في مقال نشر مؤخرًا في صحيفة الغارديان تحت عنوان، (السعودية تقول إنه ليس هناك مستقبل للأسد في سوريا) نُقل عن وزير الخارجية السعودي عادل الجبيل قوله: “يمكن لهذه الحرب أن تطول وتصبح أكثر تدميرًا ولكن خيارنا هو التخلص تمامًا من بشار الأسد”. ولكن لم يوضح وزير الخارجية على وجه الدقة كيف سيجري إجبار الأسد على التنحي بالقوة، إلا أن المملكة لن تتنازل عن تغيير النظام كاملًا في سوريا. ادعى الجبيل أن السعودية تدعم الثوار المعتدلين “في الحرب الأهلية”. يدعم السعوديون بالفعل المتمردين ‘المعتدلين’ – إذا كان يجوز اعتبار جبهة النصرة، إحدى المنظمات التابعة لتنظيم القاعدة، معتدلة.

 

لا تزال ذكريات أفغانستان ماثلة في الأذهان، فالمسؤولون السعوديون قلقون حقًّا بشأن “ارتاد النيران نحوهم”، ولأسباب وجيهة. فقد شن فرع لتنظيم الدولة الإسلامية في المملكة العربية السعودية بالفعل هجمات في المنطقة الشمالية الشرقية، التي تقطنها أغلبية شيعية، وضد الحكومة السعودية في أجزاء أخرى من البلاد. يدرك المسؤولون السعوديون جيدًا أن تنظيم الدولة الإسلامية، بجذوره الوهابية السعودية (شكل متطرف من الإسلام الأصولي) يمكنه أن يهاجم الأسرة الحاكمة، وذلك جزئيًّا بسبب علاقتها الوثيقة مع واشنطن وبسبب الفساد المستشري على أعلى المستويات داخل الحكومة السعودية.

 

نشرت رويترز مقالاً في فبراير من عام 2014 قالت فيه إن السعودية قد منعت مواطنيها من القتال في “الحروب الخارجية”، متوعدة من يخالف هذا القانون بالسجن ما بين 3 إلى 20 سنة. كما حظرت مواطنيها من إرسال الدعم المادي، بما في ذلك التمويل، إلى بعض الجماعات الجهادية المقاتلة في سوريا. إلا أنه لا يمكن للسعودية منع كافة التبرعات الخاصة، التي تقدر قيمتها بملايين الدولارات في كثير من الأحيان، من الوصول إلى تنظيم الدولة الإسلامية وحلفائه. فهناك طرق ملتوية لإرسال المال لهذه المجموعات، وذلك من خلال الكويت، التي يصعب تتبعها. لا يحقق تنظيم الدولة الإسلامية انتصارات على الأرض في كل من سوريا والعراق فقط، بل إن له الآلاف من المؤيدين، والعديد منهم من خارج المنطقة.

 

لا يزال من غير المفهوم تمامًا ما الذي يدفع الكثير من الشباب الساخطين إلى مغادرة بلدانهم وتبني وجهة نظر تنظيم “الدولة الإسلامية”. “الفاشية الإسلامية” كما يطلق عليها، قد يكون لها جذور مباشرة في الوهابية والنفوذ السعودي في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولكن الفهم الكامل لسبب ظهورها إلى النور يجب أن يتضمن فهم التاريخ الاستعماري والإمبريالي الغربي في الشرق الأوسط خلال القرنين الـ20 والـ21. ليس هناك شك، على سبيل المثال، في أن الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 لعب دورًا رئيسيًّا في إنشاء تنظيم الدولة الإسلامية والحرب الطائفية التي تدور رحاها في معظم أنحاء المنطقة اليوم، وخاصة في سوريا والعراق. ومع ذلك، كان علينا أن نعود إلى الوراء 200 سنة على الأقل لفهم متعمق لدور القوى الخارجية في خلق (وتدمير) الشرق الأوسط الحديث.

بعد ما يقرب من ستة أشهر من رد الفعل الوحشي من قبل الجيش السوري على المحتجين السلميين في درعا في سوريا، حيث بدأت الاحتجاجات لطلب إصلاحات حكومية معينة في عام 2011، تحول عدد من الناس إلى العمل المسلح لمحاربة نظام الأسد. وقد فتح هذا الباب لطائفة متنوعة من الوكلاء الخارجيين لتسليح ودعم مجموعة متنوعة من الجماعات المختلفة داخل سورياP مما يزيد من مخاطر الحرب إلى حد كبير. فقد ساهمت كل من السعودية وقطر وتركيا والولايات المتحدة في صعود تنظيم الدولة ولو من دون إدراك لحجم الوحش الذي ساهموا في إنشائه.

 

على سبيل المثال، لدى الولايات المتحدة تاريخ طويل في محاولة الإطاحة بالحكومة البعثية في سوريا التي حكمها حافظ الأسد لمدة 40 سنة، والآن يحكمها ابنه بشار. فقد سرب موقع ويكيليكس وثيقة سرية إلى الصحافة كشفت أن مسؤولي وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية سعوا لزعزعة استقرار سوريا لسنوات، وذلك عبر إذكاء التوترات الطائفية بين السنة والشيعة، ومن خلال دعم فصائل إسلامية مناهضة للنظام متواجدة بالفعل داخل البلاد، وكذلك الإسلاميين الذين فروا إلى سوريا بعد “الغزو” الأمريكي للعراق في عام 2007 وخروجها منه في عام 2011.

 

ويزعم مسؤولون أمريكيون أنهم يعملون الآن على تسليح وتدريب المتمردين “المعتدلين” فقط. دون أن يدركوا أن العديد من «المعتدلين» قد انشقوا، أو يتعرضون للهزيمة في حربهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية والفصائل المتطرفة الأخرى. وهذا يساعد على تدفق الأسلحة إلى سوريا، ومنها إلى أيدي أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية، وهو تغيير جذري في طبيعة الحرب يحيلها إلى كارثة دموية.

 

ومن المفارقات المثيرة للسخرية أنه في نفس الوقت الذي تجتاح فيه هذه العاصفة أجزاءً من سوريا والعراق، سرت شائعات بأن أميرًا سعوديًّا رفيع المستوى نشر رسالة بريد إلكتروني يدعو فيها إلى “تغيير النظام” في الرياض، وذلك على ما يبدو بدعم من قبل الكثيرين في العائلة المالكة. فاستقرار المملكة العربية السعودية نفسه يمكن أن يكون محل شك. نائب ولي العهد الجديد، محمد بن سلمان (الملقب بـ”المتهور”)، قائد شاب عديم الخبرة عُين وزيرًا للدفاع، وهو المسؤول إلى حد كبير عن الإشراف على الحرب السعودية الدموية في اليمن. ووفقًا لضابط عسكري سعودي رفيع المستوى انشق إلى الظهران، فإن الكثير من السعوديين يعارضون بشدة الحرب في اليمن ويشعرون بالفزع مما تشهده الدولة العربية الأكثر نفوذًا في المنطقة من تدمير ونهب لثروات الناس الأشد فقرًا. وقد لوحظت حالة من السخط اتجاه القيادة الحالية في البلاد أيضًا.

 

استهدفت السياسات الخارجية المتشددة التي ينادي بها وزير الداخلية المعين حديثًا، محمد بن نايف، في المقام الأول إيران، التي تدعم المتمردين الحوثيين في اليمن وكذلك القوات الموالية للأسد في سوريا. وتساهم الفصائل المدعومة من إيران والسعودية في الحرب بالوكالة في سوريا، والتي تعقدت بشكل أكبر بسبب الضربات الجوية الروسية والأمريكية في جميع أنحاء البلاد وقضايا السلطة والهيمنة التاريخية بين القطبين.

 

كان من المفترض أن تمثل هذه الضربات الجوية هجومًا منسقًا من قبل روسيا والولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة، ولكن تدعي الولايات المتحدة أن روسيا قد هاجمت الفصائل المتمردة المعتدلة المدعومة من الولايات المتحدة في محاولة لدعم النظام السوري، وهي الأولوية الروسية القصوى، في حين أن الولايات المتحدة كانت تحاول – وفشلت– في دعم تلك القوى نفسها من أجل إضعاف الأسد وتنظيم الدولة في وقت واحد. وقد فشلت جهود الولايات المتحدة فشلاً ذريعًا، وذلك وفقًا لعسكريين كبار في واشنطن. وهذا، على ما يبدو، نتيجة لعدم وجود “سياسة” حقيقية لأوباما في المنطقة. وما يمكن رؤيته الآن هو أن أهداف روسيا والولايات المتحدة والسعودية وإيران داخل سوريا قد وضعت المنطقة بأسرها على مسار تصادمي إذا لم يكن هناك مزيد من الجهود المتضافرة لتوحيد تلك الأهداف والأولويات قريبًا. ومن الصعب العثور على سيناريو أكثر سخرية وتدميرًا من هذا في السياسة العالمية اليوم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد