تنتشر مشكلة البدانة لدى الأطفال، وترتبط بمسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي الطريقة الأمثل لمناقشتهم حول هذا الموضوع، وكيفية حثّهم على اتباع نظام غذائي صحيّ، يلتزمون به لمدة كافية تتيح لأجسامهم العودة إلى المؤشرات الحيوية الصحية.

حول هذا الموضوع، كتبت بيري كلاس – الكاتبة وطبيبة الأطفال– مقالًا في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، استهلّته بالحديث حول «كيربو»، التطبيق الجديد الذي طرحته ويت ووتشرز – الشركة العالمية الرائدة في مجال الحميات واللياقة البدنية- في وقت سابق من شهر أغسطس (آب)، وأحدث ضجة كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، وأثار العديد من التساؤلات والانتقادات حول جدوى مثل هذه المقاربات في تشجيع الأطفال على اتباع نظام غذائي صحي.

تركزت ردود الأفعال الصاخبة في مواقع التواصل الاجتماعي حول التطبيق – الذي يستهدف الفئة العمرية من 8 إلى 17 سنة- على الأضرار الناجمة عن الحميات الغذائية المخصصة للأطفال، وما قد ينجم عنها من اضطرابات في تناول الطعام، وضعف الثقة بالنفس، والحلقة المفرغة من فقدان الوزن واستعادته.

وعبّر النقّاد عن قلقهم مما تحمله هذه الخطط الغذائية من تعيير للأطفال بالبدانة، والأثر النفسي السلبي فيهم، وأضاف آخرون – من بينهم كتّاب في صحيفة نيويورك تايمز– أن الأنظمة الغذائية للأطفال لم تنجح من قبل.

هل تفشل الحميات الغذائية في تحقيق المرجو منها؟

استشفت الكاتبة من ردود الأفعال هذه أن القضية لا تتعلق بـ«كيربو» نفسه، وإنما بالكلام الموجه للأطفال الذين يكتسبون وزنًا زائدًا بسرعة أثناء نموهم، وتنقل الكاتبة تحذيرًا على لسان إلسي تافيراس – رئيسة قسم الأطفال في مستشفى ماساتشوستس العام والمختصة في بدانة الأطفال– ضد النهج القائل بأن هذه الأنظمة الغذائية لا تجدي نفعًا.

Embed from Getty Images

وتتساءل الطبيبة: ما الذي علينا فعله تجاه هذا العدد المتزايد من الأطفال المشخصين بالبدانة، بل البدانة المفرطة، وما يرتبط بها من أمراض مزمنة؟ هل علينا التشكيك في جدوى التغيير في النظام الغذائي على صحة الأطفال والتوقف عن تقديم الدعم والعلاج لهم؟ ألا يُعد هذا فعلًا لا أخلاقيًّا؟

تقول الكاتبة: إن كنتَ طبيبًا للأطفال تُواجَه يومًا بعد يوم بأجسام الأطفال في غرفة الفحص، فلا بد أنك لاحظت مؤشر الوزن في جدول النمو وهو يرتفع متجاوزًا النسب المئوية ويخرج عن المعدل المقبول في مقابل الطول.

جداول النمو هي جزء أساسي من عملنا كأطباء أطفال، فنحن نبدأ مع الطفل منذ ولادته ونلاحظ المسارات المختلفة لنموه: الوزن والطول ومحيط الرأس. لأن وظيفة الأطفال هي النمو، وتظهر مؤشرات عافيتهم من خلال النمو الصحي المتناسق، وتظهر المشكلات في أجسامهم أو بيئاتهم بالتباطؤ أو التوقف عن النمو، أو بالخروج عن المسار الصحيح.

تعود الكاتبة وتشير إلى إجابة إلسي، التي تقول إنها لا تخبر الطفل أبدًا بأنها تجعله يتبع نظامًا غذائيًا، وإنما تتحدث عن موضوع الطعام في سياق خطة شاملة تتضمن النشاط البدني والنوم الكافي الذي لا يقل أهمية عن التغذية الجيدة إن كان الهدف هو الحفاظ على وزن صحي.

فاعلية نظام الإشارة الضوئية

كانت إلسي – وهي أستاذة التغذية في كلية الطب في جامعة هارفارد- واحدة من بين كتّاب المقال الذي نُشر يوم الاثنين في مجلة بدانة الأطفال؛ استجابة للجدل الدائر حول « كيربو» والذي جاء بعنوان: دعنا لا نرفض فقط تطبيق «كيربو».

تناول المقال التطبيق الجديد، ولكنه توسّع أيضًا ليشمل مشكلات التحكم في الوزن لدى الأطفال.

وتعبّر ميشيل كارديل – المؤلف المشارك لإلسي، وهي اختصاصية التغذية والبدانة وأستاذ مساعد في كلية الطب في جامعة فلوريدا– عن امتنانها لهذا التطبيق لما أثاره من حوارات بين أناس من مجالات مختلفة ولكنها ذات صلة.

وتقول ميشيل إن أخصائي اضطرابات الطعام، ومتخصصي الرعاية الصحية المعالجون للبدانة لدى الأطفال، واختصاصي البدانة جميعًا فريق واحد، وجميعهم حريصون على صحة الأطفال البدنية والعقلية والعاطفية على حد سواء.

وحول «كيربو» كتبت إلسي وميشيل أن بعض مكونات هذا التطبيق مبنية على علوم التغذية السليمة، بينما بعضها الآخر أكثر إشكالًا. ويستشهدون بدليل يدعم نظام الإشارة الضوئية الذي يستخدمونه في تقسيم الطعام إلى أخضر وأصفر وأحمر، وهو نظام طوّره ليونارد إبستين في ثمانينيات القرن الماضي، استُخدم هذا التقسيم في عدد من إجراءات ضبط الوزن لدى الأطفال ودُرس ووُجد أنه فعّال، ولكن ليس وحده على الإطلاق.

وقال الدكتور كارديل إن نظام الإشارة الضوئية يعد طريقة فعّالة للتحكم في السعرات الحرارية والاستهلاك الغذائي لدى الأطفال، ولكنه وُجد ليكون جزءًا من برنامج أو حزمة متكاملة أكبر تتضمن مشاركة العائلة والاستشارة الطبية. ورغم أن هذا النظام أثبت فاعليته ضمن إجراءات متعددة المكونات، لا يمكن الجزم بفاعليته في كونه نظامًا مستقلًّا موجهًّا فقط للأطفال.

8 سلوكيات شائعة تؤذي الأمهات بها أطفالهن دون أن تشعرن

سلبيات تطبيق «كيربو»

تشير الكاتبة إلى أن الطبيبتين – إلسي وميشيل- قلقتان من استخدام الأطفال لهذا التطبيق بمفردهم دون رقابة الأهل (التطبيق مجاني ويتيح للمستخدمين فرصة الحصول على مدرب افتراضي، الخدمة التي جرى تسويقها بكثافة للآباء)، ولديهما قلق خاص حول تقسيم بعض أنواع الأغذية، وما إذا كان يركز أكثر على الكمية والسعرات الحرارية عوضًا عن جودة الطعام.

Embed from Getty Images

وتعبّر الكاتبتان أيضًا عن استيائهما من الصور المتداولة في قسم قصص نجاح الأطفال في التطبيق؛ كونها تُسلط الضوء على فقدان الوزن والمظهر فقط بدلًا من النمو المتوازن والمتناسق والنشاط الصحي، وتضيف إلسي: «كان عليهم أن يكونوا أكثر دقة، فهذه النماذج ليست نموذجية، وبالتالي فهي ليست مناسبة لعرضها على الأطفال سريعي التأثر».

تخوّف آخر أثاره التطبيق هو أن التركيز الشديد على فقدان الوزن قد يؤدي إلى ضعف الثقة بالنفس، والاكتئاب، واضطرابات تناول الطعام.

واستشهدت ميشيل بمراجعة منهجية نُشرت في مايو (أيّار) تشير إلى أن برامج العلاج المباشر لبدانة الأطفال تقلل من خطورة الإصابة باضطرابات تناول الطعام، هذا لمن يخضع لبرامج غذائية تحت إشراف مختصين، وليس من يعتمد على تطبيقات.

وتضيف ميشيل أنها بالتأكيد لا تريد التقليل من خطورة اضطرابات تناول الطعام، والتي قد تؤدي للوفاة، ولكنها تؤكد على ضرورة اعتبار المشاكل الصحية الأخرى المتعلقة بالبدانة، والتي تهدد واحدًا من كل خمسة أطفال بين عمر سنتين و19 سنة، وواحدًا من كل أربعة أطفال في الطبقات الاجتماعية والاقتصادية المتدنية. فهي ترتبط بأمراض القلب وبعض أنواع السرطانات، وتؤثر أيضًا على صحة الأطفال العاطفية.

أيهما أهم: فقدان الوزن أم نمط حياة صحي؟

توضح بيري أن أي شخص يتعامل مع الأطفال والعائلات يعلم أن هذا الموضوع حساس؛ وطرحه معقد ومناقشته صعبة، وتضيف أنها كتبت سابقًا حول موضوع وصمة البدانة وتعيير المصابين بها استنادًا إلى تجربتها في عيادة الأطفال وفي العائلة عمومًا.

Embed from Getty Images

وكتبت حول الموضوع ذاته أيضًا في عمود النيويورك تايمز قبل عامين، وتشير إلى أن التعليقات عكست الذكريات الأليمة لدى القرّاء من وحشية التعليقات الأسرية حول المائدة، والتعيير بالبدانة ولوم الأطفال على أوزانهم المتزايدة.

تقول الطبيبة إلسي إنها لا تستخدم كلمة حمية في عيادتها ولا كلمة فقدان الوزن لما تتضمنه من معنى سلبي، ولكنها لا تتردد في توصية العائلات باسخدام الماء محل المشروبات السكرية، والاستعاضة بالفواكه والخضراوات عن الأغذية المصنَعة المشبعة بالدهون، وتقول هل هذه حمية؟ لا، إنها خطة غذائية.

وتضيف إلسي أنها في الرعاية الأولية تستأذن دائمًا للحديث حول مؤشر كتلة الجسم والوزن، معطية بذلك المجال للأباء والعائلات بأن يعبروا عن حساسيتهم تجاه هذا الموضوع.

وترى أنه حتى في حالة توجيه الطفل إلى العيادة المختصة – الذي يكون عادة بسبب صعود مؤشر الوزن أو ما بدأت تعكسه النتائج المخبرية من خطر الإصابة بالسكري أو مشاكل الكبد- فإن الحديث لا يكون عن فقدان الوزن، وإنما محاولة استعادة الجوانب المتعددة للنمو إلى نسبها الصحية.

وفي برنامجها الخاص لمعالجة البدانة، تُركز إلسي نقاشها حول كيفية نمو الأطفال؛ فهم لديهم ميزة الزيادة في الطول التي يفتقدها الراشدون، فيكون الهدف هو محاولة ضبط الزيادة في الوزن ليتعادل بذلك تدريجيًّا، بينما يزداد الطفل في الطول.

الالتزام هو المفتاح

في الختام، تقتبس الكاتبة من الطبيبة ميشيل قولها إن ما يهم حقًّا ليس ما تأكل، وإنما ما تستطيع الالتزام به على المدى الطويل. وفي حالة الأطفال الصغار، فالعبء الأكبر يقع على العائلة، فعلى الآباء أن يكونوا نموذجًا للأبناء في تناول الطعام الصحي، وكذلك إشراكهم في شراء الطعام وطبخه، وتجنب الحديث سلبًا عن وزن الطفل أو عن وزن أي شخص آخر.

وتضيف ميشيل أن تعزيز الجوانب التي تهم الطفل، مثل الشعور بالقوة والنشاط، والإحساس بالصحة والعافية عامل مهم أيضًا. وتقول إنها بصفتها أخصائية تغذية، فهي على دراية بالتعقيدات المتعلقة بالبدانة، ولكن عند التحدث مع الطفل فالتركيز يجب أن يكون منصبًّا على السلوكيات الصحية وتطوير نظام غذائي صحي يستمتع به مدى الحياة.

كيف تبسط العلوم لطفل ذي 3 سنوات؟ إليك 16 مرجعًا يُسهل المهمة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات