحظ أنَّ الوحدة قد تكون هي الممهدة للعزلة التي تفرضها الأنظمة الاستبدادية، ونتيجتها الخطيرة في آن واحد.

فقد كتبت آرنت تقول:

«في العزلة يبقى الناس متصلين بالعالم بنوع من التكلف الإنساني. فقط عندما تدمر أكثر الصيغ بدائية للإبداع الإنساني، وهي القدرة على إضافة المرء شيئًا لعالمه المألوف، فإنَّ الوحدة تصبح غير محتملة… عندها تصبح العزلة وحدة».

«وبينما تتعلق العزلة بالجانب السياسي فقط من الحياة، فإنَّ الوحدة تتعلق بالحياة الإنسانية ككل. الحكومات الشمولية جميعًا، لا يمكنها البقاء دون تدمير المجال العام من الحياة، أي دون تدمير القدرات السياسية للناس عن طريق عزلهم. لكنَّ الجديد في الهيمنة الشمولية باعتبارها نمطًا للحكم، أنها لا تكتفي بهذا العزل، وإنما تدمر الحياة الخاصة أيضًا. تبني هذه الشمولية نفسها على الشعور بالوحدة، وعلى تجربة عدم الانتماء إلى العالم مطلقًا، وتلك واحدة من أكثر التجارب الإنسانية راديكالية وقنوطًا».

وهذا هو سبب إصرارنا على الانتماء، والحس المجتمعي، والتواصل الإنساني، باعتباره واحدًا من أعظم أفعال الشجاعة، ومقاومة الطغيان. واختتم التقرير باقتباس كلمات الشاعر والفيلسوف الأيرلندي، جون أودونهو: «إنَّ القيم العتيقة والخالدة للحياة الإنسانية -من الصدق، والاتحاد، والخير، والعدل، والجمال والحب- كلها تجليات للانتماء الحقيقي».  

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد