عقد الكونجرس الأمريكي جلسة استماع يوم الثلاثاء الماضي 2 أبريل (نيسان) الجاري، بهدف مناقشة المساعدات الأمريكية لمصر، وذلك برئاسة السيناتور ليندسي جراهام، وبشهادة ثلاثة أعضاء هم ميشيل دن، وتوم ماليونسكي، وإليوت أبرامز، ونستعرض في ما يلي ملخص جلسة الاستماع.

الدوافع الاقتصادية لعدم الاستقرار

أولًا: ملخص شهادة ميشيل دن، مديرة برنامج الشرق الأوسط بمعهد كارنيجي للسلام الدولي، أمام اللجنة الفرعية للاعتمادات بمجلس الشيوخ الأمريكي:

قالت دن: إنَّ مشكلة المعونة الأمريكية لمصر تتلخص في التالي: كيف يمكن للولايات المتحدة دعم بلد مهم وحليف إقليمي قديم في الوقت الذي تتبنى حكومة هذا البلد سياسات تعد بعدم الاستقرار على المدى البعيد؟ للولايات المتحدة مصلحة في أن تكون مصر مستقرة وفي سلام داخلي، وخارجي مع جيرانها.

وأكدت دن أنَّ السلام بين مصر وإسرائيل مستقر على المستويين العسكري والاستخباراتي، على الرغم من كونه باردًا على المستوى المدني. وفي الوقت ذاته فإنَّ ثمة الكثير مما يثير القلق بخصوص ما يحدث داخل مصر، إذ تدهورت الأحوال الأمنية والاقتصادية والسياسية منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في 2013. وقالت: إنه حان الوقت للولايات المتحدة، التي دفعت 77 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين منذ عام 1948 على هيئة مساعدات أمنية واقتصادية إلى مصر، أن تعيد التفكير في نهجها حيال مصر.

اقرأ أيضًا: 10 أسئلة هي كل ما تحتاج إلى معرفته حول المعونة الأمريكية إلى مصر

وقالت دن: إنه على الرغم من أنَّ الرئيس السيسي يحلو له أن يعرض مصر على أنها قلعة استقرار وسط منطقة مضطربة، فإنَّ حقيقة الأمر أنَّها تسير بخطى وئيدة نحو الاضطراب في ظرف سنوات قلائل. فثمة مشكلات مزمنة يعود تاريخها إلى سنوات وعقود، قبل وصول السيسي للسلطة بوقت طويل: مثل الزيادة السكانية المتسارعة، والاقتصاد الذي لا يولد سوى وظائف قليلة، والبيروقراطية الضخمة المعيقة، إلى جانب تاريخ من الجماعات الإرهابية المصرية، لكن ثمة مشكلات جديدة تسبب فيها السيسي، أو فاقم من وجودها، نتج عنها أن أصبحت الصورة الكلية أسوأ بكثير مما كان عليه الحال في عهد الرئيسين السابقين حسني مبارك أو محمد مرسي.

بعدما تولى السيسي الحكم عام 2013 أصبحت لدى مصر مشكلة تمرد خطيرة، وقتل الآلاف في عمليات قتل خارج إطار القانون، واختفى المئات قسريًا، وقتل المئات في هجمات إرهابية سنوية بما في ذلك التفجيرات الانتحارية الأخيرة التي استهدفت المسيحيين، وأصبح الوضع الاقتصادي شديد السوء. تعاني مصر الآن من كل هذه المشكلات إلى جانب استقطاب اجتماعي قوي وما يصاحبه من سهولة التحول للراديكالية.

حان الوقت للولايات المتحدة، التي دفعت 77 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين منذ عام 1948 على هيئة مساعدات أمنية واقتصادية إلى مصر، أن تعيد التفكير في نهجها حيال مصر.

قالت دن: إنَّ المصريين الذين يتعرضون لقمع سياسي وحقوقي غير مسبوق، يعانون أيضًا من وضع اقتصادي بالغ الصعوبة. إذ وصل مؤشر التعاسة ــ الذي يشير إلى معدل التضخم السنوي، مضافًا إلى نسبة البطالة ــ إلى 45٪. وتراوح صافي التضخم في الأشهر الأخيرة إلى ما بين 30 و33٪. وترتفع أسعار الطعام بمعدل 39٪ سنويًا، وهو رقم خطير في بلد تعاني نسبة ضخمة من سكانه من الفقر وينفقون نسبة كبيرة من دخلهم على الطعام. أما نسبة البطالة فقد وصلت – بحسب الإحصاءات الحكومية – إلى 12.6٪، ويعتقد الكثير من الخبراء أنَّ هذا الرقم لا يعكس المعدل الحقيقي للبطالة المقدر بـ30٪ بين الشباب، ويصل إلى 50٪ بين النساء.

فيما يتراوح معدل التعاسة بين المصريين الأقل من 30 عامًا، وهي الفئة الأكثر احتمالًا أن تتسبب في حدوث اضطرابات، بين 60 إلى أكثر من 80٪. وثمة تصاعد للاضطرابات العامة المتعلقة بالاقتصاد (مثل المظاهرات ضد نقص الخبز، والسكر، ولبن الأطفال) وذلك على الرغم من قوانين التظاهر القاسية التي طبقت بعد 2013.

وقالت دن إنَّ معدل التضخم العالي الحالي يعود إلى قرار اتخذه السيسي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ومُدح كثيرًا بسببه، عندما عوم الجنيه المصري، بعد سنوات أنفق فيها هو وسابقوه المليارات دعمًا للعملة بمعدل عال مصطنع. وكانت هذه الخطوة واحدة من الخطوات الضرورية ليحظى السيسي بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي. من الخطوات الأخرى التي اتخذها السيسي: إضافة ضريبة القيمة المضافة، وتقليل الدعم على الوقود، وذلك لضمان الاستقرار المالي بعد أن بدأت دول الخليج بقطع معوناتها النقدية، لكن إذا لم يكن تخفيض قيمة العملة مصحوبًا بخطوات لزيادة الاستثمار وتوليد الوظائف، فسوف يكون الأمر محض معاناة لا منفعة وراءها.

اقرأ أيضًا: «عاصمة السيسي» الجديدة: المدينة المضادة للقاهرة

وقالت دن: إنَّ المشكلة الرئيسة في الاقتصاد المصري عدم توليد وظائف كافية لعدد الداخلين الجدد في سوق العمل. إذ لا تتركز سياسات السيسي الاقتصادية حول جذب الاستثمار أو خلق الشركات الصغيرة والمتوسطة، ولم تبذل حكومته جهودًا ذات شأن لتطوير القوة العاملة المصرية من خلال التعليم، في حين تتكرر شكاوى أصحاب القطاع الخاص من افتقار الخريجين للمهارات الأساسية الضرورية لأداء وظائفهم.

وبدلًا من كل ذلك تركز السياسات الاقتصادية للسيسي على مساعدة الجيش اقتصاديًا. يتمثل ذلك في تنفيذ مشروعات بناء ضخمة، مثل قناة السويس الثانية والعاصمة الإدارية الجديدة في الصحراء، دون أي تفكير جاد فيما إذا كانت مثل هذه المشروعات سوف تولد وظائف وتؤدي إلى النمو أو حتى ينتج عنها عائدات للحكومة. أيضًا غير السيسي الكثير من القوانين والتشريعات والإجراءات التعاقدية للحكومة للسماح للجيش أو الشركات التابعة له، بالحصول على حصة أكبر من أي وقت مضى من الاقتصاد.

وقالت دن: إنَّ حقيقة خدمة القرار الاقتصادي في مصر لهذا المدى الضيق من المصالح تعكس حالة التضييق العام على المؤسسات العامة والمجتمع المدني. فالبرلمان ليس مفتوحًا إلا لمؤيدي الانقلاب. وأصبح القضاء، الذي كان فيما مضى يحظى باحترام الناس، مسيسًا للغاية. إلى جانب القمع الشديد للإعلام والصحافيين ومنظمات المجتمع المدني.

وقالت دن: إنَّ قيمة المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر قد استقرت عند 1.3 مليار دولار سنويًا، بينما تناقصت المساعدات الاقتصادية لتستقر عند 150 مليون دولار سنويًا. وتستخدم مصر معظم المساعدات العسكرية في تسليح نفسها بأسلحة ثقيلة (مثل الطائرات ثابتة الجناحين والدبابات) وهي أسلحة تصلح لحرب برية لم تخضها مصر منذ عام 1973 ومن المرجح ألا تخوضها أبدًا، متجاهلة النصيحة المستمرة من المسؤولين الأمريكيين بتخصيص المزيد من الأموال في التدريب والأسلحة الأخف، والتكنولوجيا الأعلى.

تراوح صافي التضخم في مصر في الأشهر الأخيرة إلى ما بين 30 و33٪. وترتفع أسعار الطعام بمعدل 39٪ سنويًا، وهو رقم خطير في بلد تعاني نسبة ضخمة من سكانه من الفقر وينفقون نسبة كبيرة من دخلهم على الطعام.

وقالت دن: إنَّ سبب تخفيض الولايات المتحدة تدريجيًا من المساعدات الاقتصادية، يعود جزئيًا إلى صعوبات تطبيق برامج مع الحكومة المصرية إلى جانب الخلافات المستمرة بين المسؤولين الأمريكيين والمصريين حول الإصلاحات الضرورية. وبينما رحب بعض المسؤولين المصريين ببرامج الإصلاح المتفق عليها، من التدريب والمساعدة التقنية، فإنَّ آخرين أعاقوا أو أحبطوا هذه البرامج وضغطوا للحصول على مساعدة نقدية. وقالت دن: إنَّ الجانب الأكثر سوءًا من هذا السلوك يتمثل في الحملة القاسية ضد منظمات المجتمع المدني الأمريكية التي تنفذ برامج مساعدة في مصر، والمنظمات أو الأفراد العاملين معها، وهو سلوك لا يصدر عن شريك في التنمية.

وقالت دن: إنَّ هناك فرصة مع الإدارة الأمريكية الجديدة لإعادة تقييم المساعدات إلى مصر لتخدم مصالح الولايات المتحدة ومصر، أي الشعب المصري عمومًا، لا الجيش فحسب. وذكرت دن بعض التوصيات التي من شأنها تحقيق هذا الغرض، أهمها: أن تكون المزيد من المساعدة الأمنية مشروطة بوقف القتل خارج إطار القانون، والتعذيب، والاختفاء القسري، والانتهاكات الخطيرة الأخرى لحقوق الإنسان التي ينفذها الجيش المصري سواء في سيناء أو غيرها. ذلك أنَّه لا معنى لمساعدة الحكومة على مكافحة الإرهاب في الوقت الذي تفاقم فيه هذه الحكومة من المشكلة، مع احتمالية استخدام المعدات الأمريكية في هذا الأمر.

اقرأ أيضًا: الرسمي 30% والحقيقي 100%.. 7 أسئلة تشرح لك حكاية التضخم في مصر

وفي الجانب الاقتصادي أوصت دن بتكريس معظم المعونة الاقتصادية الجديدة إلى المنح الدراسية المبنية على الاستحقاق لأصحاب التعليم العالي أو المهني في مؤسسات ذات كفاءة، سواء في مصر أو خارجها. واستمرار المساعدة المباشرة لمنظمات المجتمع المدني المصرية. وعدم إعطاء دعم مالي للحكومة في ظل الظروف الحالية، سواء في صورة تحويلات نقدية أو ضمانات قروض، لأنَّ هذه الأموال سوف تختفي سريعًا دون فائدة ملموسة للمواطنين المصريين أو الولايات المتحدة.

واختتمت ميشيل دن بأنَّ الولايات المتحدة قد ساعدت بالفعل في معالجة المحكومة المصرية لمشكلاتها المالية عندما دعمت الطلب المصري بالحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، وعندما شجعت المملكة العربية السعودية على تقديم نفط لمصر بقيمة عدة مئات من ملايين الدولارات شهريًا.

هل تحتاج مصر إلى مزيد من الدبابات؟

ثانيًا: ملخص شهادة إليوت أبرامز، الزميل بمجلس دراسات الشرق الأوسط للعلاقات الخارجية.

بدأ أبرامز حديثه إلى أعضاء اللجنة الفرعية المختصة بمناقشة مسألة المعونة إلى مصر بالقول إنَّ ثمة تشابهًا كبيرًا بين هيكل المساعدة الأمريكية إلى مصر وهيكل الجيش المصري، وهو أنَّ كليهما قد أنشئ منذ عقود خلت، وكليهما بحاجة إلى إعادة التفكير والتطوير.

وقال بعد أن استعرض بيانات المعونة المدفوعة لمصر سنويًا: إنَّ الشرق الأوسط قد تغير، وإنَّ مصر كانت – منذ عقود – أكثر الدول العربية نفوذًا، وكان موقفها من كل أمر ذي بال في المنطقة أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة. وقال: إنَّ الولايات المتحدة كانت إذا أرادت تحقيق شيئًا، أو حجبه، في جامعة الدول العربية، فعادة ما كان الأمر لا يستغرق أكثر من محادثة مع الرئيس المصري. كانت مصر محورية بالنسبة إلى «عملية السلام» الإسرائيلية الفلسطينية. أما اليوم، فليس لمصر دور هام فيما يتعلق باليمن أو العراق أو سوريا، بل لم يعد لها دور في الوساطة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

اقرأ أيضًا: الأساطير الثلاثة المؤسسة للعلاقات المصرية الأمريكية!

وقال أبرامز: إنَّ هذه المعونة ينبغي أن يكون لها غرض محدد. وتساءل: ما الذي نريده مقابلها؟ لماذا نعطي هذه المعونة؟ وقال: إنَّ من الإنصاف أن نقول: إنَّ الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى رشوة مصر أو مكافأتها على علاقاتها مع إسرائيل، فكما رأينا في مدة حكم الرئيس مرسي، فحتى الحكومة التابعة للإخوان المسلمين لم تقطع العلاقات الدبلوماسية، ولا التعاون الأمني مع إسرائيل، لأنَّ هذه العلاقات تصب في مصلحة مصر.

وأكد أبرامز أنه ينبغي أن تكون المعونة الأمريكية مبنية على الرغبة في استقرار مصر لتكون قادة على هزيمة خطر الإرهاب التي تواجهه، وأن تحمي حدودها وتساعد على استقرار المنطقة، وأن تظل في حالة سلام مع إسرائيل، وأن تساعد الشعب المصري أيضًا على الوصول إلى نظام أكثر ديمقراطية وأكثر احترامًا لحقوقهم الإنسانية.

وأضاف: أنه لن ينسى أبدًا حوارًا له مع عضو الكونجرس الراحل توم لانتوس، وقت إدارة جورج دبليو بوش عندما سأله لانتوس: «قل لي صراحة، هل تعتقد أنَّ مصر بحاجة إلى المزيد من الدبابات أم المزيد من المدارس؟»

إنَّ ثمة تشابهًا كبيرًا بين هيكل المساعدة الأمريكية إلى مصر وهيكل
الجيش المصري وهو أنَّ كليهما قد أنشئ منذ عقود خلت، وكليهما بحاجة إلى
إعادة التفكير والتطوير.

وتحدث أبرامز عن الجيش المصري قائلًا: إنَّ الهدف الأمريكي هو مساعدة هذا الجيش على محاربة الإرهاب، ومع ذلك فلا يزال الجيش المصري قوة مصممة لخوض حرب تقليدية ــ ضد إسرائيل. وينفق الجيش المصري أمولاً طائلة على تطوير قدراته التقليدية. واستعرض أبرامز الصفقات العسكرية التي أتمتها مصر منذ وقت قليل مع فرنسا وروسيا وألمانيا. وتساءل عند مدى ملائمة هذه الأسلحة، وهذا التدريب، لمواجهة جماعات مثل داعش.

وطرح السيناتور مشكلة أخرى متعلقة بالدعم العسكري لمصري متمثلة في عدم قدرة الجانب الأمريكي على تتبع مصير كل المعونة وأنَّ مصر تعيق الجهود الأمريكية لتتبع مليارات الدولارات مستشهدًا بتقرير لمكتب المحاسبة الحكومية أشير فيه إلى «أن الاستجابات الحكومية المصرية غير المكتملة أو البطيئة لبعض الاستفسارات قد حدت من الجهود الأمريكية للتحقق من استخدام وأمن بعض المعدات، بما في ذلك معدات الرؤية الليلية، ومعدات مكافحة الشغب». يضاف إلى هذا مشكلة حقوق الإنسان، إذ جاء في التقرير ذاته أنَّ الحكومة الأمريكية قد أكملت بعض، لا كل، الفحص المطلوب في مجال حقوق الإنسان قبل تقديم التدريب أو المعدات إلى قوات الأمن المصرية.

اقرأ أيضًا: تعرف على أبرز صفقات الأسلحة التي أبرمتها وتسلمتها مصر منذ يوليو 2013

وقال أبرامز: إنه على الرغم من عدم إمكانية التشكيك في رغبة الحكومة المصرية في القضاء على الإرهاب وهزيمة داعش في سيناء، فإنَّ استراتيجيتها تبدو فاشلة، وإنَّ الهجمات الإرهابية التي أصبحت روتينية، صارت تصاحبها ردود أفعال مصرية عنيفة ينتج عنها ضحايا مدنيون. وأنَّ قوات الأمن المصرية لا تزال تقتل عددًا كبيرًا من المدنيين في عملياتها لمكافحة الإرهاب، وضرب أمثلة على ذلك حادث مقتل السياح المكسيكيين عام 2015، والفيديو الذي ظهر حديثًا ويبدو فيه عناصر من الجيش المصري وهم يطلقون النار على محتجزين غير مسلحين ثم يلفقون الحادثة لتبدو كما لو كانت نتيجة لمعركة.

واستشهد أبرامز بتحليل لمؤسسة كارنيجي ذكر فيه أنَّ عنف الدولة ضد المدنيين أدى إلى إشعال غضب السكان ضد الجيش وتحويل بعضهم لتعاطفهم من الجيش إلى المتمردين الذين صار ينظر إليهم باطراد على أنهم وسيلة للانتقام، وأنَّ القمع العنيف، والعدد الكبير من الضحايا المدنيين، والاعتماد المتزايد على استخدام القوة الجوية والأسلحة الثقيلة لم يؤد إلا إلى استعداء السكان المحليين.

إنَّ الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى رشوة مصر أو مكافأتها على
علاقاتها مع إسرائيل، فحتى الحكومة
التابعة للإخوان المسلمين لم تقطع العلاقات الدبلوماسية ولا التعاون الأمني
مع إسرائيل، لأنَّ هذه العلاقات تصب في مصلحة مصر.

وقال أبرامز: إنَّ العنف ليس العامل الوحيد لاستعداء أهالي سيناء، وإنما التجاهل أيضًا، إذ يحرم عليهم الحصول على أي منصب كبير في الدولة، ولا يمكنهم العمل في الجيش، ولا الشرطة، ولا القضاء، ولا الوظائف الدبلوماسية. إلى جانب عدم تنفيذ أية مشروعات تنمية في شمال سيناء منذ أربعين عامًا. وقال: إنَّ هذه الطريقة لا يمكن بها كسب ولاء المواطنين ضد الإرهابيين.

وقال أبرامز: إنَّ مصر تتصرف بطريقة سوف تجعل منها مصنعًا للجهاديين. وقال: إنَّ ثمة ما يقدر بـ60 ألف معتقل سياسي في مصر اليوم ـ وهو ما يعني أفرادًا لم يرتكبوا أي جرائم عنف. إنك لو أخذت آلافًا من الشباب ووضعتهم في السجن وضربتهم وعذبتهم وحبستهم لفترات طويل مع جهاديين حقيقيين، فالنتيجة النهائية هي زيادة عدد الجهاديين. واستعرض أبرامز الظروف القاسية التي يعاني منها السجناء داخل السجون المصرية وما يتعرضون له من تشدد في أفكارهم واعتناق لأفكار داعش.

علاقات أمريكية جديدة أقل تسامحًا مع الانتهاكات في مصر

ثالثًا: ملخص شهادة توم ماليونسكي، مساعد وزير الخارجية السابق أمام اللجنة الفرعية للاعتمادات بمجلس الشيوخ الأمريكي:

قال ماليونسكي: إنَّ مظاهرات ميدان التحرير خلقت ما بدا فرصة حقيقة لمساعدة المصريين على بناء بلد ديمقراطي، لكنَّ هذه الآمال سرعان ما تلاشت؛ لتصبح مصر حالة كلاسيكية لدولة تتعارض فيها المصلحة الأمريكية طويلة المدى بوجود حكم أفضل واحترام لحقوق الإنسان، مع الحاجة المباشرة للتعاون مع دولة مهمة في الأمور الأمنية.

وأضاف: إنَّ ثمة تصورًا ما عن مصر يحدد تعامل الإدارات الأمريكية معها منذ عقود، وهي أنها دولة مهمة في المنطقة، لكن ينبغي أن ننظر إلى مصر في ضوء ما أصبحت عليه: دولة تمتص المساعدات من الولايات المتحدة ودول الخليج، وتعامل سخائنا على أنه حق مكتسب، في الوقت الذي لا تسهم فيه تقريبًا أي إسهام إيجابي في أمن المنطقة أو رخائها. وصحيح أنَّ مصر قد حافظت على معاهدة السلام مع إسرائيل، لكنَّ هذا أمر لم تفعله تنازلاً لأجلنا، وإنما فعلته لمصلحتها الخاصة.

المكان الوحيد الذي مارست مصر فيه نفوذًا مستقلًا هو ليبيا، حيث لم تزد الأمور بتدخلها إلا سوءًا. وقال: إنَّ الجيش المصري يأخذ المعونة الأمريكية في الوقت الذي يرفض فيه بثبات النصيحة المقدمة مع هذه المعونة بأنَّ محاربة التمرد في سيناء يكون بتأمين السكان لا معاقبتهم. ونتيجة لذلك نما التمرد وزاد الإرهاب في مصر منذ تولي الرئيس السيسي الحكم.

كانت مصر محورية بالنسبة إلى «عملية السلام» الإسرائيلية الفلسطينية. أما
اليوم، فليس لمصر دور مهم فيما يتعلق باليمن أو العراق أو سوريا، بل لم يعد
لها دور في الوساطة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وأوضح ماليونسكي أنَّ الحكم الرشيد، ومكافحة الإرهاب لم يكونا من أولويات الجيش المصري في السنوات الأخيرة، بل كان جل تركيزه منصبًا على الحفاظ على هيمنته على الحكم والاقتصاد في مصر. ولتحقيق هذا الغرض، كثف الجيش من اضطهاده للمعارضين السياسيين ومنظمات المجتمع المدني المستقلة.

واستعرض السيناتور بعضًا من انتهاكات حقوق الإنسان من اعتقال دون محاكمة لسنوات طويلة دون تهم، مثل ما وقع لآية حجازي المفرج عنها حديثًا، أو لمجرد المشاركة في مظاهرة أو الانتماء لحزب سياسي. وذكر الظروف القاسية في السجون التي تجعل الكثير من المعتقلين عرضة لدعاية داعش.

وركز ماليونسكي – بشكل خاص – على مواجهة الحكومة المصرية لمنظمات المجتمع المدني والقانون الجديد الذي تبناه البرلمان في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، والقاضي بإخضاع منظمات المجتمع المدني لإشراف الحكومة، ومنع العمل الذي لا يتلاءم مع أولويات الحكومة. وتجلى التطبيق العملي لهذا القانون في إغلاق الحكومة المصرية، في شهر فبراير (شباط) الماضي، المنظمة الرئيسة في مصر التي تعمل لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب.

اقرأ أيضًا: «فوربس»: أمريكا تغطي انتهاكات حقوق الإنسان في مصر بـ 6.5 مليار دولار

وقال ماليونسكي: إنَّ أسوأ أنواع الاضطهاد تختص به المنظمات التي تلقت دعمًا من الولايات المتحدة. وتساءل ماليونسكي عن معنى أن يأخذ الجيش المصري مليارات من الدولارات من أمريكا، في الوقت الذي تسعى فيه الدولة المصرية، وجماعات الضغط التابعة لها في واشنطن للحض على المزيد من الشراكة، ثم في الوقت ذاته يحاكم أبرز من يرتكب ما يسمى بجريمة الشراكة مع الولايات المتحدة أو تجمد حساباتهم البنكية.

كل هذا، بحسب ماليونسكي، جزء من حملة أكبر تقودها الدولة المصرية والإعلام الموالي للحكومة. بل إنَّ الرئيس السيسي نفسه كثيرًا ما تكلم عما يراه خطر «حروب الجيل الرابع» ــ وهي الحروب التي عرفها مسؤولون آخرون في الجيش المصري، علانية، بأنها جهد تبذله الولايات المتحدة ودول غربية أخرى لإضعاف مصر من خلال الترويج لقيم الديمقراطية وتمويل منظمات المجتمع المدني.

وكانت وسائل الإعلام المملوكة للدولة قد روجت خلال السنوات الأخيرة للرسالة القائلة بأنَّ الولايات المتحدة تهدف إلى تدمير مصر من الداخل. وقال: إنَّ بعض هذه الاتهامات منافية للعقل. من ذلك أنَّ إحدى الصحف سودت صفحة كاملة تدعي فيها أنَّ أفلام «هانجر جيمز» تحتوي رسائل تحض المصريين على الثورة ضد الدولة.

إنَّ الحكم الرشيد، ومكافحة الإرهاب لم يكونا من أولويات الجيش المصري في السنوات الأخيرة، بل كان جل تركيزه منصبًا على الحفاظ على هيمنته على الحكم والاقتصاد في مصر.

لكنَّ ذلك ليس أمرًا مضحكًا، فهذه البروباجاندا تصل إلى عدد من الناس أكثر بكثير مما تصل إليه أي دعاية لداعش وتحرض على العداء العميق للولايات المتحدة. وكان قد أثير هذا الموضوع مع الجنرال السيسي خلال إدارة أوباما، فخفف السيسي من تعليقاته منذ ذلك الحين. لكنَّ المشكلة الأكبر في وسائل الإعلام المصرية لا تزال مستمرة، وينبغي أن تكون الإدارة الأمريكية أقل تسامحًا مع ذلك، بحسب ماليونسكي.

وللتعامل مع الموقف الحالي، قال ماليونسكي: إنَّ المسؤولين الأمريكيين قد أنفقوا عددًا لا يحصى من الساعات مع نظرائهم المصريين في السنوات الأخيرة محاولين إقناعهم بالإصلاحات الاقتصادية، وتحسين الاستراتيجيات العسكرية، واحترام حقوق الإنسان، لكنَّ ذلك كله كان بلا طائل. وليس من المحتمل أن ينجح الاستمرار في هذه الجهود في تحسين الأوضاع. وقال إنَّ أي جهود لتحسين العلاقات سوف تخربها الأفعال المصرية، ما سوف يتطلب استجابة أمريكية.

والفيديو الذي ظهر الأسبوع الماضي لجنود من الجيش المصري وهم يعدمون سجناء في سيناء، يبدو أنهم قد نقلوا على عربات همفي أمريكية مثال واضح على هذا الأمر. إنَّ مثل هذه الحادثة قد تتطلب، طبقًا لقانون ليهي، تعليق المساعدة إلى القوات في سيناء ما لم يعاقب المسؤولون عن هذا الحادث. وقال ماليونسكي: إنَّ أي تغيير للأوضاع في مصر لن يحدث إلا من الداخل، وسوف يستغرق وقتًا طويلًا. لكنَّ ثمة ما يمكن للولايات المتحدة فعله في هذا الوقت:

1.  إذا كان من الصعب تغيير الطريقة التي تعامل الحكومة المصرية بها الشعب المصري، فيمكننا بكل تأكيد أن نغير الطريقة التي تعاملنا بها. ينبغي ألا يكون هناك أية درجة من درجات التسامح مع إساءة معاملة المواطنين الأمريكيين – الذين لا يزال عدد منهم معتقلين ظلمًا – ولا التسامح مع استمرار البروباجاندا المعادية لأمريكا في وسائل الإعلام الحكومية، ولا التسامح مع اضطهاد الأفراد أو منظمات المجتمع المدني المرتبطة بأمريكا. إنَّ التبعات السريعة على مثل تلك التصرفات سوف تردع الحكومة المصرية وتؤدي في النهاية إلى علاقات أمريكية مصرية أصح.

2. ينبغي تجنب السياسات والتصريحات التي تجعل الولايات المتحدة تبدو متواطئة أو مشرعنة لانتهاكات الحكومة المصرية. يعني هذا عدم المدح غير المستحق للجنرال السيسي أو التلميح بأنَّ التزامه الخطابي بمكافحة الإرهاب يبرر الجرائم التي تغذي الإرهاب. ويعني هذا إنفاذ قانون ليهي وابتعاد وكالات الأمن المصرية المسؤولة عن الاضطهاد السياسي.

3. ينبغي أن تستمر الولايات المتحدة في الإدانة العلنية لانتهاكات حقوق الإنسان، جنبًا إلى جنب مع الأوروبيين وحلفاء آخرين.

4. ينبغي تجنب تعزيز الشعور المصري بأنَّ المعونة الأمريكية حق مكتسب. لقد أنهت إدارة أوباما المعونة العسكرية في صورة نقدية، وينبغي المحافظة على هذا الأمر. إذ ليس من المعقول أن يكون دافعو الضرائب الأمريكيون مسؤولين عن تمويل ميزانية الدفاع المصرية بصرف النظر عما تفعله الحكومة المصرية.

اقرأ أيضًا: «جبل الحلال» في خمس سنوات.. 3 تطهير و4 اقتحام: دعاية النظام المصري غير الدقيقة في سيناء

وتساءل ماليونسكي – في نهاية شهادته – عن معنى تقديم معونة لهذه الحكومة المصرية التي لا تقوم إلا بالقليل لتحقيق الأمن الإقليمي، والتي تستمر في رفض النصائح الأمريكية، وتصف أمريكا لشعبها على أنها العدو؟ وقال: إنه لا يقصد أنَّ هذه المعونة وسيلة ابتزاز للحصول على مقابل من مصر، لكنه يريد إنفاق المال بشكل أكثر اتزانًا.

إنَّ هذه المعونة ينبغي أن تكون مفصلة لدعم جهود الجيش المصري في حماية حدود وشعبه من الإرهابيين. لكن ينبغي التوقف عن دعم شراء طائرات ودبابات تريدها مصر للتباهي في العروض العسكرية، أو من أجل حرب افتراضية مع واحدة من جيرانها. وإنَّ أغلب هذه المعونة البالغ قيمتها 1.2 مليار دولار، ينبغي إعادة توجيهه إلى حيث يمكن تحقيق شيء ما، وحيث تقدر هذه المعونة حق قدرها.

وقال السيناتور: إنَّ هذا القدر من الأموال كاف لتأمين دخول كل الأطفال السوريين اللاجئين إلى المدارس. أو تقديم المزيد من الدعم الذي تحتاجه تونس الديمقراطية ضد المقاتلين الأجانب العائدين من الخارج ولتحسين اقتصادها. ويمكن بهذا المال استعادة الحكم سريعًا إلى المناطق المحررة في العراق وسوريا. يمكن فعل الكثير بهذا المال لمساعدة ضحايا المجاعة في اليمن إلخ.

واختتم ماليونسكي حديثه قائلًا: إنَّ السياسة الخارجية الأمريكية سوف تستفيد من هذا التخصيص الأكثر عقلانية للمعونة الخارجية، كما سوف تستفيد العلاقة مع مصر – بمرور الوقت – لو استطاعت الولايات المتحدة إنهاء هذه السياسة التي عفا عليها الزمن، ووقف هذا الدعم الذي لا يمكن لأي أحد في الحكومة الأمريكية أن يقدم أي مبرر إيجابي له.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد