نشر موقع مجلة «آيون» مقالًا لطالبة الدكتوراه في قسم علم النفس والعلوم السلوكية في جامعة «آرهوس» الدنماركية، ماري لوندروف تتحدث فيه عن عملية الحزن التي يمرُّ بها الناس بعد فقد أحد ذويهم، والحالات التي لا يداوي الوقت فيها كل الجراح.

حين يلتهب الحزن

لا يمكن إخفاء الحقيقة المأساوية في الحياة التي تقول إن معظمنا سيعاني من فقدان أحد أفراد أسرته يومًا ما. يموت ما يقرب من 50 إلى 55 مليون شخص في العالم سنويًّا، وتشير التقديرات أن كل حالة وفاة تترك وراءها ما معدله خمسة أفراد مكلومين. عادةً ما تخلِّف تجربة الفقد وراءها تشكيلة من ردود الفعل النفسية والاجتماعية، مثل الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية، والحزن العميق، والتشوُّش بشأن دور المرء في الحياة، ونوبات الشعور بالوحدة الثقيلة.

Embed from Getty Images

وتشرح الكاتبة كيف تكون هذه الأنواع من ردود الفعل في البداية – في المرحلة الحادَّة من الفجيعة – مُستهلِكة لصاحبها بالكامل في أغلب الحالات، ومُتلِفة ومؤلمة إلى حدٍّ لا يكاد يُطاق. ويمكن أن يكون شعوره كما لو أن الحب الموجه نحو المتوفى يفقد فجأة موضوعه الملموس، تاركًا ذويه المفجوعين في حالة خواءٍ حادٍّ.

لحسن الحظِّ، وعلى المدى الطويل، يمتلك معظم الناس موارد كافية للتكيُّف مع شكل حياتهم الجديد الخالي من فقيدهم. ليس بالضرورة أن «يتجاوزوا» خساراتهم، ولكنهم يتعلمون كيف يتأقلمون معها. لكن، لا يصحُّ هذا الأمر على الجميع. فقد أظهرت الأبحاث العديدة في الطب النفسي وعلم النفس أن هنالك أقلية لا يُستهان بها من الناس لا يتعافون من هذه الفجيعة – قرابة 1 من كل 10 أشخاص ممن مروا بتجربة الفقد – وتشرح الكاتبة أن رد الفعل الحاد يستمرُّ لدى هؤلاء الناس على المدى الأبعد، بما يفضي إلى مشكلات في التعافي والنمو على الصعيد الاجتماعي والذهني والجسدي.

وتلجأ الكاتبة إلى استخدام مقاربةٍ لتمثيل الفارق بين نموذج حزن الحداد الاعتيادي وبين النسخة الأكثر إشكالية منه. تقول الكاتبة إن الأمر يشابه حال الجرح الجسدي الذي عادةً ما يُشفى من تلقاء نفسه، مع كل ما يرافق ذلك من ألم ووقت بالطبع، إذ يتعافى معظم الناس من حزنهم دون أي مساعدة متخصصة. ومع ذلك، يلتهب الجرح الجسدي في بعض الأحيان، ويحتاج الأمر لاستخدام الكريمات والمراهم واللواصق الطبية وغيرها من مواد مساعدة في عملية الشفاء. وعلى غراره، قد تظهر بعض المضاعفات أثناء عملية التعافي من الحزن، وقد تصبح المساعدة الإضافية ضرورية لعلاج الحزن «الملتهب».

Embed from Getty Images

كيف نختلف في التعامل مع الفقد؟

يتداخل المزيج المعقد للعوامل الفردية والسياقية ليؤدي إلى تطوير ردود أفعال معقدة عندما يتعلق الأمر بحزن الفقد. وتضرب الكاتبة مثالًا مُتخيلًا، امرأة تُدعى إيمي في الخمسين من عمرها تعيش حياة هادئة مع زوجها وابنيها المراهقين. أثناء جولة الركض اليومية، يُصاب زوجها بنوبة قلبية مفاجئة ويسقط على الأرض، يعالجه أحد المارة فورًا بالتدليك القلبي، لكنه مع ذلك لا ينجو وتُعلن وفاته في المستشفى المحلي بعد ساعات من الحادثة.

تقول الكاتبة إن هنالك سيناريوهات متعددة ومسارات محتملة شديدة التباين لهذه التجربة الافتراضية. قد تتأثر إيمي بشدَّة في فترة الفجيعة الحادَّة، وتبذل قدرًا هائلًا من الوقت والطاقة لإعداد الجنازة، وفرز متعلقات زوجها المتوفى، والتكيف مع الحياة بوصفها أرملة. في هذا السيناريو الافتراضي، يتفهم مكان عملها حالها تمامًا ويدعمها زملاؤها ومديروها ويفعلوا الترتيبات اللازمة لضبط تداعيات غيابها. تعمل إيمي جاهدةً لإعادة حياتها إلى المسار الصحيح لمنح أبنائها أيامًا سعيدة، وبعد خمس سنوات من فقدان الزوج، نرى إيمي وهي تشارك في منظمة تعمل في مجال الوقاية من أمراض القلب. ما تزال إيمي تفتقد زوجها بشدة، لكنها ممتنة للسنين التي قضياها سويًّا.

تختلف القابلية للتأثر بالمضاعفات الناجمة عن الحزن اعتمادًا على عوامل متعددة مثل: مستوى الدعم الاجتماعي، أسلوب المواجهة الشخصية، السعي وراء اهتمامات جديدة بعد التعرض لتجربة الفقد.

وفي سيناريو معاكس، قد تتسبب الصدمة الناجمة عن وفاة الزوج بدفع إيمي إلى مسارٍ مختلفٍ: تعاني إيمي مع فكرة الفقد، وحتى بعد سنوات من وفاته نراها تحتفظ بجميع ممتلكات زوجها في أماكنها دون مساس. لا يتعاطف مديروها أو أصحاب عملها مع حالها، وتفقد وظيفتها بسبب كثرة أيام الغياب وانخفاض أداء العمل، ويدفع تواصل تدني مزاجها وانعدام طاقتها بأصدقائها وأقاربها إلى الانسحاب. كما لا تستطيع إيمي تلبية مطالب أبنائها في هذا السيناريو، وهو ما يثير شعورًا مضاعفًا بالوحدة والإحباط وبُغض الذات. بالمحصِّلة، لا تُبدي إيمي أيَّ اهتمام بالعالم الخارجي بعد وفاة زوجها، وتغرق في ظلمات حزنها الكثيف الذي لا يخففه الوقت.

توضح هذه السيناريوهات الافتراضية المتباينة كيف يمكن أن تختلف القابلية للتأثر بالمضاعفات الناجمة عن الحزن اعتمادًا على عوامل رئيسة متعددة (أشياء من قبيل: مستوى الدعم الاجتماعي، أسلوب المواجهة الشخصية، السعي وراء اهتمامات جديدة بعد التعرض لتجربة الفقد). وتنوه الكاتبة إلى أن افتقاد الشخص الذي يعاني من حزن معقد للدعم المناسب يمكن أن يطوِّر عواقب سلبية أخرى، مثل زيادة مخاطر الإصابة بحالات صحية خطيرة، وتدهور مستوى المعيشة، وانخفاض الأداء الحياتي العام.

Embed from Getty Images

تشخيص جديد للحزن

أدت الأبحاث المُثبِتة لتمايز الحزن المستمر والآثار السلبية المرتبطة به إلى اتخاذ منظمة الصحة العالمية عام 2018 قرارًا بإدراج تشخيص لهذا النوع من الحزن المرضي ضمن مراجعتها الحادية عشر للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، والذي سيتم تنفيذه بالكامل في أنظمة الرعاية الصحية بحلول عام 2022. أُدرج التشخيص الجديد تحت مسمَّى «اضطراب الحزن المطول» وتتمثل أعراضه بالتوق الشديد أو الانشغال الذهني الدائم بالفقيد، مترافقًا مع الاضطراب الشعوري الحاد (مثل اللوم، والإنكار، والغضب، وتعذُّر تقبل الموت، والشعور بأن الشخص فقد جزءًا من نفسه) وكذلك الاختلال الكبير في الأداء المستمر لأكثر من نصف عام بعد الفقد.

علاقات

منذ 3 شهور
«حتى يفرقنا الموت».. لماذا يلجأ الأزواج للقتل بدلًا عن الطلاق؟

مع بدء تنفيذ المراجعة الحادية عشر في السنوات القادمة، تشير الكاتبة إلى الحاجة الملحَّة لنشر المعرفة بشأن هذا التشخيص، ليستعين به مختصو الرعاية الصحية الأقرب للتواصل مع الأفراد المكلومين والمعانين من الفقد في المستشفيات ودور المسنين ووحدات العناية المركزة والممارسين العامين، لمساعدتهم في تحديد وتقديم الدعم المناسب للمحتاجين لذلك.

وتعد الكاتبة أن ما يُنشر في وسائل الإعلام حول تشخيص الحزن الجديد قد يعطي انطباعًا بأن اضطراب الحزن المطول يشمل كل أنواع ردود أفعال الحزن ويصنِّفها جميعًا ضمن خانة المرضي، وهو أمر مؤسف لأنه قد يتسبب في إخفاء البعض لحزنهم لتفادي التشخيص. وبالمثل، يمكن أن تكون التدخلات الوقائية ضد حالات حزن الفقد الاعتيادية غير فعالة بل مضادة، ولذلك من الضروري عدم المبالغة في استخدام تشخيص الحزن المطوَّل والمعقد.

يعتمد الأطباء والمختصون النفسيون على الدلائل الإرشادية التشخيصية التي طورتها منظمة الصحة العالمية في معظم أنحاء العالم، وإضافة تشخيص الحزن المطول بوصفه اضطرابًا نفسيًّا رسميًّا قد يتسبب في العديد من الآثار الواقعية. غالبًا ما كانت تُفسَّر أعراض اضطراب الحزن المطول في السابق على أنها علامات للاكتئاب وتُعالج بمضاداته، لكن هذه الأنواع من الأدوية بالكاد أظهرت تأثيرًا ضئيلًا في تخفيف أعراض الحزن. ويحدونا الأمل بأن يتسبب الاعتراف باضطراب الحزن المطول الآن بوصفه ظاهرةً منفصلة في الوصول إلى التخصيص المناسب للعلاجات النفسية والاجتماعية الفعالة.

Embed from Getty Images

وتقول الكاتبة إن هذه الأساليب ستتضمن نوعًا من التثقيف النفسي: إبلاغ العميل بالطرق الأكثر صحيَّة للتعامل مع الفقد، ومناقشة الأهداف العلاجية. غالبًا ما يتجنب الأشخاص الذين يعانون من حزنٍ معقد الأشخاص أو المواقف أو الأشياء التي تذكرهم بديمومة فقدهم، ولذلك قد تُستخدم بعض أشكال العلاج بالتعرض.

وتعدِّد الكاتبة طرقًا مختلفة يمكن بها أن يتمثل التعرُّض بها مثل إعادة سرد قصة الفقد أو تحديد الذكريات المزعجة على نحو خاص والتي يميل الشخص لتجنبها عادةً، ومن ثم إعادة النظر في هذه الذكريات تدريجيًّا خلال جلسات العلاج وفيما بينها. غالبًا ما تُركز المراحل النهائية من العلاج على المستقبل، وتعمل على مواصلة الحياة دون الفقيد. يؤكد هذا العنصر على إنشاء علاقة صحية بالفقيد والحفاظ عليها، بما في ذلك قبول استمرارية الحياة والمساعدة المستهدفة لإعادة الانخراط في العلاقات البشرية المجدية.

ليست مقولة «الوقت يداوي كل الجراح» صحيحة بالكامل، لأن الوقت لا يشفي الجروح الملتهبة بحدَّة. من الضروري مراجعة الطبيب وتلقي العلاج المتخصص للمساعدة في عملية الشفاء من الجروح الشديدة.

يعبِّر الأفراد المفجوعون الذين يعانون من مضاعفات في عملية حزنهم عن كونهم يخوضون حالةً من الخدر أو الوهن أو الإنهاك التام. وكما هو موضح في حالة إيمي، تُعد الشبكة الاجتماعية للفرد عاملًا بالغ الأهمية. تعمل الشبكة المتفهمة والداعمة على تشكيل عاملٍ وقائي ضد تطوير اضطراب الحزن المطول، فيما يخلق الانسحاب من الأصدقاء والعائلة عزلةً اجتماعية خاصة، ويزيد من مشاعر انعدام المعنى، ما يساهم في تطور اضطراب الحزن المطول. ومن الضروري أيضًا معرفة أن المساعدة المهنية متاحة، خاصةً إذا ظهرت أعراض هذا الحزن لديك أو لدى شخص تعرفه.

تختتم الكاتبة مقالها بعبارة موجزة: ابحث عن دعم المتخصصين للشفاء من عملية الحزن، لأن الوقت بمفرده لا يداوي كل الجراح.

صحة

منذ سنة واحدة
مترجم: 5 خرافات شائعة عن التعامل مع الحزن.. لا تصدقها!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد