قال تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية إن سياسات إعادة بناء سوريا تصطدم بمعضلة تواجه الدول الغربية، حيث ستتطلب عملية إعادة إعمار البلاد من هذه الدول إما أن تتعاون مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد الذي فرض حصارًا على شعبه بل وقصفه أحيانًا بالغاز، وهو ما من شأنه أن يوطد نظام الأسد، أو الخيار الآخر هو أن تتخلى هذه الدول عن الشعب السوري ليعيش بين الأنقاض.

ورصد تقرير الصحيفة الأمريكية الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها حي الوعر، أحد أحياء مدينة حمص، الذي لم يبق فيه سوى أعداد قليلة من السكان بعد حصار دام ثلاث سنوات ونصفًا، فرضته قوات النظام السوري. ونقل التقرير مشاهد مؤلمة من الحي الذي تهدم فيه أحد أكبر مشافيه، بحيث لم يبق سوى طابقين من طوابقه العشرة قابلة للاستخدام.

وقال التقرير: «إذا كان حي الوعر، الذي استردته الحكومة في الربيع الماضي، يرمز إلى الانتصار الحاسم للرئيس بشار الأسد، فإنه يجسد أيضًا تحديًا يلوح في الأفق مع اقتراب الحرب من نهايتها: سياسة إعادة الإعمار».

اقرأ أيضًا: «التايمز»: الأسد بدأ في توزيع مشروعات إعادة إعمار سوريا.. من المستفيد؟

وأضاف التقرير أن هذا التحدي هو تحد حاسم بالنسبة للأسد كما هو الحال بالنسبة لمنتقديه الغربيين. هل يستطيعون أن ينفقوا المال على نظام جوّع شعبه وقصفه بالغاز أحيانًا؟ أو بعد أن فشل في إسقاط الأسد الذي استطاع بمساعدة روسيا وإيران استعادة جزء كبير من الأراضي التي خسرها منذ ما يقرب من سبع سنوات من الحرب، هل يمكن للغرب أن يتخلى عن شعب سوريا ليعيش وسط الأنقاض؟

ونقل التقرير عن السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة، فرانسوا ديلاتر، قوله: «كيف يمكن تقديم أفضل مساعدة للسكان السوريين المحتاجين من دون توطيد سلطة الأسد هي معادلة صعبة، لكنه المسار الضيق الذي يجب أن نعثر عليه».

250 مليار دولار

وأوضح التقرير أن الحكومات الغربية لديها مصلحة كبرى في هذه المسألة. إن أي أمل في عكس مسار تدفق اللاجئين – وهو مصدر قلق لكثير من السياسيين الأوروبيين – يعتمد جزئيًا على قدرتهم على إعادة توحيد سوريا. كما يمكن أن تكون عقود إعادة الإعمار مربحة للشركات الغربية.

وقال المبعوث الخاص للأمم المتحدة في سوريا، ستيفان دي ميستورا، إن إعادة اعمار سوريا ستكلف ما لا يقل عن 250 مليار دولار.

أطفال سوريون – إدلب، سوريا.

في حي الوعر، وهو أحد أحدث الأماكن التي استردتها قوات الأسد، عُرض على مقاتلي المعارضة صفقة تخيرهم بين الاستسلام أو المغادرة، مع عائلاتهم، إلى الجيوب التي تسيطر عليها المعارضة باتجاه الشمال. وقد خرج عشرات الآلاف من الأشخاص منذ مارس (آذار) إلى مايو (أيار) الماضي. ولا يزال عدد قليل منهم يبلغ 30 ألف شخص، وفقًا للسلطات الحكومية، يملكون الشقق التي تتفجر فيها النوافذ.

قال البنك الدولي إن ما يقرب من خُمس المساكن السكنية في سوريا قد تضررت. وقالت الأمم المتحدة إن واحدة من كل ثلاث مدارس قد تضررت أو دمرت، وأقل من نصف المرافق الصحية في البلاد تعمل.

في أجزاء من حلب، ثاني أكبر مدينة في البلاد، التي استعادتها القوات الحكومية قبل عام، لا تزال مرافق المياه البلدية محطمة، مما يتطلب من لجنة الصليب الأحمر الدولية توصيل المياه بالشاحنات، وهي عملية مكلفة. ولا يزال مركز مدينة حمص التاريخي، الذي خسرته المعارضة في عام 2014 بعد الحصار المدمر، كومة من الركام.

بالنسبة للأسد، أثبتت استراتيجية الحصار كونها أنجع وسيلة لقتل المدن والأحياء من الأعداء من قبل المدنيين الذين يتضورون جوعًا، وحتى مع انتهاء الحرب، فإنه لا يزال يستخدمها، وغالبًا ما تكون لها عواقب إنسانية وخيمة.

وفي الغوطة الشرقية، أدى الحصار الذي فرضته الحكومة إلى ما وصفته الأمم المتحدة مؤخرًا بأعلى معدلات لجوع الأطفال، المسجلة خلال النزاع، حيث أصيب ما يقرب من 12% من الأطفال بسوء التغذية الحاد، وفق ما ذكره التقرير.

اقرأ أيضًا: سوريا وإيران الأسوأ.. تعرف على ترتيب بلدك في مؤشر حرية الإنترنت لعام 2017

آخر ورقة لدى الغرب

ووصفت فيدريكا موغيريني، الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، مساعدات إعادة الإعمار بأنها آخر ورقة لدى الغرب للتأثير على المستقبل السياسي لسوريا، على الرغم من أن تأثير الغرب الآن على مصير الأسد غير مؤكد في أحسن الأحوال. لم تشمل المحادثات السياسية في جنيف في الأسبوع الماضي حتى موضوع مصير الأسد.

ونقل التقرير عن موغيريني قولها رسالة عبر البريد الإلكتروني: «نحن الآن على استعداد للانتقال إلى الخطوة التالية». إلا أنها قالت أيضًا إنه يتعين على الدول الغربية أن تدرك أن مشاركتها «لن تبدأ إلا عندما يتم الاتفاق على الانتقال السياسي في جنيف».

حكومة الأسد، من جانبها، كانت حريصة على الإشارة إلى أن الغرض من تلك المحادثات السياسية يكون بعيدًا عن الهدف الرئيس للمعارضة: خروج الأسد من السلطة.

ستيفان دي ميستورا – منسق الأمم المتحدة لمباحثات سوريا.

وقال علي حيدر، وزير المصالحة، في مقابلة في دمشق: «لقد انتقلنا من فكرة استبدال فريق واحد بفريق آخر إلى مفهوم الشراكة لإنشاء هيكل سياسي جديد». ومع ذلك، أشار حيدر إلى أن الحكومة لم تتمتع إلا بانتصار جزئي. وقال: «في ساحة المعركة نحن في وضع أفضل. سياسيًا نحن في معركة حقيقية».

وفي حمص، ثالث أكبر مدينة في سوريا، رصد التقرير وجود لافتات تذكر بانتصار الأسد العسكري في كل مكان، بما في ذلك عند مدخل فندق تستخدمه الأمم المتحدة مقرًا بالمدينة. وهناك لوحة عملاقة في موقف للسيارات تضم صورة للأسد وهو يبتسم ويقول التعليق أسفل الصورة: «يدًا بيد سنعيد البناء».

حصار مميت

وقد امتد حصار حي الوعر فترةً كانت هي الأطول بين المدن التي حاصرها النظام. خلال أشهر الحصار العصيبة، أحرقت العائلات الأرائك لتحافظ علی الدفء في فصل الشتاء.

توقفت الكهرباء ساعات أو أيامًا. وكانت طوابير الخبز طويلة جدًا، كما ذكر سكان الوعر، إن الناس قاتلوا بعضهم البعض للحصول على ما يكفي من المؤن لأسرهم. خلال أشهر الحصار، ارتفعت تكلفة حليب الأطفال، حتى إن الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية بدأوا ينتقلون إلى المستشفى الذي تديره مؤسسة خيرية. وكانت الإمدادات الطبية نادرة جدًا.

إحدى المدارس السورية – حي الغوطة، سوريا.

وفي أسوأ الأسابيع، ساعد الموظفون النساءَ على الوصول بأطفالهن إلى الطابق السفلي، وهو المكان الأكثر أمانًا من الغارات الجوية. كما استخدم السكان الهواتف المحمولة كمصابيح كهربائية، لتوفير طاقة المولد لاستخدامها في الأوقات العصيبة.

ووصف تقرير صدر مؤخرًا عن منظمة العفو الدولية تهجير قوات المعارضة وعائلاتهم بـ«التهجير القسري» وقال إنه ينتهك القانون الدولي. وقالت المجموعة إن أي مساعدات لإعادة الإعمار يجب أن تضمن عودة المدنيين طوعًا إلى ديارهم بـ«سلامة وكرامة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك