بدأ أود آرن ويستاد، المؤرخ النرويجي المتخصص في الحرب الباردة وتاريخ شرق آسيا المعاصر، مقاله المنشور في مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، بأنه منذ احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم، وإطلاق الصين لمبادرة الحزام والطريق على مدى أربع سنوات، وحتى الآن، كانت هناك تكهنات كثيرة حول ما إذا كانت ستقوم حرب باردة أخرى بين الشرق والغرب.

في الشهر الماضي كان أحد عناوين الصحف المنشورة يقول: «الحرب الباردة الجديدة هنا»، وأخرى بشرت بـ«حرب بوتين الجديدة الباردة» وبعض العناوين حذرت من أن «ترامب يستعد لحرب باردة جديدة»، يتساءل ويستاد: هل نعود حقًا إلى الماضي؟ ويجيب بأن السياسة المعاصرة مليئة بالمقاييس الخاطئة، ويبدو أن عودة الحرب الباردة هي واحدة منها.

وفقًا لويستاد، كانت الحرب الباردة في ذروتها نظامًا عالميًا، وركزت على الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. لم تحدد كل ما يجري في عالم الشؤون الدولية، لكنها أثرت على معظم الأشياء. في جوهرها كان هناك منافسة إيديولوجية بين الرأسمالية والاشتراكية التي استمرت طوال القرن العشرين، حيث تمسك كل جانب – بشدة – بنظام اقتصاده وحكمه.

كان نظامًا ثنائي القطب، إما تحقيق النصر الكلي، أو الهزيمة الكاملة، لم يكن أي من الزعماء والقادة يتصورون التوصل لحل وسطي دائم مع الآخر. كانت الحرب الباردة حادة وحاسمة وخطيرة للغاية، الهدف آنذاك من أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية هو تدمير  قوى الخصم العظمى، حتى ولو كان يكلف القضاء على نصف العالم.

الشؤون الدولية الحالية هي في معظمها غامضة ومليئة بالتحديات، ولكنها بعيدة كل البعد عن الحرب الباردة، ومعناها الخالص، أن نطلق على مواجهات القوى العظمى الحالية أنها حرب باردة جديدة، فإن ذلك يخفي أكثر مما يكشف. إنه نوع من الكسل الاصطلاحي الذي يساوي صراعات الماضي، والتي يعرفها معظم المحللين جيدًا، مع ما يحدث اليوم. على الرغم من أن أصداء وبقايا الحرب الباردة لا تزال قائمة بيننا، لكن محددات وسلوك الشؤون الدولية قد تغيرت.

كيف أوصلتنا الحرب الباردة لعالم اليوم؟

تأتي السياسة الخارجية الرعناء والتعقيدات الروسية في عهد الرئيس فلاديمير بوتين من الشعور بالخسارة في الحرب الباردة في ثمانينات القرن العشرين، وقد عانت روسيا من عواقب الهزيمة في التسعينات، ويحمل العديد من الروس مسؤولية الفوضى والانحطاط الذي أصاب بلدهم للرئيس بوريس يلتسين. إنهم يفتقدون الاحترام الذي حصل عليه الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى أخرى، إنهم يعتزون برئيسهم الحالي الذي على حد اعتقادهم أنه أعطى روسيا احترامها الذاتي، كما يرحبون بالاستقرار الداخلي الذي قدمه الرئيس بوتين لروسيا.

يذكر ويستاد في مقاله من ناحية أخرى، تعتقد الصين أن النمو الاقتصادي الذي لم يسبق له مثيل منحها مركز قوة في المنطقة، ولم تعد بمثابة بيدق للآخرين كما كان خلال الحرب الباردة، يعتقد العديد من الصينيين بأنه إذا كانت الحرب الباردة أجبرت بلادهم على التراجع، فإن حقبة ما بعد الحرب الباردة جعلت الصين حرة في التصرف باسمها. في هذه الأثناء، يدرس قادة الحزب الشيوعي كيف انهار الاتحاد السوفيتي؛ من أجل تجنب مصير مماثل لبلدهم. لقد ورثت الصين نزاع كوريا الشمالية من الحرب الباردة ، فضلًا عن استيائها العميق لما يعتبره معظم الصينيين هيمنة عالمية للولايات المتحدة.

على الجانب الأمريكي، فإن الصدى الرئيس للحرب الباردة هو إحساس – بارز جدًا بين ناخبي الرئيس دونالد ترامب، ولكنه واضح أيضًا في أماكن أخرى – بأن واشنطن قد استغلت من قبل الآخرين. وكما تقول الحجة: فإن الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة أعطت الأمن بثمن رخيص لبقية العالم الرأسمالي، بينما ساعد الحلفاء الأمريكيون أنفسهم في الحصول على أموال ووظائف، ولم يقدموا سوى القليل في المقابل. نتيجة لذلك فإن العديد من الناخبين الأمريكيين يشعرون أن بلادهم بعد أن فازت بالحرب الباردة لم تكسب أي شيء، وبالتالي فإن الإدارة الحالية تتخلص من المسؤوليات النظامية لمصالح أمريكية أضيق بكثير.

الشؤون الدولية وما بعد الحرب الباردة

إذا كان هناك أي اتجاه في السياسة الدولية اليوم، فهو الاتجاه متعدد الأقطاب. فالولايات المتحدة تصبح أقل قوة في الشؤون الدولية، بينما الصين تزداد قوة، وأوروبا راكدة، وأما روسيا فغير راضية عن النظام الحالي، لكن الدول الكبيرة الأخرى، مثل: الهند، والبرازيل، تتزايد نفوذها داخل مناطقها.

لم تعد الأيديولوجية هي المحدد الرئيس، تختلف الصين وأوروبا والهند وروسيا والولايات المتحدة في الكثير من الأمور، ولكن ليس على قيمة الرأسمالية والأسواق. الصين وروسيا دولتان استبداديتان تتظاهران بوجود حكومات تمثيلية، لكن لا يوجد أي منهما لنقل نظامهما إلى أخرى، كما فعلوا خلال الحرب الباردة. حتى الولايات المتحدة فالمروج الرئيسي للقيم السياسية يبدو أقل احتمالًا تحت أجندة ترامب أمريكا أولًا.

القومية  في ازدياد، بعد أن واجهوا صعوبات في إعادة تأكيد أنفسهم بعد الدمار الذي خلفته الحروب التي ركزت على الأيديولوجيات غير القومية، فإن جميع القوى العظمى تؤكد الآن على الهوية والمصلحة الوطنية؛ باعتبارها السمات الرئيسة للشؤون الدولية، ادعى الدوليون في الحرب الباردة أن الفئة الوطنية ستكون أقل أهمية، ولكن أثبتت حقبة ما بعد الحرب الباردة أنها خاطئة. لقد ازدهر القوميون على حطام الخطط الكبرى المليئة بالأيديولوجيا من أجل تحسين البشرية.

يختتم ويستاد مقاله: أيًا كان النظام الدولي الذي يتكون حاليًا، فهو ليس حربًا باردةً، قد يتحول الأمر إلى صراع ومواجهات، لكن استخدام «الحرب الباردة» كقاسم مشترك لكل شيء لا نحبه فهو لا معنى له. بدلًا عن ذلك يجب أن نحاول فهم كيف تؤثر الدروس المتصورة من الماضي على التفكير في الحاضر، إذا أردنا تطبيق التاريخ على صنع السياسة، فيجب أن نتعلم أن نكون حذرين تجاه الاختلافات كما هو الحال بالنسبة إلى المقارنات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد