من بين الأسباب الجذرية للتخلف في منطقة الشرق الأوسط هي المعايير الدينية الآسيوية والقدرية التي تعيق الخيال وحرية جماهيرنا. وفي هذا الصدد، فإن إعادة هيكلة الأزهر، وهو أعلى هيئة في الإسلام السني، يجب أن يحتل مرتبة متقدمة ضمن أولويات الأمن المصري الإستراتيجية.

 

الأزهر، تلك المؤسسة الدينية العريقة، يتمسك بالمُثل القديمة ولا يلعب دورًا بناءً. ولعدد كبير من الأسباب التاريخية المعقدة، فشل الأزهر في خوض المسار الذي اتخذته الجامعات الأوروبية التي جرى تطويرها من مجرد مؤسسات لاهوتية ودينية إلى مؤسسات قانونية، التي تحولت مع مرور الوقت إلى جامعات علمانية.

 

هذا التطور للتعلم هو ما أدى إلى النهضة والثورات العلمية في القرون الماضية، وبالتالي أطلق يد الحضارة الغربية نحو التقدم والازدهار والحداثة.

 

الأزهر في السبعينات

 

لأكثر من ثمانمائة سنة، تدهورت أحوال الشرق الأوسط ولم يتوقف ذلك فقط إلا مع صعود العثمانيين. إن ميزة الإسلام الأساسية، الذي فتح أقطاره أمام التقاليد اليونانية والرومانية والشرقية، أنه قد أفسح المجال أمام الفكر الإسلامي في حدود ضيقة، وهو مجال يقدس التقاليد القديمة والمعرفة فضلاً عن تمجيد الأئمة المسلمين المتعصبين. ولكن بدءًا من القرن الـ13، فقد الفكر الإسلامي قدرته على الانتشار بينما أصبح التعليم الإسلامي منصبًا على حفظ أعمال الأئمة المتعصبين.

 

ولكن منذ سبعينيات القرن الماضي، وبعد فترة من المحاولات الثورية في تحقيق الحداثة في المنطقة، شهدت الحركة الإسلامية صعودًا في شعبيتها، مع تحمل الوهابيين دور حاملي الشعلة لإحياء تقاليد القرون الوسطى. وفي عالم مثالي، كان لا بد لهيبة الأزهر ونفوذه بين المسلمين أن يواجها ذلك الصعود.

 

ومع ذلك، فإن الفكر الإسلامي التي يدرس في الأزهر لا يقدم نسخة مختلفة بشكل كبير عن الإسلام الوهابي.

إن جميع المذاهب الفكرية السنية والشيعية تتشابه إلى حد كبير على الرغم من اختلافها حول قضايا مثل ظروف اعتبار أحد المسلمين مرتدًا، واستخدام القوة ضد الدولة، والتبرك بالأضرحة الخاصة بالمسلمين الصالحين ذوي المكانة الخاصة. وجميعها تلجأ إلى تفسير القرآن باستخدام نهج ذري، وهذا يعني معالجة الأحاديث والآيات بطريقة متناثرة والاعتماد على القصة، التي في كثير من الأحيان لا يكون لها أصل تاريخي، وذلك لإعطاء مبرر لأمر ما أو فرضية وتعميمات قانونية.

 

ومن شأن النهج الثوري تحويل أساليبهم وتوجهاتهم نحو الاعتماد على مجمل تجربة النبي محمد والمبادئ الأساسية للرسالة الإسلامية، مثلما اخترع العرب في عهد عمر بن الخطاب الضريبة على الأراضي الزراعية وتجاهلوا النص القرآني الذي يحدد القبائل العربية ذوي الإيمان المتأرجح من بين المستفيدين من ضريبة الزكاة.

 

ومع ذلك، فقد أنتج الأزهر إصلاحيين استثنائيين مثل محمد عبده، وآل باكوري الذي، وفقًا لفرج فودة في كتاب “الحقيقة المفقودة”، كاد أن يصدر فتوى تبيح شرب النبيذ للمسلمين.

 

حظي أولئك المصلحون بدعم من العائلة المالكة المصرية في حالة عبده، ودعم جمال عبد الناصر الباكوري. ولكن للأسف، أدى الفشل الاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي إلى نبذ الإصلاحيين وجلب المحافظين إلى الصدارة.

 

إن التوسع الكبير للطبقة الريفية المتوسطة في الستينات، وإلغاء برامج التنمية الاجتماعية ذات الشعبية، ومن ثم تمكين الرئيس السادات لجماعة الإخوان المسلمين وأسلمة الجماهير رفع مكانة الأزهر ليصبح منارة للفكر، وكلاهما مصدر إلهام ومصدر لشرعية الشعب.

 

وفي النصف الثاني من السبعينات، جاء السادات أيضًا بفلسفته السياسية الثورية القاضية “بالاستماع إلى شيوخ القرية”، مناقضًا السياسات التي اتبعها عبد الناصر، ومناقضًا لنهج العائلة المالكة المصرية القائم على محاكاة الغرب، وليس عبر اتباع شيوخ القرية المتصلبين.

 

في الواقع، تمكن الأزهر، مع مسحة إسلامية تبدو معتدلة، من أسلمة الجزء الأكبر من الطبقة الوسطى التي كان ينبغي أن تكون قاطرة التنوير في العالم العربي.

الأزهر في عهد مبارك

 

لقد افتقر الرئيس مبارك، غير الكفء تمامًا وضيق الأفق والفاسد، إلى القدرة على اتخاذ القرار والشجاعة والخيال لمعالجة مشاكل مصر المعقدة. بدلاً من ذلك، أسس حكمه على سياسة تجميد الحركة والإبقاء على الوضع الراهن.

 

لقد روج للتوجه الإسلامي المعتدل إلى الطبقة الوسطى من خلال تحالفه مع الأزهر، في حين أنه كان شيخ القرية بالنسبة لملايين المصريين القاطنين في الريف. وهكذا استلهم شرعيته من الإسلام وراعيه، الأزهر.

 

دعم الأزهر الدولة خلال التمرد الجهادي الذي اندلع في صعيد مصر في التسعينات، بسبب ثقافة تبعيته للحكومة.

 

ومن المفارقات العجيبة، وبصرف النظر عن الموقف من استخدام العنف، لا توجد اختلافات جوهرية بين المدارس الإسلامية السنية. وفقًا لذلك، ظل الفصل الواضح بين المنظورين الزمني والديني مفهومًا غريبًا في الفكر الإسلامي. ولا عجب بعد ذلك أن طلاب الأزهر الأكثر استقلالية، الذين انتقدوا مبارك بالتشكيك في شرعيته الإسلامية، تحولوا إلى منظرين جهاديين في الثمانينات. وقد وصفوا الأزهر بالنفاق. وللأسف كانوا على حق.

 

الربيع العربي

 

لا تحمل جماعة الإخوان المسلمين، التي حققت نجاحًا سياسيًّا غير مسبوق خلال أحداث الربيع العربي من خلال اختطاف استياء الطبقات الوسطى من فشل مبارك من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، فكرًا يختلف جذريًّا عن الأزهر. ومع ذلك فإنها تختلف عنه من ناحية العمل التنظيمي والسياسي المقصور على فئة معينة.

 

لقد قوضت الأجهزة الأمنية المصرية فعالية مناجاة الإخوان المسلمين للطبقات الوسطى في القاهرة والإسكندرية ببراعة عن طريق نقل رسالة مفادها أن جماعة الإخوان المسلمين ليست “إسلامية بما فيه الكفاية”، وبالتالي تكرار النهج الكارثي لمبارك الذي قوض مصداقيته.

 

ومع ذلك، فإن جذور الفكر الإسلامي في مصر التي يمثلها الأزهر لا تقدم قراءة حداثية جديدة للإسلام، في الوقت الذي تنتشر فيه شبكة واسعة من المعاهد والمدارس الأزهرية في جميع أنحاء مصر، التي تنقل نسخة ثابتة من الإسلام الذي لا يزال يصغي لتعاليم تعود إلى قرون طويلة في الماضي.

 

إن قاعدة دعم الإخوان المسلمين بين الطبقات المتوسطة في المحافظات قوية، فضلاً عن العشائر والعائلات في منطقة الدلتا. لقد تحول صغار المزارعين الذين دعمهم ناصر إلى عشائر كبيرة في الدلتا مع شبكات هائلة من الرعاية والشراكة تتكون من عشرات الملايين من المصريين الفقراء. وقد تحيزت تلك الأسر إما لنظام مبارك أو إلى الإخوان المسلمين.

 

إن ملايين المصريين الفقراء، من ناحية أخرى، ينجرفون نحو النسخة السلفية الأكثر خطورة في الإسلام. فكما أشرنا في وقت سابق، ترك فشل مشاريع التحديث في مصر الملايين بلا بديل سوى البديل الإسلامي، بما في ذلك النسخ المعتدلة منه. وبالتالي، فإن جذور العنف أضحت تتمدد، والنسخة المعدلة من الجهاد المنبثقة عن ظاهرة داعش قابلة للتكرار في جميع أنحاء العالم العربي.

الطريق إلى الأمام

 

يتحكم في الاقتصاد المصري ويهيمن عليه حكم القلة، وهي طبقة وسطى ذات جذور إسلامية تنتشر في المناطق النائية المتخلفة، وهي أرض خصبة لجميع أنواع الفكر الإسلامي. يتم ابتلاع الريف المصري من قبل الزحف العمراني البشع الذي يخلق كيانات ليست ريفية بالمعنى التقليدي ولا حضرية، تسمى بالعشوائيات.

 

هذا الاستقطاب الهائل يمكن أن يتحول فجأة إلى حالة من الفوضى والاضطراب على نطاق واسع في حالة الفشل الاقتصادي، وهو سيناريو ليس مستبعدًا.
إن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي الجذري هو السبيل الوحيد للخروج من معضلة مصر الحالية، وأول ما يجب فعله هو إصلاح الأزهر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد