تدعي المؤسسات التجارية الضخمة دومًا حين يواجهها الناس بمساوئها أنَّها تعمل لصالح الشعوب، وتحقق إنجازاتٍ اقتصادية ضخمة للدول التي تعمل فيها، حتى شركات إنتاج الخمور مثل «هاينكن» لا تُستثنى من ذلك، لكن هل الصورة التي تصدرها لنا هذه الشركات حقيقية؟

الإجابة في حالة شركة «هاينكن» هي: لا، وفقًا للتحقيق الذي أجراه الكاتب الهولندي أوليفيير فان بيمن على مدار ست سنوات، ونشره في كتابٍ العام الماضي. وقد نشر أوليفيير تقريرًا عن كتابه في صحيفة «الجارديان» البريطانية.

«بيزنس» الملابس المستعملة.. لا تصل للفقراء مجانًا وأفريقيا أكبر الخاسرين

توسعٌ مذهل في القارة

في مطلع عام 2011، كانت هذه هي المرة الأولى التي أدهشت فيها شركة «هاينكن» أوليفيير. إذ كان في تونس آنذاك لتغطية أحداث ثورة الياسمين وسقوط الرئيس السابق بن علي. وعرف أثناء التغطية أنَّ «هاينكن» تتمع بعلاقاتٍ وثيقة مع عشيرة العائلة الديكتاتورية الناهبة التي حكمت تونس لمدة 25 عامًا تقريبًا، بحسب التقرير.

لم تكن العلاقة فقط هي ما أذهل أوليفيير، لكن حقيقة أن «هاينكن» تدير مصانع للبيرة في تونس. كان أوليفيير يعلم قبل بوجود مصانع للشركة خارج هولندا، لكنَّه لم يكن يدرك أن عددها هو 165 مصنعًا في أكثر من 170 دولة، منها تونس.

قرر أوليفيير في السنة التالية بدء العمل على كتابٍ عن أعمال «هاينكن» في أفريقيا، وحين حكى للناس في هولندا عن خطته، أغرقوه بالقصص الإيجابية. أخبرته واحدةٌ من المتدربات أنها اختارت شركة «هاينكن» دون غيرها بسبب موقفها تجاه المسؤولية الاجتماعية. بعدها توجه أوليفيير لأرشيف الأخبار الهولندية، ووجد العديد من القصص عن عمل الشركة في أفريقيا، بها عناوين مثل: «هاينكن تساعد القارة».

استمر بحث أوليفيير ـ وفق قوله ـ ست سنواتٍ ليعرف ما تفعله «هاينكن» في أفريقيا. وفي رحلاته الأولى القليلة، ذُهل بما سمعه، وكان يشعر بالفخر كرجلٍ هولندي حين أدرك حجم شهرة الشركة هولندية الأصل. بدأت الشركة أعمالها في أفريقيا في الثلاثينات، وقدمت نفسها دومًا على أنَّها شركة فاعلة حققت نجاحًا ملحوظًا في قارة مليئة بالتحديات التجارية، وبها دول تعاني من بنية تحتية سيئة، ومستوى تعليم منخفض، وفساد، وعدم استقرار سياسي.

Embed from Getty Images

لكنَّ الهواجس سيطرت على أوليفيير مبكرًا، ذلك أنَّه اكتشف في سجلات الشركة دعمها في الستينيات للدول البيضاء في جنوب أفريقيا، مثل روديسيا وجنوب أفريقيا والمستعمرتين البرتغاليتين في أنجولا وموزمبيق، وأنَّ مديرًا في الشركة حثَّ زملاءه على ألَّا يقفوا ضد «رسالة وروح الفصل العنصري». وقرأ أوليفيير كذلك عن كمية الأموال الرهيبة التي وجهتها الشركة من أفريقيا لشركةٍ تابعة في سويسرا، ساحبةً بذلك مصدر مال مهم من الحكومات الجديدة في الدول المستقلة.

سمع أوليفيير أيضًا خلال رحلاته في القارة عن صناديق البيرة المجانية التي كانت تُهدى للنخب فيبوروندي، ورأى شعار الشركة مرسومًا على جدران مدارس صغيرة في نيجيريا، وشهد أوكار الشرب في  بلدة سويتو الجنوبية. كذلك رأى بنفسه في الكونغو العلاقة المريحة المقلقة بين قسم العلاقات العامة في مصنع البيرة من ناحية، وبين الصحافيين المحليين من ناحية أخرى. واتضح له بعد ذلك أنَّ كل المشكلات التي تواجهها الشركة في القارة لم تكن محض مصادفة، بل كانت جزءًا من نمط متبع تتبناه الشركة.

بدأ أوليفيير في لحظةٍ ما يدرك أنَّ إشارة «هاينكن» لصعوبات العمل في أفريقيا هي جزء من سردية يُبالغ فيها في إنجازات الشركة، بينما تُحمَّل مسئولية الأخطاء التي تقع فيها على عاتق آخرين. وهي رسالة تقول الشركة فيها: «إنَّ عمل مصنع جعة في هذه الظروف معجزة، وإنَّها تقدم الكثير من الأمور الجيدة للناس والكوكب».

الجزء المفقود في هذه السردية بالنسبة لأوليفيير هي أنَّ بعض الصعاب الواضحة التي تواجهها الشركة كانت مفيدةً لها بشكل مدهش. على سبيل المثال، تفشل الحكومات الضعيفة في المحافظة على خدمات الطرق والصحة، ما يدفع الشركات لإيجاد حلولٍ مكلفة ماديًا، وهو ما يعيق المشروعات التجارية.

لكن من الناحية الأخرى، يتيح غياب القانون في هذه الدول لشركة «هاينكن» بيع مشروباتها والدعاية لها دون القلق بشأن اللوائح التنظيمية. بالإضافة إلى أنَّ بينما يمكن أن تمثل مستويات التعليم المنخفضة عائقًا أمام توافر الأشخاص المؤهلين للعمل، لكنَّها ضارة نافعة للشركة؛ إذ تسمح بانتشار معلوماتٍ عن المميزات «الإيجابية» لشرب البيرة.

في عام 2013، وصف جان فرانسوا فان بوكسمير، المدير التنفيذي لشركة «هاينكن»، قارة أفريقيا بأنَّها «أهم سرٍ في عالم التجارة الدولية». فالمنافسة التي تواجهها الشركة في بعض الدول الأفريقية محدودة للغاية وفقًا لأوليفيير، إلى حد أنَّ سعر الزجاجة الواحدة في أفريقيا هو نفس سعرها في أوروبا، وأحيانًا أغلى، رغم أنَّ تكاليف الإنتاج أقل.

وحسب آخر إحصائيات «هاينكن» المنشورة عام 2014، تجارة البيرة في أفريقيا أكثر ربحية بنسبة 50% تقريبًا مقارنةً بأي مكانٍ آخر، وبعض الأسواق مثل نيجيريا مثلًا تحتل مرتبةً بين أكثر الأسواق ربحيةً في العالم.

يتابع أوليفيير تحقيقه، ويشير إلى تحذيرٍ وجهه له فان بوكسمير، إذ قال له في مقابلتهما الأولى: «لا تحول ما تفعله إلى حملةٍ ضد «هاينكن». ما زلتَ صغيرًا لتفعل ذلك»، لكنَّ أوليفيير يؤكد أنَّ هذا ليس مقصد تحقيقه، لأنه ليس موجهًا لشركة «هاينكن» بالتحديد، بل هو دراسة حول الطريقة التي تعمل بها الشركات الدولية في أفريقيا، فسلوك الشركة يشبه منافسيها والعديد من الشركات الغربية الأخرى في رأيه.

هدف أوليفيير من الرحلة هو توفير صورة دقيقة عن شركة تتحدث بصخب عن قصة نجاحها المفترض في أفريقيا، والتي أُشيد بها داخل هولندا وخارجها، وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة.

الصورة الحقيقية

تصف «هاينكن» عامليها في دليل قواعد السلوك الخاص بها بأنَّهم «أعظم مواردنا»، لذا حاول أوليفيير تسليط الضوء على طبيعة العمل لصالح شركة «هاينكن» في أفريقيا. يقول إنَّه للوهلة الأولى بدا الأمر جيدًا.

في البداية قابل أوليفيير عددًا من الموظفين السابقين لدى الشركة، والذين ينظرون بفخرٍ إلى مسيرتهم المهنية، سواءٌ كان عملهم هو حمل الصناديق فقط أو إدارة الصناعة. واكتشف أنَّ أجورهم منخفضة نسبيًا، لكن «هاينكن» تعوضهم بكونها شركة تهتم بموظفيها وتشجعهم.

Embed from Getty Images

التقى أوليفيير ضمن مقابلاته مديرًا سابقًا رواندي الجنسية، كانت وظيفته الأولى هي مهندس صيانة، وسأله عن رأيه في العمل داخل الشركة، فأجاب: «إذا كنتَ عاملًا بسيطًا، لن تجني الكثير من المال، لكن المشرفين وطاقم العمل في المستويات الأعلى يتقاضون أجورًا مجزية، وحين بدأتُ عملي هناك، كانت المناصب الإدارية متاحةً أكثر مقارنة بالشركات الأخرى. إذا أديت عملك بإتقان، تنال التقدير وربما تحظى بترقية».

ووفقًا لأوليفيير، هناك أيضًا إيجابيات يحصل عليها الموظفون الناجحون، مثل سيارات الشركة، والأجهزة اللوحية. ويقدر الموظفون كذلك الدورات التدريبية الكثيرة المتوفرة لهم.

ويشير أوليفيير إلى أنَّه ليس هناك مخطط لإدارة معاشات التقاعد الخاصة بمعظم طاقم عمل «هاينكن» في أفريقيا، لكن في نهاية مسيرتهم المهنية، يحصلون عادةً على مكافأة نهاية خدمة جيدة، ويستخدم بعضهم المال لبدء شركاته الخاصة، ويستشهد أوليفيير بموظفين سابقين أنشأوا مزرعة أسماك، وأعمال استشارية، ومخبز، بينما بقي آخرون مخلصين لعملهم القديم وفتحوا حانات.

لكنَّ العمالة الوافدة من الخارج تحصل على ميزاتٍ أكثر من الآخرين، إذ توفر لهم الشركة غالبًا فيلاتٍ فاخرة مجانية في أماكن العمل المحلية أو بالقرب منها. ورغم ارتفاع عدد المديرين الأفارقة ككل في القارة، لكن الموظفين الوافدين من أوروبا يحتلون قمة التسلسل الوظيفي.

إذ يشير الصحافي إلى أنَّ الأوربيين يرأسون تسعًا من 13 شركة تابعة لشركة «هاينكن»، ويرأس الأفريقيون في المقابل أربع شركات فقط. ويكشف التقرير السنوي لشركة «هاينكن» عام 2014 أنَّ الموظفين المبتدئين في مواقع العمل بنيجيريا يتقاضون ألفي دولارٍ في السنة أو أكثر بقليل، وهو نفس الرقم الذي تمنحه الشركة يوميًا لمديرٍ هولندي في نيجيريا، ناهيك عن العلاوات والحوافز.

وتُعد مسألة السلامة في بيئة العمل مشكلةً كبيرة بالنسبة لموظفي «هاينكن». فوفقًا لإحصائيات الشركة، لقي 150 شخصًا من موظفي الشركة أو المتعاقدين معها من الباطن حتفهم في حوادث متصلة بالعمل بين عامي 2005 و2016، سواءٌ بالسقوط من مرتفعات أو الموت في انفجارات أو حرقًا. وأُصيب آخرون بإعاقاتٍ دائمة نتيجة التعرض للحروق وغيرها من الحوادث. ووفقًا لبيان «هاينكن» الصادر عام 2017، تمثل نسبة هذه الحوادث في أفريقيا 26% من مجمل الحوادث في جميع مواقع الشركة حول العالم.

وبحسب أوليفيير، تستخدم «هاينكن» في أعمالها في أفريقيا بشكلٍ متزايد متعهدين وعمال بلا عقود أو التزامات. وفي العديد من الدول، لا يرقى دخل عُمال اليومية أو العمال المؤقتين إلى «مستوى المعيشة اللائق» الذي تزعم الشركة بأنَّها تهدف إليه. فعامل التنظيف في الكونغو يتلقى راتبًا شهريًا ضعيفًا يتراوح بين 40 إلى 50 دولارًا، وحتى حارس الأمن الذي يتحصل على ثلاثة أضعاف هذا الرقم لا يمكن أن يغطي به نفقات احتياجاته الأساسية.

وعلاوةً على ذلك، لا تملك العمالة الخارجية أي حقٍ في الرعاية الصحية أو غيرها من الخدمات، إذ يتوجب نظريًا على الشركات التي توظفهم توفير هذه الحقوق لهم، لكنَّ امتناعها عن فعل هذا لم يمنع «هاينكن» من التعامل مع تلك الشركات.

وتتبعًا لتلك الحقائق، التقى أوليفيير في مدينة لومومباشي بالكونغو عاملًا مؤقتًا لدي الشركة، أخبره بأنَّه غير مسموح له بأخذ استراحة، وقال: «حين يغادر المديرون لتناول الغداء، يواصل بقية الفريق العمل. ويُفترض أنَّ لنا مطعمًا، لكنَّ الميزانية المخصصة لهذا أُلغيت. ربما لم يعودوا يستخدمون السياط مثلما كانوا يفعلون في الأزمنة الاستعمارية، لكنَّ ضغط العمل شديد، ولا يتناسب مع مرتباتنا».

ثم ضحك العامل بشدة على شعار مؤسسة «براليما» الخيرية المحلية التابعة لـ«هاينكن»، الذي يقول إنَّهم «ملتزمون بتحقيق رفاهية الكونغوليين»، وعلق قائلًا: «ليعتنوا أولًا برفاهية عمالهم».

«وطن الفانيليا» الذي لم يكن ينتمي لأفريقيا.. 6 معلومات قد لا تعرفها عن مدغشقر

فتيات الترويج والدعاية: الأزمة في آسيا وأفريقيا

ينتقل الكاتب إلى مجموعة جديدة من الموظفين يرى أنَّها المجموعة التي يجب أن تنطبق عليها كلمة العامل الأخيرة، وهي «فتيات الترويج»، وهن مجموعة من النساء يُوظفن لزيادة المبيعات في الحانات. يستشهد أوليفيير بما حدث عام 2000 في دولة كمبوديا بجنوب شرق آسيا، إذ لفتت مجموعة من منظمات الإغاثة النظر إلى المخاطر التي تواجهها فتيات الترويج أثناء تأدية عملهن، وقالت إنَّ نساء الترويج أقرب إلى كونهن «يعملن في مجال الجنس بشكلٍ غير مباشر». فهن يجنين القليل من المال، ويتعرضن للتحرش، ويُضغط عليهن لممارسة الجنس مع الزبائن، ويُعرضن لخطر الإصابة بفيروس الإيدز.

وفقًا للكاتب، استجابت «هاينكن» للمسألة، وأنشأت مجموعة عمل داخلية لحل المشكلة في آسيا. لكن في حديثه مع هانز ويسلنج، المدير السابق لقسم الموارد البشرية، قال هانز: «كانت المشكلة آنذاك صعبةً، لأنَّنا لم نعين هؤلاء الفتيات من خلالنا مباشرةً، وكان الكثير من الفتيات يرحلن سريعًا عن العمل».

وأضافت كاتينكا فان كراننبرج، الإدارية التنفيذية السابقة بشركة «هاينكن» التي تولت مسؤولية حل المشكلة في قسم الموارد البشرية، إنَّ الشركة لم تبدأ في الاهتمام بالمشكلة واتخاذ إجراءٍ حقيقي إلا بعد ورود شكوى من مساهمٍ مهم في الشركة.

وتابعت: «داخليًا، دعونا للالتزام بالأخلاق، وحقوق المرأة، لكن تطلب الأمر خطابًا غاضبًا من أحد المستثمرين كي نحقق نتائج أفضل». ثم أصدرت الشركة سلسلة من التوجيهات عُنونت باسم: «سياسة عمل فتيات الترويج: بيع البيرة بأمان»، بعدها تلقت الشابات تدريبًا، ووعدت الشركة بمحاولة توفير ظروف عمل أفضل لهن.

وفي مطلع عام 2003، ووفقًا للوثائق الداخلية، أصبحت الشركة على علم بوجود مشكلةٍ مماثلة في أفريقيا. وعلَّق المتحدث الرسمي للشركة آنذاك لصحيفةٍ يومية هولندية قائلًا: «الأمر غير مهم، إنَّهن مثل الفتيات اللاتي تقابلهن بينما تسير في الشارع في هولندا، يوزعن المجلات المجانية التابعة لمحطة إذاعية خاصة بينما يلبسن فساتين تحمل شعارها».

Embed from Getty Images

عاد الكاتب مرةً أخرى لويسلنج، الذي عمل في في «هاينكن» من عام 1991 إلى 2005. قال ويسلنج: «كان لدينا فتيات ترويج في أفريقيا، عرفنا ذلك رغم إنكار الشركة. والمشكلة هناك كانت معضلةً أكبر لأنَّنا كنا نطبق سياسة ناجحة لمكافحة الإيدز في أفريقيا». فسر الكاتب تلك السياسة شارحًا أنَّه منذ عام 2001، حصل المصابون بالإيدز من موظفي «هاينكن» وأسرهم على علاجٍ مجاني مدى الحياة يستمر حتى بعد التقاعد أو الفصل. وصاحبت العلاج استشاراتٌ مجانية، وأوقية ذكرية مجانية، واختبارات فيروس المناعة، ولقيت الشركة جراء هذه الإجراءات إشادةً واسعة في أنحاء العالم، وبين الساسة الأمريكيين.

وتابع ويسلنج: «منح هذا رجالنا في أمريكا قصةً رائعة، لذا لم يكن أي شخص ليدمر هذه الصورة الإيجابية بسبب أنَّ فتيات الترويج الأفريقيات يبعن البيرة في أحلك الظروف. الأفضل كان أن نصور هذا كعرفٍ محلي».

واستشهد الكاتب بتحقيقٍ أجرته الشركة داخليًا، كشف عام 2007 أنَّ «هاينكن» تستخدم نحو 15 ألف امرأة للدعاية على مستوى العالم، معظمهن في الدول غير الغربية. وقُدِّرت ما لا يقل عن 70 سوقًا من أسواق الشركة باعتبارها خطرةً على فتيات الدعاية؛ لأنَّ العمل إما تضمن إساءاتٍ جنسية أو كان يؤدي إليها، بالإضافة إلى الأجور المنخفضة، أو الإجبار على ارتداء ملابس كاشفة.

وكان 16 سوقًا من هذه في أفريقيا، وظروفها غير ملائمة للعمل، وقيل إنَّ «هاينكن» استخدمت هناك نحو ألفي امرأة للدعاية. ووفقًا للوثائق الداخلية، خلت السوق في دولةٍ إفريقية واحدة فقط من المشكلات.

اختارت «هاينكن» لإجراء التحقيق متدربًا يبلغ عمره 21 عامًا؛ ما أضفى طابعًا  في رأي الكاتب أنَّ الشركة لا تعتبر المسألة مهمة. وقال المتدرب السابق دييجو سينتوريون تعقيبًا على ذلك: «دُهشت آنذاك حين طلبوا مني تولي هذه المسألة الدقيقة والمهمة».

وكشف المزيد من البحث في الكونغو، البلد الذي أُبلغ فيه عن معظم الانتهاكات، أنَّ الإساءة الجنسية لم تأت فقط من الزبائن، بل أيضًا من طاقم العمل داخل الشركة. إذ أشار تحقيقٌ داخلي في إحدى فقراته: «الشكوك الضخمة في إمكانية الاحتفاظ بالوظيفة، إلى جانب غياب حقوق الموظف القانونية، كل هذا جعل فتيات الدعاية عرضة للاستغلال من أطرافٍ مختلفة».

يشرح الكاتب أشكال الاستغلال الذي تعرضت له النساء في الكونغو، إذ يقول: إنَّ الفتيات اللاتي كن يحصلن على أجورٍ منخفضة اضطررن لممارسة الجنس مع المديرين للحفاظ على وظائفهن. لكنَّهن من ناحية أخرى، أُلزمن بترتيب كل شيءٍ بأنفسهن إذا أردن الذهاب إلى طبيب نساء أو إجراء عملية إجهاض، ودفع التكلفة كذلك. واضطرت النساء أيضًا إلى شرب من خمس إلى 10 زجاجات كبيرة من البيرة يوميًا لإقناع الزبائن باستهلاك كمياتٍ أكبر.

ما الذي جنته مؤسسة «براليما» الخيرية التابعة لشركة «هاينكن» في الكونغو من هذا كله في ما يتعلق بالمبيعات؟ حاول أوليفيير معرفة الإجابة على ذلك السؤال. وأجابه عليه مدير سابق في الشركة قائلًا: «لا أظن أنَّ الأمر استحق العناء. كان كل شيء فوضويًا. حين حدثت هذه التجاوزات في كمبوديا، حصلنا أيضًا على القواعد الجديدة، لكنَّها لم تغير أي شيء.

عينت الإدارة لفترة سيارات أجرة لتوصيل الفتيات لبيوتهن ليلًا، ثم قررت أنَّ هذا مكلف للغاية. حصلت الفتيات على مرتبات أقل من الحد الأدني للأجور، واستغلهن طاقم الموظفين في «براليما». وكن في الغالب يعانين من مشكلات، ومعرضات للخطر. ونظرًا للأجر القليل الذي دفعناه، كن مضطرات للذهاب مع الرجال إلى المنازل».

وأضاف ستيفان فان ديربورت، مدير الشئون الصحية العالمية السابق في «هاينكن»، أنَّ الشركة جربت في وقتٍ ما استخدام الرجال للدعاية، وفسر: «أردنا إزالة الرابط بين الدعاية والجنس، لكنَّ الأمر لم ينجح. وواجهنا مشكلة أخرى، وهي أنَّنا استخدمنا متعاقدين من الباطن بهدف المرونة، لأنَّنا في بعض الأوقات نحتاج العديد من الفتيات للحفلات، وفي أوقاتٍ أخرى كانت الأمور هادئة، وهكذا كنا نثقل المتعاقدين بضغط العمل والالتزامات الاجتماعية، بينما تتعرض هاينكن للمساءلة».

التنين الصيني يغزو أفريقيا.. كيف تحولت إثيوبيا مؤخرًا إلى منطقة نفوذ صينية؟

لا حل سوى مواصلة العمل: شهادات حية من الواقع

واصلت فتيات الترويج في الكونغو ونيجيريا العمل رغم الظروف المحيطة بهن، واستطاع الكاتب مقابلة بعضهن. تقول بييس، وهي فتاة تعمل في الترويج في بلدة لاجوس: «كل ليلة، أتعرض للمس رغمًا عن إرادتي، ولا يختلف الأمر سواءٌ كنت أعمل في مقهًى فاخر، أو حانة مشهورة».

وتضيف زميلتها سيلفيا: «نتعلم كيف نتعامل مع هذا الوضع. ويخبروننا أثناء التوجيهات أنَّنا سنجد رجالًا مزعجين، لكن عليكن التعامل معهن لأنَّكن تحاولن زيادة المبيعات وتقوية العلامة التجارية». وتتابع بييس: «نتعلم أنَّ علينا ألا نرد بحدة أو نطلب منهم التوقف، بالابتعاد تجعلهم يدركون أنَّ هذا لا يروق لك».

ويسألها الكاتب إذا كان ثمة من تتحدث إليه من الوكالة التي تعمل لصالحها إذا واصل أحدهم مضايقتها، وتجيب: «نعم، يوجد شخصٌ في بعض الأحيان، لكن ليس معظم الوقت». وتتابع: «إنَّه مكان عام، لن يحدث اغتصاب، إلا لو ذهبت الفتاة مع الزبائن. لكنَّ هذا اختيار. يعتقد مديرنا أنَّنا «إذا كنا لا نحب المداعبة، فعلينا البحث عن عملٍ آخر. لم أعد حتى ألحظ هذا، بل أتوقعه».

يختلف دخل النساء من وكالةٍ لأخرى، لكنَّهن بحسب أوليفيير، أثناء إجراء هذا البحث، كن يتقاضين ثمانية دولارات يوميًا. وفي مدينةٍ باهظة مثل لاجوس، هذا رقمٌ قليل، لكنَّه يتناسب مع الوظائف المشابهة التي لا تتطلب أي مهارات.

Embed from Getty Images

تجازف الكثير من النساء بممارسة الجنس مع الزبائن، وقالت بييس وسيلفيا للكاتب إنَّهن يعتقدن أنَّ نصف زميلاتهن على الأقل يفعلن ذلك. وتفسر بييس دوافعهن قائلةً: «هؤلاء الفتيات يائسات، وعاجزات عن دعم أنفسهن. هذه هي الطريقة التي يجنين بها المزيد من المال». سألهن أوليفيير إذا كان المديرون يحاولون منع ذلك، وتجيب سيلفيا: «بالطبع لا. يعجبهم التصرف بهذه الطريقة لأنَّه يساعد في رفع المبيعات».

وتصدق بييس على رد سيلفيا وتقول: «يحافظن على الفتيات اللاتي تفعلن ذلك، لأنَّهن يجلبن الزبائن».

في لاجوس وحدها وفقًا للكاتب استُغلت مئات أو آلاف النساء لبيع منتجات «هاينكن». والوضع في نيجيريا ليس استثنائيًا. ووفقًا لمصدرٍ استعان به الكاتب، هناك على الأقل 100 امرأة تعملف في الترويج في مدينة كينشاسا عاصمة الكونغو، وعدد مجهول في المدن الكونغولية الأخرى.

وصرح أحد البائعين الذي اعتادوا العمل مع هؤلاء الفتيات للكاتب بأنَّهن «يتعرضن بالطبع للتحرش، فهن فتيات يمكن أن تفعل معهن أي شيء». وقال إنَّهن «عاهرات»، ثم أضاف: «أحيانًا تستخدم «براليما» عاهرات حقيقيات لأنَّهن يعرفن كيف يغوين الزبائن، وهذه ميزة إضافية. لكنَّ الأخريات حازمات، ويضعن حدودًا لا يسمحن للزبائن بتخطيها. ويقضين أوقاتًا صعبة، لأنَّك حين تعمل في حانة، تصبح مستباحًا، والشركة المصنعة لا تهتم بهن».

الاستغلال يطال موظفات الشركة

لكنَّ العنف الموجه ضد النساء في «هاينكن» لا يقتصر فقط على عاملات الترويج، بل يصل إلى داخل فريق العمل نفسه بحسب أوليفيير.

إذ تحدث الكاتب مع مجموعةٍ من الأشخاص أثناء رحلته، وعلم أنَّ النساء الطموحات يضطررن أحيانًا للتصرف بحميمية مع مدير الموارد البشرية (الذي يكون عادةً عضوًا في الفريق المحلي) للحصول على وظيفةٍ أو ترقية. وتعرف العمالة الوافدة من أوروبا في الإدارة بهذه الشائعات، لكنَّهم لا يعتبرون المشكلة ضمن الأولويات التي يجب أن تُولى الانتباه.

ويعود الكاتب مرةً ثالثة لويسلنج، مدير الموارد البشرية السابق، ليسمع منه: «عرفنا في التسعينات أنَّ هناك أمورًا غير مقبولة تحدث في الكونغو. وكان لدينا مدير موارد بشرية  نافذ حافظ على إجراءاتٍ لاختيار الموظفين لن يتم قبولها هنا، واضطرت النساء لتقديم خدمات جنسية للحصول على الوظائف».

وكان فان بوكسمير، المدير التنفيذي الحالي لشركة «هاينكن»، مديرًا عامًا لمؤسسة «براليما» بين عامي 1993 و1996، لكنَّه وفقًا لما قاله ويسلنج، «لم يتصرف بأي شكل حين كان مديرًا عامًا هناك».

وأضافت مصادر داخلية أخرى قصصًا للكاتب عن مديرين وافدين من الخارج إلى أفريقيا أعطوا الوظائف في الشركة لحبيباتهم.

ومن بين هذه القصص، قصة الفتاة الرواندية التي تولت مهمة توريد الوقود لأحد المصانع رغم أنَّ المورد السابق كان أرخص سعرًا وأكثر ثقة. أما في نيجيريا، أعطى مديرٌ وافد الوظائف المكتبية لاثنين من عشيقاته، رغم أنَّهما لم تكونا مؤهلتين لذلك وفقًا لشهادة زملائه. وبحسب المزاعم، كان أحد المديرين الدوليين يطلب إرسال الموظفات اللاتي يريدهن لنفسه للفحص، للتأكد من عدم إصابتهن بفيروس الإيدز.

ردود الفعل على نشر التحقيق

حين نُشر كتاب أوليفيير عن «هاينكن» في هولندا العام الماضي، مرر البرلمان الهولندي قانونًا يطالب سيجريد كاج، وزيرة التنمية والتجارية الخارجية الحالية، بضرورة التصرف بحزم في ما يتعلق بالانتهاكات التي ترتكبها الأعمال التجارية الهولندية في الخارج أو الداخل.

وتكبدت الشركة خسارةً فادحة على إثر الفضيحة، فالصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا المدعوم من رجل الأعمال بيل جيتس علَّق تعاونه مع «هاينكن»، وأزال بنك «ايه إس إن» الألماني شركة «هاينكن» من صندوق الاستثمارات المستدامة، وأوقف كل المعاملات المالية الأخرى مع الشركة.

وراجعت «هاينكن» وفقًا للكاتب تصريحها السابق، الذي ادعت فيه بأنَّ الشركة توظف 200 امرأة فقط للدعاية في دولتين داخل أفريقيا. إذ كشف تحقيقٌ داخلي أنَّ عدد النساء يقدر بأربعة آلاف امرأة، داخل 13 دولة.

وأعلنت الشركة تباعًا سلسلة من التدابير تضمنت قواعد واضحة لا لبس فيها، وتوفير التدريبلت، ومواصفات معينة لزي العمل، ومنع تناول الكحول خلال العمل، وتوفير وسيلة نقل للمنازل بعد انتهاء الدوام. لكنَّ هذه الإجراءات بحسب أوليفيير هي نفس التوصيات التي وُضعت في ورقة السياسات عام 2004، وبقيت بعد ذلك مجرد وعودًا فارغة.

Embed from Getty Images

لكنَّ «هاينكن» قالت إن الوضع هذه المرة مختلف، لذا، في مارس (آذار) الماضي، قدَّمت الشركة وعدًا جازمًا طمأن السياسيين والمسؤولين: «إذا عجزنا عن توفير ظروف عمل جيدة لفتيات الدعاية في أسواقٍ بعينها بحلول نهاية شهر يونيو (حزيران)، سنتوقف عن تشغيلهن هناك».

وفي نهاية صيف 2018، ذهب أوليفيير إلي كينيا ليرى بنفسه إن كانت «هاينكن» قد نفذت وعدها، وقابل ست نساء عاملات في الدعاية أخبرنه جميعًا القصة نفسها: لم يتغير أي شيء. ما زال عليهن قبول التحرش الجنسي ضمن الوظيفة، وما زالت ملابس العمل قصيرة وفاضحة وتشعرهن بأنَّهن عاهرات، وأُجبر بعضهن على ممارسة الجنس مع المديرين.

وقال فان بوكسمير في مقابلةٍ مع صحيفة هولندية بعد شهورٍ من إصدار تقرير أوليفيير إنَّ تقريره عن النساء العاملات في الدعاية «مبالغ فيه» دون تحديد السبب. وأضاف: «لا يمكننا أن نكون مسؤولين عن الطريقة غير اللائقة التي يتعامل بها الزبائن مع المروجات. لا يمكننا السيطرة على كل شيء».

اعتاد فريدي هاينكن، المدير التنفيذي البارز للشركة الذي توفي عام 2002، أن يقول: «لا يشرب الناس البيرة، بل التسويق». ويُعلِّق أوليفيير على ذلك قائلًا: إنَّه فهم أنَّ بيع البيرة بنجاح يتعلق بعلم النفس، والصورة الذهنية، والمشاعر. وبقيت صورة «هاينكن» سنواتٍ غير متأثرة بحقيقة ما تفعله في أفريقيا.

وقال موظف في المقر الرئيس للشركة بأمستردام لأوليفيير عن هذا: «يمكنني أن أقول لك من أعماق قلبي أنَّنا في «هاينكن» نرغب في تحسين الأمور، والمشاركة الإيجابية في المجتمعات التي نعمل داخلها. نحاول الالتزام بالقواعد مهما كانت صعبة، ويؤلمني الاستهانة بهذا والإشارة إلى أنَّ التجارة والتسويق هما كل ما يهمنا. يصعب تكوين جزيرةً من المثالية في محيطٍ من البؤس، لذا رجاءً، لا تشككوا في صدق نوايانا».

يستنكر أوليفيير وصف التصريح لشركة «هاينكن» بكونها «الجزيرة المثالية»، وأفريقيا التي صنعت فيها «هاينكن» ملايين الدولارات خلال القرن الماضي بـ«محيط البؤس»، ويخلص إلى أنَّ هذا فعلًا يوضح غرض الشركة، ويجعلنا نشكك تمامًا في صدق نواياها.

مكبلين بالسلاسل محرومون من الانتحار.. رحلة العبيد الأفارقة فوق سفن التجار

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد