لن نبالغ إذا قلنا إنه إذا أردت فهم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بما في ذلك صراع الروايات والحقائق القاسية التي تجعل السلام حلمًا بعيدًا، فعليك الذهاب إلى الخليل.

يصحب مراسل «بزنس إنسايدر»، هاريسون جيكوبس، متابعيه في جولة صادمة عبر مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية في فلسطين، المدينة التي تقارن بمدينة القدس من حيث أهميتها الدينية عند أتباع الديانات السماوية الثلاثة: الإسلام، والمسيحية، واليهودية، بعين فلسطينية وعين إسرائيلية، في محاولة لفهم الصراع المحتدم منذ بداية القرن العشرين.

يذكر الكاتب في بداية التقرير أن مدينة الخليل مدينة مركزية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعلى الرغم من انتهاء الانتفاضة الفلسطينية الأولى في الضفة الغربية وقطاع غزة بتوقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، تطلّب تهدئة الوضع في الخليل مفاوضات منفصلة.

يقول هاريسون: «أردت من زيارتي للخليل أن أفهم حقيقة الوضع في المنطقة بعيدًا عن شواطئ تل أبيب». ويذكر أنه قرر مرافقة اليهودي الأرثوذوكسي إلاهو ماكلين كدليله في المدينة، والذي انتقل من أمريكا إلى إسرائيل قبل 20 عامًا. ينظم ماكلين، مؤسس مبادرة «صناع سلام القدس»، جولة تحت اسم «السرد الثنائي» في الخليل.

وكما أن الخليل مقسمة، فالجولة أيضًا مقسمة: نصف الجولة يقودها ماكلين عبر المناطق اليهودية في الخليل لعرض الرواية الإسرائيلية، والنصف الآخر يقوده دليل فلسطيني داخل المناطق الفلسطينية في الخليل لعرض الرواية الفلسطينية.

وفيما يلي صور الجولة وتعليقات الكاتب كما وردت من مصدرها:

تقع الخليل على بُعد 35 كم للجنوب من مدينة القدس في الضفة الغربية، وتعد أكبر مدينة في فلسطين من حيث التعداد السكاني، حيث يقطن المدينة اكثر من 200 ألف فلسطيني وحوالي ألف مستوطن إسرائيلي. ويعني اسم المدينة ذات المعنى في اللغة العربية والعبرية، وهو الصديق.

Harrison Jacobs/Business Insider

تحمل المدينة رمزية دينية كبيرة للديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية على اعتبار أنها موقع الدفن لعدد من الأنبياء والشخصيات المذكورة في الكتاب المقدس. عاش اليهود والعرب معًا في مدينة الخليل منذ بداية القرن العشرين، لكن حركات العصيان العربية عام 1929 أدت إلى مقتل حوالي 67 يهوديًا ودفعت بالبقية خارج المدينة.

يظهر في الصورة الجنرال الإسرائيلي ريحافام زيفي في الوسط، وزير الدفاع الإسرائيلي موشي دايان على اليسار، يتحدثون إلى مواطن فلسطيني في الخليل في شهر يونيو (حزيران) من عام 1967 في صورة أثناء حرب عام 1967.

سيطرت الأردن على الخليل بعد حرب عام 1948، لكنها خسرتها مع بقية الضفة الغربية في حرب الأيام الستة عام 1967. تقبع المدينة تحت الاحتلال العسكري منذ ذلك الوقت. انتقلت أول مجموعة من المستوطنين عام 1968 لتعلن عن بدء حركة الاستيطان وتأسيس مجتمعات إسرائيلية على أراضي فلسطينية.

تسيطر السلطة الفلسطينية على المنطقة H1، وهي المكان الذي تعيش فيه الغالبية العظمى من الفلسطينيين. بينما تخضع H2 للسيطرة العسكرية الإسرائيلية ويعيش فيه حوالي 30 ألف فلسطيني وحوالي ألف مستوطن إسرائيلي. المدينة المثيرة للنزاع تطلبت اتفاق سلام ثانٍ بين إسرائيل وفلسطين في وسط التسعينات. المدينة مقسمة إلى جزئين: H1 وH2، منذ توقيع اتفاقية الخليل عام 1997.

متظاهر فلسطيني يركل إطارًا محترقًا خلال اشتباكات مع القوات الإسرائيلية في الخليل، في الضفة الغربية المحتلة، 31 مارس (آذار) 2018.

 شكل خطف وقتل ثلاثة مراهقين إسرائيليين بالقرب من الخليل الشرارة التي بدأت الصراع بين غزة وإسرائيل في عام 2014. عندما تبدأ التوترات في الارتفاع، كما حدث في وقت سابق من هذا العام عندما نقلت الولايات المتحدة سفارتها من تل أبيب إلى القدس، فغالبًا ما تشتعل الخليل أولًا.

صورة يتحدث فيها ماكلين أمام الهيكل الديني الذي يعود تاريخه إلى ألفي عام والمعروف باسم كهف البطاركة عند اليهود والمسجد الإبراهيمي عند المسلمين.

 في اليوم الذي زرت الخليل مع ماكلين، كانت المدينة هادئة. تهدف جولات السرد الثنائي التي يقوم بها ماكلين في مدينة الخليل إلى مساعدة الزوار على فهم جانبي النزاع. وقال ماكلين في بداية الجولة: «في بعض الأحيان أحب أن أدعو جولتنا هذه جولة التنافس في لعب دور الضحية: من يستطيع التنافس والفوز بتعاطفك كأكبر ضحية».

بعد مقدمة قصيرة من ماكلين، التقى فريق التقرير محمد المحتسب، الفلسطيني البالغ من العمر 27 عامًا، والذي سيكون مرشدهم السياحي الآخر. يقول الكاتب: تذوقنا الحياة في الخليل لأول مرة عندما مررنا بهذا الحاجز العسكري حتى نتمكن من زيارة المسجد الإبراهيمي.

المسجد الإبراهيمي، كما هو معروف للمسلمين، أو كهف البطاركة، كما هو معروف لليهود، يقال إن فيه مقابر إبراهيم وسارة وإسحق وربيكا ويعقوب وليا.

بنى الملك هيرود العظيم هذا المبنى قبل ألفي عام، ويعد أقدم مبنى استمرت فيه ممارسة الصلوات بلا انقطاع في العالم بين يهود، ومسيحيين، ومسلمين طوال ذلك الوقت. يحتفظ المبنى بسلسلة من القبور التذكارية لشخصيات من الكتاب المقدس، على الرغم من أن البعض يعتقد أنها مدفونة بالفعل بقبور حقيقية أسفل المبنى.

بعد حرب الأيام الستة، خضع المسجد للسيطرة اليهودية لأول مرة منذ ألفي عام، دخل اليهود حينها المبنى لأول مرة منذ 700 عام. يحتوي سقف المسجد على عمارة عثمانية ومملوكية وعمارة تعود حتى إلى العصر الصليبي.

رجل فلسطيني يحمل ابنه الجريح إلى غرفة الطوارئ في مستشفى بالقدس في 25 فبراير (شباط) 1994، إثر حادثة إطلاق نار داخل المسجد الإبراهيمي في الخليل.

جرت العديد من الهجمات في أو بالقرب من الحرم الإبراهيمي منذ عام 1967، كثير منها استهدف اليهود، لكن الهجوم الأسوأ حدث في فبراير من عام 1994، عندما فتح مستوطن إسرائيلي من أصول امريكية النار على المسجد فقتل 29 فلسطينيًا وأصاب 125 آخرين بجروح. تعرض الرجل للضرب حتى الموت على يد الناجين في المسجد.

وفي حين أدانت الحكومة الإسرائيلية الهجوم، إلا أن ردهم لا يزال حاضرًا في أذهان الفلسطينيين بحسب محمد المحتسب. أغلق جيش الاحتلال الإسرائيلي المسجد لمدة تسعة أشهر، وفرضت حظر تجول لمدة شهر على السكان الفلسطينيين، كما أغلقت الشارع التجاري الرئيس في الخليل للفلسطينيين، وأقامت نقاط تفتيش عسكرية. قسم المسجد بعد هذه الحادثة إلى جانب مخصص للمسلمين، وجانب مخصص لليهود.

وقال المحتسب، وهو يحمل بطاقة الهوية الفلسطينية: «عندما يتم إعلان حظر تجول، فإنه يطبق علينا نحن الفلسطينيين فقط. بإمكان أي شخص آخر أن يزور المدينة وهي فارغة إذا أراد. إذا أردت وصف الخليل في بضع كلمات: للزوار حقوق أكثر من السكان».

بعد زيارة المسجد توجهنا إلى شارع الحرم في البلدة القديمة في الخليل، وهو عبارة عن منطقة مكتظة كثيفة الأزقة. تعتبر المنطقة جزءًا من منطقة H2 التي تسيطر عليها إسرائيل، لكنها تعمل كمنطقة عازلة؛ كونها منطقة لا تخضع لأية سلطة يخلق العديد من المشاكل، وفقًا لما ذكره المحتسب. فلا الجيش الإسرائيلي ولا الشرطة الفلسطينية تملك صلاحيات هناك؛ مما يجعل من الصعب على السكان الإبلاغ عن الجرائم أو المضايقات.

في أعقاب مجزرة عام 1994 والتجزئة الرسمية للمدينة في عام 1997، أغلق الجيش أكثر من 500 متجر في البلدة القديمة. كما أغلق 1100 متجرًا إضافيًا في السنوات التالية بسبب القيود المفروضة على وصول كل من الزبائن والموردين. بدأ الحي في العودة إلى الحياة في السنوات الأخيرة بسبب جهود لجنة إعادة التأهيل في الخليل، والتي ساعدت على فتح وتجديد أكثر من ألف منزل، و120 محلًا تجاريًا.

نقاط التفتيش العسكرية المأهولة من قبل الجنود تراقب المنطقة. المستوطنون الإسرائيليون يعيشون في شقق فوق المحلات الفلسطينية في البلدة القديمة. يتم فصل الاثنين عن طريق الأسلاك الشائكة والشباك المعدنية. قال حسام زملوط، سفير فلسطين لدى الولايات المتحدة، لـ«ذي أتلانتك» في العام الماضي: «لا أعتقد أن بإمكانك مساواة الوضع في الخليل بأية مدينة أخرى في العالم، إن الوضع العام وعلى مدار سنوات وسنوات لا يطاق».

يمتلك جمال مرقه وعائلته متجرًا في البلدة القديمة منذ أجيال، إلا أنه أُغلق من قِبل الجنود قبل فترة طويلة. عاد جمال للعمل في متجره قبل بضع سنوات، لكنه قال إنه يتعرض للاستفزاز من المستوطنين بشكل مستمر. يقول جمال «نحن عازمون على البقاء، ولن نستسلم. هذا وطننا».

وقال مرقة: إن المستوطنين الإسرائيليين يرمون القمامة على الفلسطينيين القائمين على المتاجر في الأسفل، كل شيء بما في ذلك القمامة والبول والصرف الصحي. وضع أصحاب المتاجر الشبكة المعدنية لمنع وصول القمامة إليهم. «كل هذا يحدث أمام أعين الجنود. نطلب منهم مساعدتنا، لكنهم يتجاهلوننا»، مضيفًا أن آخر عملية رمي قمامة حدثت قبل ثلاثة أسابيع.

واحدة من الأشياء التي تجعل العيش في الخليل صعبًا، حسب المحتسب، هي التعامل المستمر مع الجنود. يخضع الفلسطينيون في الخليل للقانون العسكري الإسرائيلي والقانون المدني الفلسطيني، لكن القانون العسكري يقول إنه إذا تم تقديم شكوى ضد شخص فلسطيني، فإنه يعامل على أنه مذنب حتى تثبت براءته، بحسب المحتسب، الذي اعتقل مرة واحدة، واحتجز مرات لا تحصى. يتم تقديم الشكاوى معظم الوقت من قبل المستوطنين الإسرائيليين.

صورة لصاحب متجر في متجره بالبلدة القديمة في الخليل. هشام شرباتي ليس في الصورة.

قال هشام شرباتي، وهو من سكان الخليل، المدينة التي عاشت عائلته فيها لأجيال، لصحيفة «جيروزاليم بوست» العام الماضي: إن «الخليل هي صورة مصغرة للاحتلال. كل ما يحدث في ظل الاحتلال – المستوطنات وحظر التجول والغارات والجدران ونقاط التفتيش والباقي – موجود هنا».

لا تزال الخليل تعج بالحركة خارج البلدة القديمة. يشكل اقتصاد المدينة أكثر من 30% من الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية، ويأتي الكثير منها من محاجر الحجر الجيري والمنتجات الزراعية المحلية.

صورة لصاحب متجر في منطقة H1 في الخليل. أشرف ليس في الصورة.

يقول الكاتب: إنه تحدث مع رجل يدعى أشرف في وسط المدينة، وقال إن إغلاق شارع الشهداء، حيث كان يمتلك متجرًا لبيع الملابس، دمره تقريبًا. وأضاف أشرف: «ليس من السهل كسب المال الآن. لو أن الناس يتمتعون بحياة جيدة، لكان هناك مشاكل أقل، لكن الحكومة غير مهتمة بتحسين الأوضاع أو بتقديم المساعدة وأصاب الناس حالة من البؤس، وعندما يصيب الناس حالة من البؤس، يفعلون أشياء سيئة».

قال المحتسب: إن سكان الخليل يعتقدون أن لدى الإسرائيليين ثلاثة أهداف رئيسة في الخليل: استيطان وسط المدينة، بناء طريق بين تلك المستوطنة ومستوطنة أخرى تدعى كريات أربع، وتحويل المنازل الفلسطينية إلى منازل إسرائيلية.

يقول الكاتب: إنه في اليوم الذي زار فيه الخليل في يوليو، شعر بأن المناطق التي يقطنها المستوطنون الإسرائيليون شديدة التوتر، أما في باقي أجزاء المدينة فبدا أن أهل الخليل يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، ولكن – وكما قال المحتسب – يمكن في أية لحظة أن يظهر الجنود الإسرائيليون للتحقق من بطاقات الهوية أو لإجراء عملية، وهذا تهديد يبقى حاضرًا دائمًا في أذهان معظم الفلسطينيين.

قال ماكلين: إن الحديقة في الخارج (في الصورة أعلاه) أُنشئت لإحياء ذكرى عدم السماح لليهود بالصلاة في المعبد بعد الخطوة السابعة من الدرج الخارجي. لمئات السنين إذا تجاوز اليهود تلك الخطوة، تعرضوا للضرب بعنف.

التقى فريق التقرير بماكلين للحصول على المنظور الإسرائيلي. أخبرهم المحتسب سابقًا أن الفلسطينيين يعتقدون أن إسرائيل استولت على 65% من المسجد الإبراهيمي، يعود ذلك إلى كونهم يحسبون الحديقة والتراس في الخارج، لكن ماكلين قال: إن اليهود المتدينين يشعرون أنهم لم يتلقوا سوى قطعة صغيرة من المعبد الفعلي.

القبر التذكاري للنبي إبراهيم عليه السلام

وفقًا للكتاب المقدس العبري، فإن كهف البطاركة هو الكهف الذي اشتراه إبراهيم لدفن زوجته سارة. يُنظر إلى عملية الشراء على أنها أول حالة تملك أرض في إسرائيل، وبالتالي كانت أول خطوة في بناء دولة إسرائيل. بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، تشكل قصة التوراة جوهر ارتباطهم بالأرض، سواء كانوا متدينين أو علمانيين.

قُسّم المسجد/المعبد إلى جانب يهودي ومسلم بعد مجزرة 1994. يظهر تابوت إبراهيم من كلا الجانبين من خلال زجاج مضاد للرصاص. زار ماكلين المسجد لأول مرة قبل ثلاثة أسابيع من المجزرة. كان اليهود والمسلمون يصلون معًا في كثير من الأحيان في ذلك الوقت.

أعطى ماكلين وجهة نظر بديلة في كهف البطاركة لآثار مذبحة 1994، وأقرّ بأن حظر التجوال لمدة أشهر طويلة كان «قمعيًا» على المدى القصير، لكنه قال إن تلك القيود هدأت الأوضاع في الخليل. كان هناك احتجاجات مستمرة واشتباكات بين الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين في ذلك الوقت. قُتل 20 فلسطينيًا، وأصيب 120 آخرون على يد جنود الجيش الإسرائيلي في الأسابيع التالية. وقال ماكلين: «لا أقول إن الأمر كان عادلًا، لكن كان هناك مبرر أمني حقيقي لفرض ذلك».

تماشيًا مع التقاليد اليهودية، فإن الجانب اليهودي من كهف البطاركة بسيط، وغير مبالغ في تجهيزه، مقارنة بالسجاد الفاخر الذي تجده في المسجد، فهو مليء برفوف الكتب الدينية ومناطق للصلاة.

توجهنا إلى منطقة H2 بعد مغادرة المعبد، وهو الجزء الذي تسيطر عليه إسرائيل من المدينة. بدأ اليهود الاستيطان في المدينة في وقت مبكر من عام 1968، ولكن المجتمع هناك لديه فقط حوالي ألف شخص ويشغل حفنة صغيرة من المباني – حوالي 3% من المدينة. تبدو المنطقة – المحظورة على الفلسطينيين الذين لا يعيشون هناك – وكأنها مدينة أشباح.

أشار ماكلين إلى مبنيين سكنيين على الطريق، انتقل المستوطنون للعيش بهم مؤخرًا. يسمونهم بـ«بيت ليا» و«بيت راشيل». وبحسب ماكلين، فإن هذه المباني لم يجر الاستيلاء عليها أو سرقتها، ولكن جرى شراؤها في معاملات عقارية سارية. لم تتأكد الإدارة المدنية – السلطة التي تأذن بشراء العقارات في الضفة الغربية – حتى الآن من صحة المعاملة.

التقينا بجندي في الجيش الإسرائيلي في الطريق – أمريكي يدعى آشر هاجر إلى إسرائيل قبل عامين. قال آشر: إن دوره ووظيفته هما: «الحفاظ على السلام»، بين اليهود والفلسطينيين في المنطقة؛ لأن كليهما يستخدم الشارع، كما قال: «نحن هنا لتوفير الحماية، لكننا لسنا هنا للوقوف إلى جانب أحد ضد الآخر».

كان شارع الشهداء والمنطقة المحيطة به قلب مدينة الخليل التجاري، خاصة وهو موطن لأسواق الجملة والعديد من المحلات التجارية، لكن بعد مجزرة عام 1994 والهجمات الكثيرة في الخليل خلال الانتفاضة الثانية في عام 2000، قام الجيش الإسرائيلي بإغلاق الشارع أمام الفلسطينيين، كما أغلقت القوات الإسرائيلية أيضًا الوصول إلى منطقة H1، وأغلقت المتاجر.

يشير نشطاء فلسطينيون محليون إلى المنطقة باسم شارع الفصل العنصري، في إشارة إلى الاختلاف بين القوانين المفروضة على الفلسطينيين والإسرائيليين. يشير الاسم أيضًا إلى ما يعتبره الفلسطينيون «الإدارة القاسية» للجيش الإسرائيلي.

قُتل حاخام يدعى شلومو يتساك شابيرا في حادث إطلاق نار بسوق الجملة في عام 2002. علّق ماكلين على منطق الجيش الإسرائيلي في سياساته تجاه المنطقة قائلًا: «مع هذه الحوادث واحدة تلو الأخرى، لم يعد لدينا وسيلة للتمييز بين صاحب متجر، ومسلح، أو حتى انتحاري».

تسمى أكبر مستوطنة في الخليل بأفراهام أفينو وتقع في قلب البلدة القديمة، العديد من المباني هناك تطل على السوق الفلسطيني. وقال ماكلين إنه يشك بأن المستوطنين يرمون القمامة بشكل متكرر كما يدعي أصحاب المتاجر الفلسطينية، ولمّح إلى أن أصحاب المتاجر يتركون القمامة هناك للسياح. في غضون ذلك قال: إن المستوطنين مرعوبون من الهجمات الإرهابية، وضع المستوطنون قضبان حديدية على نوافذهم بعد أن جرى طعن فتاة مراهقة في سريرها بكريات أربع في عام 2016.

قال ماكلين: إن اليهود الذين هاجروا من إسبانيا يعيشون في الخليل بحي إبراهام منذ مئات السنين بجانب السكان العرب. كان الهيكل المركزي لليهود هو معبد أفراهام أفينو، الذي بُني عام 1540. هرب اليهود من المدينة في عام 1929 بعد مذبحة قتل فيها 67 شخصًا على يد العرب.

يشير المستوطنون الإسرائيليون إلى المعبد كدليل على تواجد يهودي في الخليل منذ قرون. هُجر المعبد بعد المجزرة وتحول إلى إسطبل للماعز أثناء الحكم الأردني. أعاد نعوم أرنون الإسرائيلي بناءه وترميمه في سبعينات القرن الماضي، ولا يزال المعبد يضم مخطوطات أصلية للتوراة يعود تاريخها إلى قرون بفضل صبي يهودي أنقذها عشية مجزرة عام 1929.

يقول ماكلين عن منطق المستوطنين: «سيقول معظم العالم إن يهود الخليل هم من المستعمرين الصهاينة المحتلين… لكننا نرى أنفسنا مرتبطين روحيًا ومعنويًا بالمجتمع نفسه الذي عاش هنا دائمًا». «أين يقع البلد الطبيعي لشخص يهودي في العالم؟ هل هو بروكلين أم اليمن أم المغرب أم العراق، أم أي مكان عاش فيه اليهود؟ سيقول اليهود: إن هذا هو المكان، أول مدينة يهودية في العالم».

لم تكن هناك أي مظاهر للحياة في الشارع في منطقة H2، وكانت هادئة بشكل مخيف. أطلق الجيش الإسرائيلي على المنطقة اسم «tzir sterili» أو الطرق العقيمة.

كتب على اللافتة المرفقة على الشرفة اليسرى في هذه الصورة «تحذير: تمت السيطرة على المنطقة من قبل إسرائيل، أنت الآن تدخل الأبارتهيد». على الرغم من أن الفلسطينيين يعيشون في هذه المباني، لا يُسمح لهم بالسير في الشارع، ويجب عليهم بدلًا عن ذلك تسلق الأسقف للوصول إلى منازلهم. تم بناء السياج حول الشرفات لحماية السكان من المستوطنين الذين يرمون الحجارة.

هناك حوالي ألفي جندي من الجيش الإسرائيلي في الخليل، معظمهم في شوارع H2. تبدو المنطقة في بعض الأحيان وكأنها معسكر عسكري يضم سيارات جيب ومجموعات من الجنود تمر باستمرار. جرى إيقافنا عدة مرات من قبل الجنود حتى يتمكن ماكلين من شرح أنه مرشد سياحي.

يسيطر الفلسطينيون على معظم الضواحي المحيطة بالخليل، لكن واحدة من أكبر الضواحي هي مستوطنة كريات أربع التي تضم حوالي 8 آلاف مستوطن إسرائيلي. يُعرف المستوطنون هناك بكونهم خليطًا من المهاجرين الباحثين عن سكن رخيص ومتطرفين يمينيين.

في عام 1979 قامت مستوطنة تدعى ميريام لفينغر وعدد من الأتباع اليهود بالاستيلاء على هذا المبنى، وأطلقوا عليه اسم بيت هداسا. بدأ الحاخام موشي لفينغر، زوج مريم، حركة الاستيطان في عام 1968 عندما احتل هو وأتباعه فندقًا في الخليل. نقلهم الجيش الإسرائيلي إلى كريات أربع، حيث استقروا بشكل دائم. ما زال المستوطنون يعيشون في بيت هداسا اليوم.

في قبو بيت هداسا يوجد متحف تاريخ الخليل، والذي يحيي الوجود اليهودي في الخليل عبر التاريخ. فيه غرفة مكرسة بالكامل لمذبحة 1929، والتي وصفها المؤرخ هيليل كوهين بأنها «السنة صفر للصراع العربي الإسرائيلي». وأشار ماكلين إلى أن جزءًا من التاريخ أُهمل، وهو أن الأسر العربية المحلية أنقذت 435 يهوديًا في المدينة بتخبئتهم أثناء أعمال الشغب.

اتجهنا بعد ذلك نحو تل رميدا، وهو أحد المناطق التي تشكل جزءًا من أقدم موقع في الخليل. ركّب الجيش الإسرائيلي هذه البوابة بعد عدة عمليات طعن تعرض لها الجنود.

يعيش الفلسطينيون والمستوطنون الإسرائيليون في تل الرميدا. تكسب العديد من العائلات الفلسطينية التي تعيش في الحي رزقها من خلال الأعمال الزراعية في الأرض. الجنود دائمًا بالقرب. التقطت هذه الصورة بعد أن قام أحد الجنود بتوجيهي بعيدًا عند محاولتي تصوير الحاجز، الذي يبدو على جانب إطار الصورة الآن.

قال ماكلين: إن الإسرائيليين لا ينظرون إلى الجنود في الخليل كقوة احتلال، بل كحماة أبطال ولازمين على «أول خطوط المواجهة» في النزاع.
موقع حادثة إطلاق نار أزاريا

لكن حوادث مثل حادثة إطلاق نار في مارس من عام 2016، عندما أطلق جندي يبلغ من العمر 19 عامًا يدعى إيلور أزاريا النار على فلسطيني حاول طعن جنود، تعزز رواية «المحتل». كان عبد الفتاح الشريف، الرجل الفلسطيني، قد طعن جنديًا من الجيش، وجُرح وسقط على الأرض عندما أطلقت أزاريا النار على رأسه. أثار تصرف أزاريا جدلًا وطنيًا في إسرائيل. أُطلق سراحه في مايو (أيار) وناداه المجتمع الاسرائيلي بالبطل.

يعيش العديد من المستوطنين في تل الرميدا في منازل مقطورة. بني آخر مبنى استيطاني دائم في الخليل عام 2002، بعد مقتل الحاخام شلومو رعنان في المنطقة. حسب رواية ماكلين، قامت عائلة فلسطينية في الجهة الأخرى من الشارع برفع العلم الفلسطيني في اليوم التالي لحادثة قتل الحاخام.

حتى شيء بسيط مثل بستان زيتون عمره ألف عام، كهذا البستان في تل الرميدا، يتحول إلى مصدر للصراع. يُعرف أن المستوطنين الإسرائيليين يهاجمون المزارعين الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون؛ لأن المستوطنين يدعون أن الأرض ملك لهم. سأل ماكلين «هل تعرفون المفارقة المثيرة للسخرية هنا؟ أن الزيتون وغصن الزيتون رمزان للسلام ووضع حد للنزاع». وقال ماكلين إنه يتمنى لو أن الطرفين يحصدان معًا وأن يبيعا الزيت بضعف السعر تحت اسم: زيت السلام في الخليل.

يعلق الكاتب عن جولته قائلًا: إن يومًا واحدًا في مدينة الخليل لا يكفي للخروج باستنتاجات كثير عن الصراع، فهو لم يواجه أية هجمات فلسطينية، ولم يعش تحت الاحتلال، وذلك يمنعه من أن يفهم وجهة نظر أي من الطرفين بشكل كامل.

لكنه قال إن الفلسطينيين الذين التقى بهم والقصص التي قرأتها وسمعها عن الصعوبات التي يعيشونها ترتكز على الحاضر أكثر من قصص ماكلين أو المستوطنين، فقد بدا أن وجهة نظر المستوطنين بدأت في الأزمنة التوراتية، أو في عام 1929، بينما ركز الفلسطينيون بشكل أساسي على صعوبة حياتهم اليومية. إلا أن الوضع العام – حسب الكاتب – لا يطاق؛ فالمستوطنون والفلسطينيون ينظرون إلى تواجدهم في المدينة كصورة من صور المقاومة وإلى تواجد الآخر على أنه إهانة.

وكما صرّحت الأمم المتحدة، فإن وجود المستوطنين الإسرائيليين في فلسطين يجعل السلام «غير قابل للتحقيق». من المحتمل أن أية صفقة مستقبلية ستشترط مغادرة المستوطنين لمدينة الخليل، ورفضهم للقيام بذلك سيحولها إلى صفقة مستحيلة.

يختم الكاتب بذكره سؤال ماكلين لهم: إذا كانوا يشعرون بالحيرة بعد انتهاء الجولة ورد ماكلين على سؤاله قائلًا: «هذا جيد، هذا يعني أنكم بدأتم بفهم الصراع».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك