في عام 2015، وقَّعت إيران على الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، والذي أرَّخ لعصرٍ جديدٍ من التعامل الغربي مع إيران، ونتج عنه رفع العقوبات جزئيًا عنها. حدث ذلك في عهد إدارة الرئيس الأمريكي السابق أوباما، لكنَّ إدارة ترامب كان لها رأيٌ آخر. إذ ينتهج ترامب سياسة «الضغط المكثف» على إيران، وتأجيج الصراع معها بدلًا من محاولة احتواء الدولة الآسيوية. ويعتقد بول بيلار، الزميل غير المقيم في مؤسسة بروكينجز، بأنَّ أسلوب إدارة ترامب في تعاملها مع إيران ستكون نتيجته الفشل، حسبما أوضح في مقاله الذي نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية.

لا يرى بيلار أنَّ هناك أي مؤشرات على أنَّ سياسة «الضغط المُكثَّف» على إيران التي تنتهجها إدارة ترامب ستؤدي إلى أي تغييرٍ منشودٍ في السياسة الإيرانية. وتكمن أسبابٌ عدة وراء هذا الفشل من وجهة نظره، منها أنَّ الإدارة الأمريكية لم تُقدِّم أي مُقترحٍ واقعيٍ يُمكن أن يقبله النظام الإيراني حتى لو مُجبرًا، وأصدرت عوضًا عن ذلك قائمةً من المطالب العريضة وغير الواقعية التي تتطلَّب من إيران الاستسلام التام. وبعكس العقوبات التي سبقت خطة العمل الشاملة المشتركة، تفتقر العقوبات الجديدة التي فرضتها الإدارة للدعم العالمي، وتُؤذي الشعب الإيراني أكثر مما تُؤذي العناصر المُتشدِّدة داخل النظام. وتسبَّب تراجع الإدارة الأمريكية عن خطة العمل الشاملة المشتركة في خسارتها كثيرًا من الثقة في عيون الإيرانيين بوصفها شريكًا مُحتملًا في المفاوضات.

ويوضح الكاتب أنَّه بمرور الأسابيع المتعاقبة من الضغط المُكثف الذي لا يُسفر سوى عن نتائج محدودة، يصعب تجاهل حماقة الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة. وإذا نجحت جهود الإدارة الساعية لإجبار الشركات الأوروبية على نبذ إيران إلى درجةٍ تدفع طهران لتُقرِّر أنَّ التزامها الشخصي المتواصل بخطة العمل الشاملة المشتركة لم يَعُد مُجديًا، ستُرفع بذلك القيود عن إنتاج المواد الانشطارية في إيران. مما سيُؤدي إلى أزمةٍ نوويةٍ جديدةٍ من صُنع إدارة ترامب. وفي الوقت ذاته، يُعَدُّ هوس الإدارة بتأجيج الصراع مع إيران من أكبر أسباب الضرر الفادح الذي لحق بالعلاقات بين الولايات المُتحدة وحلفائها.

«فورين بوليسي»: هل كانت إيران على مقربة من إنتاج قنبلة نووية قبل الاتفاق النووي؟

ورغم الفشل في إقناع إيران بتغيير سياساتها، يمتلك مُعارضو خطة العمل الشاملة المشتركة حجةً أخرى، مبنيةً على عرقلة النظام الإيراني عن تنفيذ سياساته، عوضًا عن إقناعه بتغيير تلك السياسات بحسب الكاتب. ويُمكن لذلك النهج أن يُعتبر هدف مشروع لنوعٍ مُعيِّنٍ من أنواعٍ بعينها من العقوبات. ففي دولةٍ يُشكِّل برنامج أسلحتها غير التقليدية خطرًا كإيران، يُمكن أن تخضع تلك الدولة لقيودٍ تجاريةٍ مُصمَّمةٍ للحيلولة بينها وبين الحصول على موادٍ وتقنياتٍ يُمكن استخدامها في تطوير الأسلحة غير المرغوبة. وبتطبيق هذا النهج على إيران اليوم، تُوصف خطة العمل الشاملة المشتركة بالسيئة بحجة أنَّها منحت إيران الموارد التي تستخدمها لتمويل «سلوكها المؤذي والمُشين والمُزَعْزِع» الذي يتحدث عنه منتقدو إيران باستمرار. وخلال مؤتمرٍ أُقيم الأسبوع الماضي تحت رعاية اتحاد المحافظين الأمريكيين، استخدم نفس الحجة مايكل أنطون، مسؤول مجلس الأمن القومي السابق في إدارة ترامب، وكيلي جين تورانس، مُحرِّرة مجلة «ويكلي ستاندرد».

ويُشير بيلار إلى العيوب الكُبرى لهذه الحجة، خاصةً حين نتذكر الوقت الذي استُخدِمَت فيه كذخيرةٍ لقتل خطة العمل الشاملة المشتركة  حتى قبل إنهاء الاتفاق. وعلى عكس الصياغة المُعتادة للحجة، لم «تحصل» إيران على أي جديدٍ في أعقاب خطة العمل الشاملة المشتركة. إذ انطوى رفع العقوبات الجزئي على فك تجميد بعض الأصول المملوكة لإيران منذ زمنٍ بعيد، وإلغاءٍ جزئي للعراقيل التي واجهت التبادل التجاري مع إيران. فضلًا عن ذلك، هناك مُبالغةٌ روتينيةٌ في حجم المنفعة الاقتصادية التي عادت على إيران نتيجة الرفع الجزئي للعقوبات.

وربما تتعلق أكبر المشكلات على الإطلاق بكيفية تداول فكرة السلوك المؤذي لإيران كشعارٍ مُجرَّدٍ من أي اهتمامٍ بالحقائق والتحليلات. وأكثر ما نفتقر إليه وفقًا للكاتب هو تفسير أسباب ما تفعله إيران، ومدى اختلافه عما تفعله الدول الأخرى في المنطقة، وما يُشكِّله أو لا يُشكِّله ذلك من تأثيرٍ على مصالح الولايات المتحدة التي تمارس عليها ذلك الضغط المكثف. وتنطبق هذه العيوب أيضًا على الخطاب المُتعلِّق بسياسات إيران تُجاه بقية المنطقة وموضوع الإرهاب. فمقتل جمال خاشقجي، الذي برهن أنَّ المملكة العربية السعودية وليس إيران هي من تُمارس السلوك المُشين الذي ينطوي على اغتيال المعارضين السلميين خارج حدودها، سلَّط بعض الضوء على هذا النوع من الأسئلة، لكن إدارة ترامب لا يبدو أنَّها تعير تلك الأسئلة اهتمامًا.

Embed from Getty Images

مظاهرات معارضة لحرب السعودية في اليمن أثناء زيارة ولي العهد السعودي في لندن عام 2018.

التلميحات الضمنية عن صُنع القرار في إيران

يطلب بيلار أن نضع كل ما سبق جانبًا للحظة، وننظر إلى التلميحات التي تتضمنها الحجة القائلة بأنَّ خطة العمل الشاملة المشتركة دفعت إيران لفعل المزيد من الأشياء السيئة في المنطقة لأنَّ إيران أصبحت تمتلك مواردَ أكثر لدفع الثمن، وما تعنيه تلك التلميحات بشأن الكيفية التي يُفكِّر بها صُنَّاع السياسات الإيرانيون حسبما تفترض تلك الحجة. إذ يُرسَم صُنَّاع السياسات الإيرانيون في صورة الملالي المجانين. ولهذا السبب تُعتبر إيران غير جديرةٍ بالثقة فيما يتعلَّق بالأسلحة النووية، بعكس دولٍ مثل الهند وإسرائيل وباكستان. وتبنّى هذه الصورة بوضوح العديد من الأشخاص الذين أصبحوا فيما بعد من أشد المعارضين لخطة العمل الشاملة المشتركة.

وبحسب الكاتب، فإنَّ الصور الضمنية المُتداولة عن صُنع القرار الإيراني هي عبارةٌ عن مزيجٍ عجيبٍ ولا يُصدَّق من الملالي المجانين والمُحاسبين. تفترض تلك الصورة أنَّ صُنَّاع القرار هم أشخاص حريصون دائمًا على التأكُّد من رصيد حسابهم المصرفي، وعازمون على استنزاف ذلك الحساب لتمويل السلوك المُشين خارج البلاد، وتجاهل الاحتياجات والأولويات الأخرى. ويشير بيلار ساخرًا إلى أنَّ تلك الصورة أيضًا تفترض وجود محادثاتٍ هاتفيةٍ دوريةٍ في طهران، يُوجِّه فيها رئيس الحرس الثوري سؤاله إلى وزير المالية قائلًا: «كم نمتلك من الأموال المُخصَّصة للإنفاق على السلوك المشين هذا الشهر؟».

«فورين أفيرز»: هذا مخطط إدارة ترامب بعد انسحابهم من الاتفاق النووي الإيراني

ومن مشاكل هذه الصورة وفقًا للكاتب أنَّها لا تعترف بالأهمية الشديدة للاحتياجات والأولويات الأخرى، ليس فقط بالنسبة لرئيسٍ منتخبٍ مثل حسن روحاني، بل بالنسبة للمرشد الأعلى علي خامنئي أيضًا. فإيران تمتلك حياةً سياسيةً حقيقية، وتُعد المشاكل الاقتصادية المحلية بمثابة نقاط ضعفٍ سياسيةٍ يسعى الساسة لتجنُّبها، على غرار ما يحدث داخل الولايات المتحدة.

ويضيف بيلار أنَّ المشكلة الأخرى في هذه الصورة هي أنَّ بعض ما تفعله إيران في المنطقة، ويأتي على ذكره المتشددون الأمريكيون كثيرًا، ليس مُكلِّفًا من ناحية الموارد بما يكفي ليؤخذ بعين الاعتبار. وأبرز مثالٍ على ذلك هو الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، والذي يُعَدُّ ضئيلًا وتافهًا مقارنةً بجهود الحرب الضخمة التي تقودها السعودية. إذ لا تُعَدُّ اليمن من المناطق الأكثر أهميةً بالنسبة لإيران، لكنَّ تقديم بعض المساعدات للحوثيين هو وسيلةٌ زهيدة الثمن تُمكِّن الإيرانيين من الاستمتاع بمشاهدة محمد بن سلمان يغرق في المستنقع الذي صنعه بنفسه.

الأمن أهم من المال

Embed from Getty Images

يذكر بيلار أنَّ المُشكلة الرئيسية لهذه الصورة الضمنية عن صُنع القرار الإيراني تكمُن في أنَّ قرارات طهران بشأن أكثر المشاريع الإيرانية تكلفةً تُستقى من القضايا السياسية الأكثر أهميةً في عيون الإيرانيين، وبالأخص القضايا الأمنية، ولا يتحكَّم فيها عدد الريالات الإيرانية الموجودة في حساب المصرف الوطني. ويوضح أنَّ إيران برهنت على ذلك خلال الحرب الإيرانية-العراقية الباهظة الثمن، حين قرَّرت مواصلة الحرب حتى في أعقاب استعداد صدَّام للجنوح إلى السلام. واليوم، يرى المُحلِّل العراقي عباس كاظم أنَّ العراق تُشكِّل أهميةً شديدةً بالنسبة لإيران، التي تتشارك معها تاريخًا طويلًا من الحرب وحدودًا بطول تسعة آلاف ميل (14.4 ألف كيلومتر)، كما أوضح في اجتماعٍ آخر عُقِد على هامش مؤتمر اتحاد المحافظين الأمريكيين. وستسعى إيران لتحقيق أهدافها المُتعلَّقة ببسط نفوذها داخل العراق، وترسيخ نظامٍ داخل بغداد يتمتع بعلاقاتٍ وديةٍ مع طهران، مهما كانت التكاليف. ويُمكن أن نقول المثل بشأن الاستثمارات الإيرانية الضخمة في سوريا، التي تُعتبر الحليف الوحيد لإيران داخل العالم العربي منذ أمدٍ بعيد.

لكن يوضح الكاتب أنَّه إذا كانت حجة مُعارضي خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن الموارد والسلوك المُشين صحيحة، فكان يجب أن نشهد ما يُثبت ذلك على مر تاريخ الجمهورية الإسلامية في صورة ارتباطٍ قويٍ بين الموارد والسلوك يدفع إيران للتصرف بطريقةٍ أفضل (من وجهة النظر الغربية) في الفترات التي اقتطعت خلالها العقوبات من الموارد المُتاحة. وفي هذا السياق نشرت مجموعة الأزمات الدولية مؤخرًا دراسةً تبحث عن إجابة لهذا السؤال تحديدًا. وتوصَّلت الدراسة إلى التالي: لا وجود لمثل ذلك الارتباط.

وفي النهاية، يُؤكِّد بيلار على أنَّ هذا الواقع لن يمنع معارضي خطة العمل الشاملة المشتركة المتشددين، ومن بينهم إدارة ترامب، من استخدام الحجج القديمة نفسها. وكلما مر الوقت دون الخروج بنتيجةٍ إيجابيةٍ من السياسات الناتجة، فقدت تلك الحجج مصداقيتها أكثر فأكثر.

«ناشيونال إنترست»: لهذه الأسباب اختارت أمريكا العراق لتصبح حلبة حربها مع إيران

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد