ولد هانيبال عام 247 قبل الميلاد. وقد زعم بعض المؤرخين الرومانيين -وهم مصدر أغلب ما نعرفه عن هانيبال- أن أباه القائد القرطاجي العظيم هاميلكار باركا قد أحضره إلى إسبانيا في سن مبكرة -وهي المنطقة التي سيُشعل منها حربه فيما بعد-. وعندما مات هاميلكار باركا عام 229 قبل الميلاد خلفه صهره صدربال، والذي جعل هانيبال ضابطًا في الجيش القرطاجي. وفي عام 221 قبل الميلاد تم اغتيال صدربال وعندها اختار الجيش بالإجماع هانيبال -ابن الـ26 عامًا- لقيادة الإمبراطورية القرطاجية في إسبانيا. وهنا قام هانيبال بتوحيد المنطقة سريعًا تحت قيادته، متخذًا من الميناء البحري لقرطاج (قرطاج الجديدة) مركزًا له، كما تزوج من أميرة إسبانية.

طبقًا للمؤرخين بوليبيوس وليفي فقد جعل هاميلكار باركا ابنه هانيبال ذا التسعة أعوام يغمس يديه في الدماء ويقسم على كراهية روما.

الحرب البونية الثانية

عام 219 قبل الميلاد، قاد هانيبال هجومًا قرطاجيًّا على ساجونتو، وهي مدينة مستقلة في وسط الساحل الإسباني الشرقي -كتالونية حاليًا- والتي أظهرت العداء للمدن القرطاجية القريبة. وطبقًا لمعاهدة السلام التي أنهت الحرب البونية الأولى فقد كان نهر إيبرو هو آخر الحدود الشمالية لسلطان القرطاجيين في إسبانيا، وبرغم أن مدينة ساجونتو كانت جنوب نهر إيبرو إلا أنها كانت متحالفة مع روما، والتي رأت هجوم هانيبال كإعلان حرب عليها. حاصرت القوات القرطاجية ساجونتو لمدة 8 أشهر قبل أن تسقط المدينة في أيديهم. وبرغم مطالبة روما لهانيبال بالانسحاب، إلا أنه رفض هذا الأمر، بل وبدأ في التخطيط لغزو إيطاليا؛ مما سيؤدي لإشعال الحرب البونية الثانية.

الحملة العسكرية الأعظم في التاريخ

تاركًا أخاه -والذي يُدعى أيضًا صدربال- ليحمي المصالح القرطاجية في إسبانيا وشمال إفريقيا، جمع هانيبال جيشًا ضخمًا يضم 90,000 جندي مشاة، و12,000 فارس، وما يقارب 40 فيلًا (ربما تكون هذه الأرقام مبالغ فيها بعض الشيء طبقًا لبوليبيوس). انطلقت المسيرة التي غطت ما يقارب 16,000 كيلومتر خلال سلسلة جبال البرانس، مخترقة نهر الرون، مارة بالقمم الجليدية لجبال الألب، وأخيرًا إلى قلب إيطاليا. وتُعتبر هذه الحملة إحدى أشهر الحملات العسكرية على مدار التاريخ. تقابل هانيبال وجيشه الذي استنزفته المسيرة القاسية خلال الألب مع الجيش الروماني القوي بقيادة القائد بابليوس كورنيليوس سكيبيو، ودارت المعركة في السهول الغربية لنهر تيسان. ساد فرسان هانيبال المعركة وأصيب القائد سكيبيو بشدة.

وفي أواخر عام 218 قبل الميلاد، هزم القرطاجيون الرومان مرة أخرى على الضفة الغربية لنهر تريبا. وضمن هذا النصر لهانيبال دعم عدة حلفاء كقبائل الغال والليجوريون. وبحلول ربيع عام 217 قبل الميلاد، تقدم هانيبال حتى وصل نهر أرنو، والذي وبرغم انتصاره عند بحيرة تراسمانيا، فقد تراجع عن قيادة قواته المُنهكة لحرب ضد روما نفسها. وفي صيف العام الذي يليه تقابل 16 فيلقًا رومانيًّا به ما يقارب 80,000 جندي –ضعف الجيش القرطاجي- مع هانيبال عند مدينة كاناي. وبينما حشد القائد الروماني فارو المشاة في المنتصف مع توزيع الفرسان على الجانبين، في توزيع تقليدي للجيش. إلا أن هانيبال ترك القلب ضعيفًا نسبيًّا ووزع الفرسان على الجانبين. عند تقدم الجيش الروماني استطاع القلب أن يصمد أمام الرومان بينما تفوق الجانبين، ثم تم تطويق الجيش الروماني مع قطع الطريق على أي محاولة للتراجع بإرسال فرسان للمؤخرة.

من النصر إلى الهزيمة

الهزيمة الرومانية عند كاناي أذهلت كل قاطني جنوب إيطاليا، وانشق العديد من حلفاء روما ولجأوا إلى التحالف مع الجانب القرطاجي. وتحت قيادة صهر سكيبيو والذي يُدعى أيضًا بابليوس كورنيليوس سكيبيو، مع زميله القائد فابيوس ماكسيموس، بدأ الرومان في التجمع مرة أُخرى. في جنوب إيطاليا، استخدم فابيوس تكتيكات حذرة ليصد قوات هانيبال، مما مكنه من استرداد قدر معقول من الأراضي بحلول عام 219 قبل الميلاد. وفي شمال إيطاليا عام 208 قبل الميلاد هزمت القوات الرومانية جيش الإمداد بقيادة صدربال -شقيق هانيبال- والذي عبر جبال الألب لمساعدة هانيبال.

وفي هذه الأثناء، استدعى سكيبيو الإمدادات البشرية -والتي بدا أنها لا تنضب- من روما ليشن هجومًا على قرطاجة الجديدة، ويخرج القرطاجيين من إسبانيا. ثم بعد ذلك غزا شمال إفريقيا؛ مما أجبر هانيبال على سحب قواته من جنوب إيطاليا عام 2013 قبل الميلاد في سبيل الدفاع عن وطنه الأم. في العام التالي تقابل هانيبال مع قوات سكيبيو قرب مدينة زاما، والتي تبعد 120 كيلومترًا فقط عن قرطاج. وهذه المرة كانت القوات الرومانية –بمساعدة حلفائهم من البدو- هم من يحاصرون القرطاجيين، وقتلوا ما يقارب 20,000 جندي مقابل خسارة 1,500 جندي فقط. وتكريمًا لفوزه الكبير مُنح سكيبيو لقب أفريكانوس.

حياة وموت هانيبال بعد الحرب

في اتفاقية السلام التي أنهت الحرب البونية الثانية سُمح لقرطاجة أن تحتفظ بحدودها في شمال إفريقيا فقط، لكنها خسرت كل مناطق نفوذها الخارجية للأبد. كما أُجبرت على تسليم أسطولها، ودفع تعويض ضخم من الفضة، بالإضافة للموافقة على عدم إعادة التسليح أو إعلان الحرب مرة أخرى بدون موافقة روما. بينما احتفظ هانيبال -الذي فر بحياته من الهزيمة الساحقة في زاما- برغبته في الانتقام من روما، كما ظل محتفظًا بلقبه العسكري رغم الاتهامات بتخبطه في إدارة الحرب. بالإضافة إلى ذلك تم تعينه كقاضي مدني في حكومة قرطاجة.

ووفقًا لما قاله المؤرخ ليفي، فقد هرب هانيبال إلى المحكمة السورية في أفسوس، بعدما استنكر النبلاء القرطاجيون المعارضون له تشجيعه أنطيوخوس الثالث حاكم سوريا على حمل السلاح ضد روما. ثم بعدما هزم الرومانيون أنطيوكوس الثالث كان أحد شروط معاهدة السلام هو استسلام هانيبال. ولتجنب هذا المصير فقد فر إلى جزيرة كريب، ثم ذهب وحمل السلاح مع القوات المتمردة في أرمينيا. ثم عمل كمستشار عسكري بعد ذلك مع الملك بروسياس ملك بيثينا في حرب أخرى غير ناجحة ضد حليف الرومان الملك إيومينيس الثاني حاكم بيرجاموم. وأيضًا طالب الرومان مرة أخرى بتسليم هانيبال كأحد شروط السلام. ولما وجد هانيبال نفسه غير قادر على الهرب، قتل نفسه بتجرعه للسم في قرية بيثاينيان في ليبيسا عام 183 قبل الميلاد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد