نشرت مجلة «فاست كومباني» الأمريكية مقالًا لـ ديريك ليموين، الأستاذ المشارك في الاقتصاد بجامعة أريزونا الأمريكية، تناول فيه الأضرار التي تلحق بالاقتصاد جرَّاء الحرارة الشديدة، وذلك تزامنًا مع موجات الحر غير المسبوقة التي يشهدها عددٌ من المدن الغربية.

البيئة

منذ شهر
«نيويورك تايمز»: تغير المناخ يضرب تركيا.. وشكوك حول حرق متعمد للغابات

يستهل الكاتب مقاله بالقول: من المرجح أن يكون صيف 2021 هو الأكثر حرارة على الإطلاق؛ إذ تشهد عشرات مدن العالم الغربي ارتفاعًا قياسيًّا في درجات الحرارة.

وتسببت الحرارة الشديدة التي تعاني منها أنحاء كثيرة من الولايات المتحدة في مقتل مئات الأشخاص، واشتعال الحرائق في الغابات، وتفاقم الجفاف في أكثر من 12 ولاية أمريكية.

ويطرح الكاتب سؤالًا: كيف يؤثر ارتفاع درجات الحرارة في الاقتصاد ككل؟ ثم يجيب قائلًا: بصفتي خبيرًا اقتصاديًّا دَرس تأثيرات الطقس والتغير المناخي، فقد استعرضتُ مجموعة كبيرة من الدراسات التي تجد رابطًا بين ارتفاع الحرارة والنتائج الاقتصادية. وفيما يلي أربع طرق تؤثر من خلالها الحرارة الشديدة في الاقتصاد وتُحدِث أضرارًا في حركته، ولا يخلو الأمر من بعض الأخبار الجيدة أيضًا.

الحرارة الشديدة وانخفاض النمو الاقتصادي

يلفت الكاتب إلى أن الأبحاث المختصة وجدت أن الحرارة الشديدة يمكن أن تُحدِث ضررًا مباشرًا في النمو الاقتصادي. على سبيل المثال: وجدت دراسة أجريت عام 2018 أن اقتصادات الولايات المتحدة تميل للنمو بوتيرة أبطأ خلال فصول الصيف الحارة نسبيًّا. وتظهر البيانات أن النمو السنوي ينخفض بنسبة 0.15 إلى 0.25 نقطة مئوية لكل ارتفاع في الحرارة بمقدار درجة واحدة فهرنهايت فوق المعدل الطبيعي الذي تشهده الولاية عادةً في فصل الصيف.

وفي القطاعات المتخصصة في الأعمال الخارجية المعرَّضة لتقلبات الطقس، مثل البناء، يقضي العمَّال ساعات أقل في العمل عندما يكون الطقس أكثر حرارة. كما يؤثر ارتفاع درجات الحرارة في الصيف حتى في القطاعات التي تعمل في الأماكن المغلقة، بما فيها البيع بالتجزئة والخدمات والتمويل؛ إذ تقل إنتاجية الموظفين عندما يكون الطقس أكثر حرارة في الخارج.

اقتصاد العالم وانخفاض إنتاجية المحاصيل

يؤكد الكاتب أنه من الواضح أن الزراعة من الصناعات المعرَّضة لتقلبات الطقس؛ إذ تنمو المحاصيل في الهواء الطلق. وفي حين أن درجات الحرارة التي تصل إلى 58 – 90 فهرنهايت (29 – 32 درجة مئوية) تساعد في نمو المحاصيل، تنخفض إنتاجية المحاصيل عندما ترتفع درجات الحرارة فوق هذا المستوى. وهناك بعض المحاصيل التي تتضرر بشدة من ارتفاع درجات الحرارة مثل: الذرة وفول الصويا والقطن. وقد يكون هذا الانخفاض في الإنتاجية مُكلِفًا لقطاع الزراعة في الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images

ويقول الكاتب إنه وجد في دراسة حديثة أجراها أن ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجتين مئويتين إضافيتين يبدِّد أرباح نحو فدان من الأراضي الزراعية في شرق الولايات المتحدة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما حدث عام 2010 عندما دُمِّر محصول القمح الروسي نتيجة موجة الحر التي تعرَّضت لها البلاد؛ ما أدَّى إلى ارتفاع أسعار القمح في جميع أنحاء العالم.

ارتفاع درجات الحرارة وزيادة استهلاك الطاقة

يشدد الكاتب على أنه من الطبيعي عندما يكون الطقس حارًّا أن يزداد استهلاك الطاقة؛ إذ يعمد الناس والشركات إلى استخدام مكيفات الهواء وغيرها من وسائل التبريد بأقصى طاقتها من أجل تقليل درجات الحرارة داخل منازلهم ومكاتبهم.

ووجدت دراسة أُجريت عام 2011 أن يومًا إضافيًّا واحدًا فقط ترتفع فيه درجة الحرارة أكثر من 90 فهرنهايت يزيد من استهلاك الطاقة السنوي المنزلي بنسبة 0.4%. وتُظهر الأبحاث الحديثة أيضًا أن استهلاك الطاقة يزداد أكثر في المناطق الأعلى حرارة، ربما لأن عددًا أكبر من المنازل أصبح يمتلك مكيفات هواء.

ويلفت الكاتب إلى أن هذه الزيادة في استخدام الكهرباء في الأيام الحارة تشكِّل عبئًا على شبكات الكهرباء في الوقت الذي يشتد فيه اعتماد الناس عليها، كما رأينا في ولايتي كاليفورنيا وتكساس أثناء موجات الحر الأخيرة عندما تسبب العبء الزائد في انقطاع الكهرباء. وهذا الانقطاع يكون مُكلّفًا جدًّا للاقتصاد؛ إذ قد يفسد مخزون المواد الغذائية والسلع الأخرى، وتلجأ شركات الأغذية إلى تشغيل المولِّدات الكهربائية أو الإغلاق. على سبيل المثال، بلغت خسائر الانقطاع في التيار الكهربائي في ولاية كاليفورنيا عام 2019 نحو 10 مليارات دولار.

التعليم والعائدات أيضًا يتضرَّران

ومن الآثار الطويلة المدى لارتفاع درجات الحرارة التي يلفت إليها الكاتب هو تأثير الطقس الحار في قدرة الأطفال على التعلُّم، والتأثير تبعًا لذلك على عائداتهم ودخولهم في المستقبل. فقد أظهرت الأبحاث أن ارتفاع درجات الحرارة أثناء الفصل الدراسي يقلل من التحصيل الدراسي للأطفال؛ إذ تنخفض درجات الطلبة في مادة الرياضيات أكثر عندما ترتفع درجات الحرارة أكثر من 70 فهرنهايت (21 درجة مئوية). أما فيما يخص مادة القراءة، فيبدو أنها أكثر مقاومة للحرارة! ويزعم القائمون على البحث أن ذلك يتوافق مع الاستجابات المختلفة لأجزاء الدماغ مع درجات الحرارة.

Embed from Getty Images

وأظهرت إحدى الدراسات أن الطلاب الذين يلتحقون بمدارس تفتقر لمكيفات الهواء يتعلمون بنسبة 1% أقل مقابل كل زيادة بمقدار درجة فهرنهايت في متوسط درجات حرارة العام الدراسي. ووجدت الدراسة أيضًا أن طلاب الأقليات يتأثرون أكثر في سنوات الدراسة الأشد حرارة لأنهم غالبًا ما يلتحقون بمدارس تفتقر لمكيفات الهواء.

ويؤدي فقدان التعليم إلى انخفاض عائدات الطلاب على مدى سنوات حياتهم ويضرُّ بالنمو الاقتصادي مستقبلًا.

وفي الواقع، يبدأ تأثير الحرارة الشديدة على تطورنا حتى قبل ولادتنا؛ إذ وجدت الأبحاث أن الراشدين الذين تعرضوا لدرجات حرارة شديدة وهم أجِنَّة في بطون أمهاتهم، تكون دخولهم أقل في مختلف أطوار حياتهم. وكل يوم إضافي يكون معدل الحرارة فيه أعلى من 90 فهرنهايت (32 درجة مئوية)، يقلل أرباح الشخص بعد 30 عامًا بنسبة 0.1%.

مكيفات الهواء تساعد إلى حد ما

يمكن لمكيفات الهواء أن تعكس أثر هذه العوامل؛ إذ وجدت الأبحاث أن وجود مكيف هواء يعني أن عددًا أقل من الناس يموتون، ولا يتأثر تعليم الطلاب ولا يؤدي ارتفاع حرارة الطقس في الخارج إلى حدوث ضرر على الأجِنَّة.

ولكن ليس كل الناس لديهم مكيفات هواء في منازلهم، خاصة أولئك الذين يقطنون المناطق الباردة في المعتاد مثل ولاية أوريجون وواشنطن وكندا التي شهدت ارتفاعًا غير معتاد في درجات الحرارة هذا العام. هذا ولا يُعد امتلاك مكيفات الهواء أو القدرة على دفع تكاليف تشغيلها أمرًا متاحًا للجميع. فقد وجدت بيانات استقصاء أُجري عام 2017 أن حوالي نصف المنازل في شمال غرب المحيط الهادئ تفتقر لمكيفات الهواء، والأمر كذلك لحوالي 42% من الفصول الدراسية في الولايات المتحدة.

وبينما يظهر أن موجات الحر تحث العائلات على اقتناء مكيفات الهواء، إلا أنها ليست هي الدواء الناجع. وبحلول عام 2100، يمكن أن يؤدي استخدام مكيفات الهواء إلى زيادة استهلاك الطاقة السكنية بنسبة 83% على مستوى العالم. وإذا كانت هذه الطاقة تأتي من الوقود الأحفوري، فقد ينتهي بها الأمر إلى زيادة موجات الحر التي كانت السبب في زيادة الطلب على مكيفات الهواء في المقام الأول.

ويختم الكاتب مقاله بالقول: وفي جنوب الولايات المتحدة، حيث تنتشر مكيفات الهواء في كل مكان، تحمل فصول الصيف الأكثر حرارة من المعتاد التأثير الأكبر في النمو الاقتصادي المجمل للولايات المتحدة. وبعبارة أخرى، ستواصل الاقتصادات تعثرها في ظل ارتفاع درجات الحرارة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد