يلجأ الأطباء في الحالات القصوى من الصرع إلى إزالة نصف الدماغ بالكامل، وتُجرى هذه العمليات في مرحلة الطفولة، لكن كيف يعيش الإنسان حياته بنصفِ دماغ وكيف يؤثّر هذا على مهامه اليومية ونشاطاته الفكرية؟ تبيّن دراسةٌ حديثة أن الدماغ يستطيع تنظيم نفسه بعد هذا الاستئصال لدرجةِ أذهلت الباحثين، وهو ما تتناوله محرّرة العلوم ياسمين سابلاكأوغلو في تقريرٍ منشورٍ حديثًا على موقع «Live Science».

 

لدونة فائقة

يتمتع الدماغ –هذا العضو الساحر الغامض بتلافيفه وأثلامه القابعة في جماجمنا- بإمكانية تغيّر وتكيّف خارقة تقريبًا، وهي سمة تظهر على نحوٍ جليّ في دراسةٍ جديدة أجريت على أشخاصٍ أزيلت أنصاف أدمغتهم بالكامل.

يتحدث التقرير عن الدراسة المنشورة يوم 19 نوفمبر (تشرين الثاني) ضمن مجلة « Cell Reports» العلمية، والتي ركزت على مجموعة صغيرة من الأشخاص الخاضعين لعملية استئصال نصف الكرة المخية خلال الطفولة، حيث يُزال نصف الدماغ في هذا التدخل الجراحي. يقول الباحثون أنه وبالرغم من فقدان نصف كامل لعضوِ رئيسيّ، لكن النتائج أظهرت قدرة المشاركين الطبيعية على العمل بصورة جيدة دونه لأن النصف المتبقي من الدماغ لديهم قد تعزّز.

رغم استئصال أنصاف أدمغتهم في الطفولة، إلا أن المشاركين يؤدّون مهامهم بصورةٍ جيدة ويتمتعون بمهاراتٍ لغوية وحيوية سليمة.

يُعرف عن الدماغ لدونته «البلاستيكية» الفائقة، أي قدرته على التشكيل المستمر لشبكاتٍ ورابط جديدة بين خلايا الدماغ. وفي الواقع هذه هي طريقتنا لتعلّم المهارات الجديدة كما يذكّر التقرير، فمثلًا كلمّا مارسنا العزف على الغيتار أكثر تقوّت وتعززت شبكات الدماغ المسؤولة عن البراعة الموسيقية.

لفهمِ هذه اللدونة وحدودها، يلجأ العلماء لدراسة المرضى ممن أزيل أجزاء من أدمغتهم ليرصدوا كيفية تكيّف الدماغ مع الأمر. بالنسبة للدراسة الجديدة، حلّل باحثون من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا أدمغة ستة أشخاص بالغين في العشرينات والثلاثينات من أعمارهم ممن خضعوا لعملية استئصال نصف الكرة المخية خلال طفولتهم –بين 3 أشهر إلى 11 سنة- بهدفِ الحدّ من نوبات الصرع.

صورة رنين مغناطيسي وظيفي لمقطع عرضي من دماغ شخصٍ بالغ أُزيل نصفه بالكامل. المصدر

حلّل الباحثون أيضًا أدمغة ستة أشخاص ممن ما يزال نصفا الكرة المخية سليمين معافين لديهم، ليشكّلوا المجموعة الضابطة التي يُقارن بها. خضع جميع المشاركين للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، وهي تقنية تقيس نشاط الدماغ البشري عن طريق تتبع تدفق الدم. ركّز الباحثون تحديدًا على الشبكات الدماغية المشاركة في الوظائف اليومية مثل الرؤية والحركة والعاطفة والإدراك، ومن ثم قارنوا مسوحات الدماغ التي لديهم بـ1500 صورة دماغ منشورة في قاعدة بيانات «Brain Genomics Superstruct Project».

وجد فريق الباحثين بالنتيجة أنه لدى الأشخاص ذوي نصف كرة مخية واحد فقط، عملت مناطق الدماغ المشاركة بنفس الشبكة سويّة -شبكة الرؤية مثلا- تمامًا على المنوال الموجود لدى الأشخاص الأصحاء ذوي الأدمغة الكاملة السليمة.

 يعوّض الدماغ بلدونتِه الفائقة عما فقده، وذلك عبر تقوية التواصل وتعزيز الروابط ما بين أجزاء الشبكات المختلفة ضمن الكرة المخية الوحيدة المتبقية.

قدرات وتكيّفات استثنائية

ينوّه التقرير إلى النتائج المذهلة الأخرى الصادرة من الدراسة، إذ لاحظ الباحثون قوة اتصال أكبر –وبالتالي تواصل أقوى- لدى أجزاء الشبكات المختلفة عند ذوي الكرة المخية الواحدة. يستنتج الباحثون أن الدماغ بهذه الطريقة يعوّض عن فقدان البنية التي تعرض لها. ولقد تمتع الكثير من هؤلاء الأشخاص بمستويات أداءٍ عالية ومهارات لغوية سليمة.

صور رنين مغناطيسي وظيفي لمقاطع من أدمغةِ خضعت لاستئصال نصف الكرة المخية في الصغر. المصدر

ينقل التقرير عن مؤلفة الدراسة الرئيسية دوريت كليمان –وهي الآن في مرحلة أبحاث ما بعد الدكتوراه في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا- كيف كان انطباعها عن الأشخاص الذين درستهم: «حينما أخضعتهم لجهاز المسح تبادلنا دردشاتٍ بسيطة، حالهم حال مئات الأفراد الآخرين ممن أخضعتهم لمسوحاتٍ سابقًا. يمكن أن تنسى حالتهم تقريبًا عند مقابلتهم للمرة الأولى». وتضيف الباحثة معقّبة: «عندما أجلس أمام الكمبيوتر وأرى صور الرنين المغناطيسي تظهر نصف دماغٍ واحد، ما أزال أتعجب أن هذه الصور خاصّة بنفس الكائن البشري الذي رأيته للتو يتحدث ويمشي والذي اختارَ أن يكرّس وقته أو وقتها للبحث».

«حينما أخضعتهم لجهاز المسح تبادلنا دردشاتٍ بسيطة، حالهم حال مئات الأفراد الآخرين ممن أخضعتهم لمسوحاتٍ سابقًا. قد تنسى حالتهم عند مقابلتهم للمرة الأولى. وما زلت أتعجب أن هذه الصور تتبع لنفس الكائن البشري الذي رأيته للتو يتحدث ويمشي».

كيف ينظّم الدماغ نفسه؟

هناك العديد من الحالات المماثلة السابقة في الأدبيات العلمية توثق قدرة الدماغ الفائقة على التكيّف مع حالاتٍ وظروف استثنائية. يذكر التقرير مثلًا حالة الفتى الصغير الذي أُزيل ثلث نصف كرته المخية اليمنى، والتي حوت الجزء الدماغي المسؤول عن البصر. بعد بضع سنوات من الجراحة، وجد علماء الأعصاب لدهشتهم أن الجانب الأيسر من دماغه باشر الاضطلاع بالمهام البصرية للجانب الأيسر المفقود وأن الفتى ما زال قادرًا على الرؤية جيدًا.

وجدت دراسة حديثة أخرى استمرار قدرة الشم لدى مجموعةٍ من النساء، بالرغم من فقدانهنّ للبصيلات الشمية وهي المنطقة التي تعالج المعلومات المختصة بالروائح وتوجد في مقدمة الدماغ، إذ كان يُعتقد سابقًا أن فقدانها يؤدي بالضرورة لفقدان حاسة الشمّ. ما يزال أمرًا مجهولًا كيف تقدر هذه النساء على الشمّ دون البصيلات حتى الآن، ولكن يعتقد باحثون باحتمالية تولّي جزء آخر من الدماغ مهمّة معالجة الروائح.

تبدو البصيلات المخية بوضوح في مسح الدماغ أعلى اليسار (A)، فيما تُظهر المسوح الأخرى فقدان الأدمعة لهذا الجزء المسؤول عن حاسة الشمّ. المصدر

يأمل مؤلفو الدراسة الحديثة الوصول لفهمٍ أفضل للكيفية التي يعيد بها الدماغ تنظيم نفسه بعد إصابةٍ أو سكتةٍ دماغية، وكيف تقدر بعض المناطق الدماغية على مساندة وتعويض المناطق المصابة أو المفقودة حتى. وكما ينقل التقرير في الختام عن مؤلفة الدراسة: «ربما في نهاية الطريق، يمكن لهذا العمل أن ينفعَ استراتيجيات التدخل المحددة الأهداف.. لمساعدة عدد أكبر من الأشخاص ذوي الإصابات الدماغية».

ماذا تعرف عن دماغك؟ 5 أفلام وثائقية تخبرك الكثير عن قوة العقل البشري

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد