تباينت ردود الفعل الدولية بعد فوز المحافظ إبراهيم رئيسي (60 عامًا) بالانتخابات الرئاسية الإيرانية، بـ61.95% من الأصوات، وأثيرت مخاوف لكونه من الموالين للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ناهيك عن أنه يخضع لعقوبات أمريكية بسبب اتهامات بانتهاكات لحقوق الإنسان، لكن مقالًا نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية سلَّط الضوء على الجانب المشرق من هذا التحوُّل المقلق.

يستهل المقال – الذي كتبه علي فائز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، دينا إسفندياري مستشارة أولى لبرنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية – بالإشارة إلى الفكرة التقليدية السائدة في واشنطن، وهي: أن الانتخابات الإيرانية ليست مهمة؛ فبغض النظر عمن سيفوز، فإن المرشد الأعلى هو الذي يتخذ القرارات في النهاية.

تصوُّر أمريكي «قصير النظر» للانتخابات الإيرانية

يصف الكاتبان هذا التصوُّر بأنه «قصير النظر»، ويوضحان أن تتويج رئيس الجهاز القضائي الإيراني (المحكمة العليا) إبراهيم رئيسي رئيسًا للبلاد بعد فوزه في واحدة من أقل الانتخابات تنافسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية – وهي النتيجة التي قصدها المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي – يضع كل مفاتيح السلطة في أيدي المتشددين.

منطقة الشرق

منذ 5 شهور
«الجارديان»: الرحلة نحو كرسي المرشد.. هل يكون إبراهيم رئيسي خليفة خامنئي؟

صحيحٌ أن فوز المتشددين قد يؤدي إلى تبني نهج أمني أكثر صرامة محليًا لخنق النقاد، والتأكد من تشديد قبضة المتشددين على السلطة، بموازاة استعداد النظام للانتقال إلى مرحلة ما بعد المرشد الأعلى البالغ من العمر 82 عامًا. بيد أن التحولات، خاصة في المجتمعات الخاضعة لسيطرة مُحكَمَة، يمكن أن تكون محفوفة بمخاطر جَمّة.

لضمان حدوث التحولات بسلاسة قدر الإمكان، يريد القادة الإيرانيون أن تهب رياح الهدوء والاستقرار من الخارج؛ حتى يتمكنوا من تركيز انتباههم على ما يشغلهم محليًا. وهذه هي النافذة التي قد تتيح للولايات المتحدة فرصة حقيقية لإحراز تقدم في المحادثات النووية مع إيران، بحسب المقال.

قد يكون صعود رئيسي إلى الرئاسة نقطة انطلاق للوصول إلى قمة السلطة. الاحتمال الآخر هو أن آية الله خامنئي منح السلطة لرئيس طَيِّع لا يتحدى سلطته حتى يتمكن من قيادة دفة تغييرات مؤسسية – على غرار تحويل النظام الرئاسي الإيراني إلى نظام برلماني – من شأنها تقليل فرصة الصراع الداخلي.

طريق المتشددين في إيران لن يكون مفروشًا بالورود

يرجح الكاتبان أن يبدأ المتشددون الآن – بعد توطيد سلطتهم – في تطهير أية معارضة داخلية (كما فعلوا في الماضي) لخططهم لعصر ما بعد خامنئي.

Embed from Getty Images

بيد أن هذا لن يكون سهلًا؛ بالنظر إلى ما شهدته إيران من اضطرابات اجتماعية متكررة في السنوات القليلة الماضية، لمَّا فشل النظام في الإصلاح، وعجز عن الاستجابة للمظالم واسعة النطاق. والحال هكذا، ليس من المبالغة افتراض أن الكثيرين من المرجح أن يقاوموا سياسات المتشددين.

ولأن موارد قادة إيران محدودة، فإنهم سيرغبون في التأكُّد من أن رياحًا هادئة نسبيًا تهب من الخارج، حتى يتسنى لهم التركيز على الانتقال السلس في الداخل. فبعد كل شيء حب البقاء يتفوق على كل شيء آخر على حد قول الكاتبين.

يستشهد المقال بسابقةٍ تاريخية؛ ففي أعقاب إعادة انتخاب علي خامنئي رئيسًا في عام 1985، وافق قادة إيران على وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وبدأوا عملية إصلاح دستوري. وبينما كانت أعباء الحرب تثقل كاهل إيران بالفعل في الداخل، تعهد آية الله روح الله الخميني بالاستمرار حتى تحقيق النصر.

بدلًا عن ذلك وافق المرشد الأعلى على وقف إطلاق النار في عام 1988. تجرع الكأس المسموم، لكنه سمح أيضًا للحكومة الإيرانية بمواصلة توطيد سلطتها داخل الجمهورية الإسلامية، وصولًا إلى إلغاء منصب رئيس الوزراء، وابتكار آلية جديدة للوصول إلى الإجماع على القرارات الرئيسة بتدشين مجلس الأمن القومي الأعلى، وأشرفت على أول انتقال للسلطة إلى مرشد أعلى جديد.

الوضع الجديد في إيران.. فرصة سانحة أمام واشنطن

في الوقت الحاضر، يتحكم المتشددون في جميع أدوات السلطة، لذلك تقل احتمالية وقوع صراع داخلي، ويُستَبعَد تفشي انعدام الثقة. في الماضي سعت الدولة العميقة في إيران – مكتب آية الله خامنئي والمؤسسة العسكرية الأمنية – إلى تقويض الرئيس حسن روحاني ومبعوثيه؛ فكرسوا الوقت والجهد لتشويه سمعة سياسات إدارته، وخصوصًا الاتفاق النووي. كما استفرغوا وسعهم لمنع السيد روحاني من التوغل بعيدًا في التجاوب مع محاوريه الغربيين. لكن حينما يرأس فريق السياسة الخارجية واحدًا منهم فإنه سيواجه معارضة أقل بلا شك، حسبما يرجح المقال.

لكن من يتخذ القرارات الإستراتيجية في إيران مجموعة صغيرة من كبار المسؤولين في المجلس الأعلى للأمن القومي. وسيبقى مَن عَيَّنهم المرشد الأعلى، أي ما يقرب من نصف أعضاء المجلس، في مناصبهم بعد تغيير الحكومة. لذلك فإن هيكل النظام الإيراني في حد ذاته، ومنظومته المترابطة الساعية إلى الاستقرار، تمنح واشنطن فرصة.

الاتفاق النووي الإيراني.. فرصة ذهبية أمام رئيسي وبايدن

أنهى المفاوضون الإيرانيون والأمريكيون للتو الجولة السادسة من المفاوضات في فيينا بهدف تحديد مسار العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

Embed from Getty Images

يبدو أن المفاوضين الإيرانيين – على الرغم من عدم إبداء الكثير من المرونة حتى الآن – حريصون على وضع اللمسات الأخيرة على خريطة الطريق لاستعادة الاتفاق النووي قبل مغادرة السيد روحاني لمنصبه.

هذا مشجع، على حد وصف المقال؛ لأنه من شأنه أن يوفر للسيد رئيسي فرصة ذهبية ليبدأ عهده بصفحة نظيفة، ويُحَمِّل السيد روحاني اللوم عن أوجه القصور في خريطة الطريق، بينما يجني المكاسب الاقتصادية لتخفيف العقوبات.

ليس هذا فقط، ولكن إذا عادت إيران إلى الاتفاق النووي، فقد تحظى إدارة بايدن بفرصة أفضل للتفاوض بشأن اتفاقية نووية أقوى مع إدارة رئيسي مما كانت ستحصل عليه بالتفاوض مع فريق روحاني، ويرجع الفضل في ذلك أيضًا إلى تماسك النظام.

البديل عن المفاوضات: مسار تصادمي لن يخرج منه أحد فائزًا

لكن في حين أن المتشددين الإيرانيين قد يكونون في وضع أفضل لمواصلة هذا المسار، فإنهم ليسوا بالضرورة بارعين في التفاوض مع القوى الغربية. وفي هذا الصدد يشدد الكاتبان على أن اختيار رئيسي لوزير الخارجية سيكون له دور حاسم.

بالنسبة لإدارة بايدن يخلُص الكاتبان إلى أن التكلفة السياسية لإبرام صفقة مع السيد رئيسي ستكون أعلى نظرًا لأن الولايات المتحدة فرضت عليه عقوبات بسبب سجله السيئ في مجال حقوق الإنسان. لكن واشنطن لا تستطيع اختيار محاوريها، ولديها تاريخ طويل من التفاوض مع الأطراف غير المرغوب فيها.

يختم الكاتبان مقالهما بالتطرق إلى البديل عن المفاوضات، وهو: إطلاق العنان للبرنامج النووي الإيراني، ويحذران من أن هذا المسار البديل يهدد بوضع الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية على مسار تصادمي، لن يخرج منه أحد فائزًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد