سجل نور آدم البالغ من العمر 22 عامًا مقطعًا مصورًا من قبو تحت الأرض، وبينما كان الأطفال يتشاجرون في الخلفية قال: «يأكل الأطفال هنا وينامون هنا ويعيشون هنا ليس لديهم أي مكان للخروج. لا تزال الضربات الجوية في السماء، لتصل إلى المباني والمدن».

تحدى آدم المزيد من القذائف حتى يصل إلى سطح المبنى ملتقطًا إشارة الإرسال ليشارك من خلالها الفيديو الخاص به مع العالم عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» مرفقًا في تغريدته وسم «IAmStillAlive»، يعيش آدم في دوما، بالغوطة الشرقية، التي كانت تحت الحصار لمدة خمس سنوات، وتزامنًا مع الذكرى السابعة للحرب الأهلية السورية يسأل نفسه: هل ما زال هناك أي شخص يشاهدنا؟

حول واقع الحرب السورية بعد مرور سبع سنوات منذ بدايتها ومدى تأثير الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة عبر الإنترنت من الداخل السوري هذا ما بدأت به الصحافية روز تروب تقريرها في موقع «BuzzFeed News» حيث تطرح سؤالًا يتمحور حول الوضع الآن: هل ما زال أي شخص يبدي اهتمامه بعد كل تلك السنين بالحرب السورية؟

يتضاءل الاهتمام العالمي بالحرب السورية، ويظهر التحليل الذي أجراه الموقع على عدد المشاركات على «فيسبوك» و«تويتر» ومواقع وسائل التواصل الاجتماعي، أن قراءة ومشاركة المنشورات حول سوريا خلال الشهرين الماضيين يتضاءل مقارنة بما كان عليه في السنوات الماضية.

قال آدم وهو يتحدث إلى معدي التقرير عبر الهاتف من سطح منزل في مدينة دوما: «عندما ألتقط صورة أو مقطع فيديو وأشاركها عبر تويتر آمل حقًا أن يساعدنا شخص ما وينظر إلى ما يحدث هنا في الغوطة، ولكن لا أحد يهتم، لا أعرف ماذا أقول. إنهم فقط يرون التقارير الإخبارية، ويقولون فقط: (هذا أمر محزن حقًا) وبعد ذلك يذهبون ويعيشون حياتهم».

قد يكون هذا صحيحًا

إن فشل الأمم المتحدة والجهود الدولية الأخرى لوقف الحرب أو حتى تقديم جدول زمني موثوق لإنهاء القتال يعطي شعورًا بأن ذلك كله غمامة ضخمة تغطي تلك الجهود الإنسانية التي تسعى لتخفيف آثار الحرب.

يشرح التقرير أنه بمجرد أن تصبح مقاطع الفيديو والصور متاحةً على الإنترنت، يقوم أشخاص مثل إيثار الكتاتني المنتج التنفيذي لـ«+AJ» بالتقاطها ومحاولة صناعة قصة جديدة من سوريا، قالت إيثار لمعدي التقرير: «كل المواد المرئية التي تصلني اليوم تبدو مشابهة للقطات شاهدتها قبل عام، تمتلك نفس المحتوى من دماء وصراخ وغرف وطوابق المستشفيات، لقد أصبح الأمر طبيعيًا».

غطت الكتاتني الصراع في سوريا من غرفة الأخبار منذ بدء الثورة في عام 2011، وغردت مؤخرًا عن مدى شعورها بالاحباط لرؤية مثل هذه الصور المتشابهة مرارًا وتكرارًا، وصعوبة جعل الناس يهتمون بالأمر، فوجئت الكتاتني بعدد الأشخاص الذين تفاعلوا مع ما غردت به: «الناس يشعرون بالعجز، وهذا ليس لأنهم لا يهتمون لذلك، يكمن الأمر في أنهم لا يستطيعون فعل أي شيء».

إن فشل الأمم المتحدة والجهود الدولية الأخرى في وقف الحرب، أو حتى تقديم جدول زمني موثوق لإنهاء القتال، يعطي شعورًا بأن ذلك كله غمامة ضخمة تغطي تلك الجهود الإنسانية التي تسعى لتخفيف آثار الحرب، الآن وبعد سبع سنوات أصبح الصراع أكثر تعقيدًا، تقول الكتاتني: «إن الصدمات المروعة بلغت حدها من برك الدماء وجثث الأطفال، إلى الأطراف والرؤوس المقطوعة، لا أعتقد أن هناك شيئًا يمكن أن أراه لن يفاجئ أحدًا، أو يصدم أي شخص، أو يصيب أحدًا بالذهول».

المقارنات معقدة

هذا النظام من التفكير السريع الذي يعتمد بشكل كبير على المشاعر والأحاسيس لا يجدي نفعًا لأن الحسابات النفسية غير العقلية، لا تكون صحيحة.

مستخدمًا أداة مراقبة وسائل الإعلام الاجتماعية «بز سومو» (BuzzSumo) وجد تحليل الموقع أن عدد المشاركات حول أكثر القصص قراءة عن سوريا – لدى جميع الناشرين – قد انخفض بشكل حاد خلال أكثر من عام، المقارنات معقدة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى التقلبات في حدة الصراع، وأيضًا بسبب تغيير خوارزمية موقع التواصل الإجتماعي «فيسبوك» في نهاية عام 2017.

في الشهرين الأخيرين من عام 2016، وقتما انتهى الحصار الذي دام أربع سنوات لمدينة حلب، جرى مشاركة الخبر أكثر من 300 ألف مرة، ومشاركة موضوع حول كيف يمكن للأشخاص مساعدة المدنيين المحاصرين في حلب أكثر من نصف مليون مرة على فيسبوك، وفي يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من العام الحالي عندما قصف النظام السوري والقوات الروسية جيب الغوطة الشرقية، جرت مشاركة القصة الأكثر انتشارًا بين جميع الناشرين، وهو مقال في «بي بي سي نيوز» حول الأطفال الذين يكافحون من أجل البقاء، 42 ألف مرة فقط.

يقول بول سلوفيك، الذي يجري بحثًا حول فشل الجمهور في التفاعل مع المآسي الجماعية: «إن الناس يبدون أقل اهتمامًا بسوريا؛ لأن أدمغة البشر عاجزة عن مواجهة الكوارث الطويلة، وهي ظاهرة تسمى (التخدير النفسي)». وأضاف سلوفيك: «تطورت هياكل أدمغتنا للاستجابة بسرعة كبيرة للمعلومات التي كانت أمامنا مباشرة، لدرجة أننا كنا بحاجة إلى الاستجابة لها للبقاء على قيد الحياة، هذا النظام من التفكير السريع الذي يعتمد بشكل كبير على المشاعر والأحاسيس لا يجدي نفعًا؛ لأن الحسابات النفسية غير العقلية لا تكون صحيحة»، ويعطي سلوفيك مثالًا: «بعبارة أخرى: إذا رأيت شخصًا في خطر، أو قد قُتل، فأنت تشعر بالسوء الشديد ولكن إذا رأيت شخصًا آخر مقتولًا، أو يواجه خطرًا شديدًا، ففي هذه الحالة لن تشعر بالسوء مرتين، يزداد الأمر سوءًا بسبب حالات الموت والدمار التي تراها باستمرار على مواقع التواصل الاجتماعي».

يصعب التركيز على موضوع واحد

كانت إحدى الأمور الأساسية لتعقيد الحرب هي فشل المجتمع الدولي في إنهاء تلك النزاعات وحماية المدنيين.

بعض نتائج أبحاث سلوفيك تؤكد على أن السوريين ناضلوا للحفاظ على اهتمام المجتمع الدولي منذ بداية النزاع في 15 مارس (آذار) 2011، عندما تعرضت الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية لحملة قمع حكومية وحشية. ومنذ ذلك الوقت، قُتل ما يقرب من نصف مليون شخص، وفرّ 5 ملايين آخرون من البلاد، ونزح 6 ملايين منهم داخليًا.

يذكر التقرير أن إحدى الأمور الأساسية لتعقيد الحرب هي فشل المجتمع الدولي في إنهاء تلك النزاعات وحماية المدنيين، وقد علقت مهمة الأمم المتحدة الخاصة لرصد الصراع بعد عام من اندلاع الحرب بسبب (تصاعد العنف)، استقالت كارلا ديل بونتي، وهي محامية في محاكمة مجرمي الحرب في رواندا، من لجنة الأمم المتحدة للتحقيق في سوريا العام الماضي وقالت: «هذا غير مقبول هناك ثقافة الهروب والإفلات التام من العقاب في سوريا». ولم تحصل كارلا على دعم المجتمع السياسي الدولي.

ساهمت القرارات التي اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إبقاء الصراع منظار المجتمع الدولي، كان تركيز ترامب الوحيد في البلاد هو «داعش» على الرغم من قصف سوريا، تاركا فراغًا احتلته بالكامل قوات فلاديمير بوتين الروسية الذين عملوا مع نظام بشار الأسد لقصف بقية المعارضة، مثل أولئك المحاصرين في الغوطة الشرقية.

سبع سنوات والوضع نفسه

في محاولة للحد من عنف الصور المتكررة والحث على اتخاذ موقف، فقد أصدرت «اليونيسف» بيانًا (خالي من الكلمات) في نهاية فبراير.

أخبرت سلوى أكسوي، نائب رئيس الائتلاف الوطني للثورة السورية وقوى المعارضة معدي التقرير في مقابلة على هامش مؤتمر صحافي في إسطنبول في فبراير الماضي: «أعتقد أن العالم محبط من تصرفات القوى الكبرى. لقد استمر النضال طويلًا، وصل حجم جرائم الحرب إلى مستوى أصبح فيه الكثير من الألم للمجتمع الدولي».

في حديث إلى الموقع عبر الهاتف من عمّان – الأردن – قالت جولييت توما، المديرة الإعلامية لمكتب اليونيسف الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: «إن منظمتها أصدرت مئات التقارير والملاحظات الإخبارية، كافحت توما لتوضيح ما يمكن أن تفعله الأمم المتحدة – وربما وكالات الإغاثة عمومًا – بعد ذلك»، وقالت: «كل دعواتنا لحماية الأطفال داخل سوريا ذهبت أدراج الرياح، الناس مستاؤون وغاضبون حول ما يحدث الآن، الكثير من الناس يشعرون بالعجز حيال ما يحدث ولا يستطيعون وقف سفك الدماء في سوريا».

وأضافت إيثار الكتاتني: «أشعر أنني لو كنت أفعل هذا لسنوات وسنوات، لدي الملايين من المشاهدات، ولكن كل شيء لا يزال كما هو، أي نوع من الطرق يمكننا أن نغطي بها أحداث سوريا اليوم والتي لم نقم بها ألف مرة من قبل، سواء كان ذلك بشكل مرئي أو نصي؟ حقًا لا شيء». بينما قال آدم: «قصف وغارات جوية كما هو الحال دائمًا، والناس يقتلون مثل كل يوم، لكن لا أحد يهتم».

تختتم روز تروب تقريرها بأن «سوريا بالنسبة لكثير من القراء والمشاهدين هي نفس الصورة والقصة والحالة التي كانت عليها قبل سبع سنوات».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد