سقطت الدولة المصرية فريسة للعنف الذي تمارسه الأجهزة الأمنية؛ فبات القمع غاية في حد ذاته عوضًا أن يكون أداة لحفظ استقرار النظام.

تمر مصر الآن بأحد أسوأ فترات القمع في تاريخها الحديث. فالسجون تكتظ بآلاف المعتقلين، وحُكم على الآلاف بالإعدام، ولجأت الدولة إلى استخدام العنف الجنسي بشكل غير مسبوق.

لقد حدث تغير نوعي في طبيعة العنف الذي تمارسه الدولة في مصر. ففي حقبة مبارك، استخدمت الدولة العنف والتعذيب، ولكنهما ظلا عند مستوى مقبول اجتماعيًّا بالنسبة للطبقة المتوسطة، التي كانت غالبًا محصنة من مثل هذا العنف. فضلاً عن أن وسائل التعذيب كانت أقل حدة وصدمة وذلك بسبب الطبيعة المحافظة للطبقة المتوسطة.

على سبيل المثال، لم يكن استخدام العنف الجنسي واسع الانتشار كما هو الحال عليه الآن، فقد كانت الدولة تفرض على نفسها قيودًا أبقت قطاعات اجتماعية عريضة في أمان إلى حد كبير.

لكن ذلك لا يعني أن نظام مبارك لم ينتهك حقوق الإنسان بصورة منتظمة، لكن أسلوب قمعه كان يتميز بوعي سياسي أكبر، واستهدف القطاعات الأفقر من المجتمع، مما مكنه من الحفاظ على مظهر زائف باحترامه للحريات المدنية أمام العالم وأمام الطبقة المتوسطة.

ويبدو أن مستويات العنف الحالية تضر باستقرار النظام. فمن ناحية، اهتزت صورة النظام أمام العالم بشدة. وعلى الرغم من عدم وجود ضغوط دولية حقيقية لوقف القمع، فقد بات واضحًا أن النظام الحالي هو ديكتاتورية عسكرية صريحة.

وقد مثلت زيارة السيسي إلى ألمانيا، بصحبة فنانين مصريين، مؤشرًا على قلق النظام من تدهور صورته دوليًّا.

ومن ناحية أخرى، اتسعت دائرة القمع والعنف غير المسبوقة لتشمل مؤيدين للنظام الذين ينتقدون الأجهزة الأمنية. على سبيل المثال، قام المحامون مؤخرًا بإضراب عن العمل بعد أن اعتدى ضابط شرطة على أحد المحامين. وقد أجبر ذلك الحادث السيسي على الاعتذار رسميًّا وانتقاد الشرطة.

يبدو أن السيطرة على القمع في مصر قد انتقلت من قلب الفرع التنفيذي للحكومة إلى سطحها الخارجي، وذلك بعد أن أصبح القمع غاية في حد ذاته عوضًا عن أن يكون أداة لحفظ استقرار النظام.

الأكثر من ذلك، ثمة دليل على وجود أجنحة داخل الدولة تتنافس على السلطة، ونتيجة لذلك، فقد ضعُفت السيطرة المركزية على القمع.

على سبيل المثال، كان هناك عدد من التسريبات التي خرجت من مكتب السيسي وفضحت العلاقة المباشرة بين الجيش ووسائل الإعلام. وهذه التسريبات ما كانت لتخرج لولا حدوث تعاون من طرف أجنحة أخرى في الأجهزة الأمنية.

وما لم يكن متوقعًا أبدًا هو قيام صحيفتين مواليتين للنظام، الأهرام والمصري اليوم، بنشر تحقيقات عن الأوضاع المزرية للسجون المصرية، حيث أوردت كلًّا من الصحيفتين بعضًا من الانتهاكات التي وقعت داخل السجون.

إن تلك الأمثلة، إلى جانب ارتفاع حدة القمع حتى وصلت إلى مستوى قد يضر بوضع النظام الحالي، تدعم فكرة أن مصر سقطت فريسة لصراعات داخلية. إلا أنه قبل القفز إلى أي استنتاجات، ربما يساعد تحليل أعمق للمشكلة في توضيح الوضع.

منذ انقلاب عام 1952، الذي جلب الضباط الأحرار إلى السلطة، سيطر الجيش على الحياة السياسية المصرية بشكل أو بآخر. وبعد هزيمة عام 1967، وانهيار الفكر الناصري بوصفه القاعدة الأيديولوجية للنظام، انحسر دور الجيش حتى أصبح دوره الحفاظ على استقرار النظام، فأصبح بمثابة العمود الفقري بالنسبة للنظام.

بعبارات أخرى، تراجع الجيش إلى خلف الستار، ووافق على مشاركة السلطة مع حزب مدني، الحزب الوطني الديمقراطي، في مقابل احتفاظه بإمبراطورية اقتصادية ضخمة معفاة من الضرائب.

وهكذا، أصبحت السلطة لا مركزية وانحسرت سلطات الجيش. إلا أن منصب الرئيس ظل ذا أهمية بالنسبة للجيش، فقد كان لا بد أن يكون ذا خلفية عسكرية، وكان أي خلاف ينشب بين الرئيس وجنرالات الجيش ينتهي دومًا لصالح الرئيس.

ولكن مع ازدياد نفوذ الحزب الوطني الديمقراطي، زاد اعتماده على الشرطة لمواجهة نفوذ الجيش وتوفير دعم لجمال مبارك (نجل حسني مبارك) كوريث محتمل لأبيه، وذلك في مواجهة معارضة المؤسسة العسكرية.

وقد أصبح الحزب الوطني الديمقراطي تحت سيطرة الرأسماليين بشكل أكبر، الذين روجوا للاستبداد الليبرالي بديلا عن الديكتاتورية العسكرية، واستخدموا ذلك لاجتذاب الطبقة المتوسطة والولايات المتحدة، وذلك في سعيهم نحو السلطة.

وقد تسبب هذا المسعى في تفتيت الطبقة الحاكمة في مصر، وهو ما يفسر انحياز الجيش في البداية إلى جانب المحتجين في انتفاضة العام 2011. كما أنه يوضح طبيعة القمع في عهد نظام مبارك، فقد كان يتم الحفاظ على مظهر خارجي يوحي بسيادة حكم القانون، والسيطرة بشكل مركزي على القمع.

وقد أزالت أحداث الثورة المصرية والإطاحة بالإخوان المسلمين عن الحكم بأي مظاهر ليبرالية وأعادت الجيش بوصفه القوة المهيمنة على السياسة في مصر.

وخلال هذه العملية، قضى الجيش بشكل منهجي على أي احتمال للعودة إلى الحكم المدني، سواءً كان ذلك بعودة الإخوان المسلمين أو الحزب الوطني الديمقراطي، لقد جرى توثيق القضاء على الإخوان المسلمين بشكل مفصل، إلا أنه لم يتم توثيق القضاء على الحزب الوطني الديمقراطي.

لم يقم الجيش فقط بمنع مشاركة قادة الحزب في الحياة السياسة، بل قام أيضًا بشكل عدواني بتوسيع دوره الاقتصادي على حساب الرأسماليين في الحزب. كما أنه أجبر رجال الأعمال على سداد أموال بحجة جمع تبرعات لصندوق “تحيا مصر”.

وهذا يفسر جزئيًّا تردد النظام في عقد الانتخابات البرلمانية، فثمة نقص في الحلفاء المدنيين الذي يمكن الاعتماد عليهم لخوض تلك الانتخابات. وبناءً على ذلك، يمكن للمرء افتراض أن هناك اتجاهًا متصاعدًا لتركيز السلطة في مصر، وهو ما قد يؤدي إلى تشديد السيطرة على القمع الذي تمارسه الدولة. إلا أن إلقاء نظرة أعمق يشي بعكس ذلك.

على الرغم من أن الجيش الآن هو القوة الأكبر في الحياة السياسية المصرية، إلا أنه يعاني من عيبين خطيرين، ألا وهما ضعف كل من أيديولوجيته وأدائه الاقتصادي. وهذا يعني أن على النظام الاعتماد بشكل أكبر على القمع بدلا من التوافق للبقاء في السلطة.

وفي ظل هذه الظروف، سيصبح المركز رهينة للهامش، وستصبح السيطرة على “ممارسي القمع” أكثر صعوبة. وإذا أضرب رجال الشرطة غدًا، فسيسقط النظام في اليوم الذي يليه.

إلى جانب ذلك، الجيش ليس على قلب رجل واحد، إذ أن ثمة تنافس داخلي محموم. وأوضح دليل على ذلك هو التنافس بين جهاز المخابرات العامة وأفرع الجيش الأخرى، حيث غدا الأول ذا نفوذ كبير للغاية في عهد الراحل عمر سليمان.

لقد كان عمر سليمان أحد ورثة مبارك المحتملين. وعلى الرغم من كونه عسكريًّا، فقد جرى استبعاده من خوض سباق الرئاسة خلال الفترة الانتقالية الأولى عندما كان المجلس العسكري يقود البلاد. وما يثير الاهتمام أيضًا هو أنه قد جرى تغيير رئيس مدير جهاز المخابرات العامة أكثر من مرة بعد عمر سليمان، وهو ما قد يشير إلى الصراع المستمر على السلطة بين الفروع المختلفة للجيش.

الأكثر من ذلك، ثمة رجال محسوبون على الجيش لديهم طموح في السلطة، وأبرزهم هو رئيس الوزراء السابق، أحمد شفيق، الذي يعيش في منفاه في الإمارات العربية المتحدة، وقائد الأركان السابق سامي عنان. فقد تُضعف هذه المنافسة المركز وتؤثر على سيطرته على أذرعه.

وثمة دلالات على عودة التنافس ما بين الشرطة والجيش، إذ كانت قد اندلعت اشتباكات بين الجانبين. كما أن التقارير الخاصة بانتهاكات الشرطة مثيرة جدًّا للاهتمام، وتشير إلى أن ثمة خلاف بين الأجهزة الأمنية. وكل هذا يُضعف سلطة المركز على أذرعه القمعية.

لذا، هل يمكن للسيسي القضاء على الصراعات الداخلية والسيطرة على القمع؟ للإجابة على هذا السؤال، لا بد من مقارنة احتياجات سلطة الرئاسة باحتياجات الجيش.

استنادًا إلى دستور مصر الحالي، فقد جرى إضعاف مؤسسة الرئاسة وتعزيز وضع الجيش. فكما نص الدستور، يمكن للسيسي عزل وزير الدفاع عن منصبه ولكن بعد موافقة الجيش. ومن المهم الإشارة إلى أن السيسي، قبل أن يصبح رئيسًا، كان عضوًا في المجلس العسكري ومدير المخابرات الحربية. وقد اضطُر للاستقالة من الجيش حتى يصبح رئيسًا.

وهكذا، فقد جرى تقليص سلطة الرئيس، وبالتالي، تقلصت القدرة على السيطرة على الأجهزة الأمنية في الدولة. وهذا يشير أيضًا إلى أن دور الرئيس التقليدي، بوصفه عنصر استقرار للنظام وسمسار محتمل للسلطة، قد تقلص هو الآخر، مما أضعف المركز وسمح بمستويات أعلى من الصراعات الداخلية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد