بلغ حزب الله في السنوات القليلة الماضية ذروة صعوده منذ تأسس عام 1985، وهذا الصعود تُرافقه احتمالات حربٍ واسعة قد تأتي على أخضره ويابسه. وفي تقريرٍ بمجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، يشرح الباحث السياسي بريان كاتز لمَ قد يكون صعوده هذا بداية النهاية بالنسبة للحركة.

أشار كاتز إلى أنَّه نادرًا ما يتفق زعماء «حزب الله» اللبناني مع قادة الولايات المتحدة الأمريكية، لكن في فبراير (شباط) الماضي، صنع حسن نصر الله – زعيم الجماعة اللبنانية شبه المسلحة – هذا الاستثناء.

«ناشيونال إنترست»: لماذا تفشل أمريكا دائمًا في التأثير على تمويل حزب الله؟

ففي الوقت الذي حذَّر فيه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو من القوة المتزايدة لحزب الله، وافقه نصر الله، ولسببٍ وجيه؛ الانتصارات المتتابعة على الساحة السورية، وترسانة الأسلحة الضخمة في لبنان، خلافًا للحليف السياسي الموثوق في السلطة (يقصد الرئيس اللبناني ميشال عون)، وحلفاء آخرون موثوقون في المنطقة، وبهذا أصبح لدى حزب الله قوة عسكرية وسياسية اليوم أكبر من أي وقتٍ مضى منذ تأسيسه عام 1985.

غير أنَّ هذه القوة الجديدة جاءت بمشاكل جديدة حسبما يرى كاتز. فتوسع حزب الله في بلاد الشام لم يجعل نشاطات الحركة فقط تحت ميكروسكوب الولايات المتحدة الأمريكية، لكنَّه أيضًا دق نواقيس الخطر في إسرائيل، حتى أصبحت الضربات العسكرية الإسرائيلية في العمق اللبناني احتمالًا واردًا للمرة الأولى منذ حرب 2006.

لا يرغب حزب الله، الذي يوازن بالفعل بين عدد من الالتزامات المحلية والإقليمية، في خوض صراعٍ آخر كبير، غير أنَّ الحركة بالفعل في مأزق، فكل خطوة تتخذها لتحصين نفسها ضد هجومٍ إسرائيلي محتمل تزيد في حد ذاتها احتمالية هذا الهجوم. وستُظهر تحركات حزب الله في الأشهر القادمة إذا ما كان سيقدر على السير في هذا الطريق الشائك؛ لأنَّ الفشل قد يتسبب في كارثةٍ للجماعة ولبنان والمنطقة كلها.

غنائم الحرب

أشار كاتز إلى أنَّ حزب الله خرج لتوه من مغامرةٍ عسكرية طال أمدها في المنطقة. ففي 2013 بدأت الجماعة بإرسال آلاف المقاتلين إلى سوريا، للدفاع عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد ضد قوات المعارضة، و«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، و«جبهة النصرة» وغيرها من الجماعات «الإرهابية» حسب وصفه.

ولكون سوريا – عصب «محور الممانعة»، المكون من حزب الله وإيران وسوريا – تمثل طريق إمداد حزب الله بالأسلحة الإيرانية، مثَّلت الحرب مسألةً وجودية للجماعة. وعام 2017، ساعد مقاتلو حزب الله نظام الأسد في استعادة السيطرة على حلب. ولاحقًا، اتجهوا شرقًا نحو الحدود العراقية ووادي نهر الفرات، معيقين تقدم القوات الكردية والعربية المدعومة من الولايات المتحدة، وتحركوا جنوبًا من دمشق إلى مرتفعات الجولان، حيث هزموا قوات المعارضة الباقية وعززوا إمكانات المحور قبالة إسرائيل، ببناء مرافق عسكرية وبنية أساسية للأسلحة.

ويرى الباحث أنَّ الجبهة السورية اجتذبت معظم الموارد البشرية لحزب الله، لكنَّ البعثات الاستطلاعية الأصغر انتشرت في نقاطٍ أخرى ساخنة. فإلى جانب إيران قدمت الجماعة مدربين ومستشارين عسكريين لدعم المليشيات الشيعية التي تقاتل داعش في العراق. وفي اليمن، تحالف حزب الله وإيران مع الحوثيين في قتالهم ضد الحكومة اليمنية والحملة العسكرية التي تقودها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وبقي مستشارو حزب الله في اليمن، يعضدون من قدرات الحوثيين العسكرية، ويدفعون خصومهم في الخليج إلى داخل المستنقع اليمني أكثر فأكثر.

وساعدت الجبهة المحلية الهادئة نسبيًا في الإبقاء على قوات حزب الله المنتشرة في الخارج. فمن 2013 إلى 2015، تعرض استقرار الدولة اللبنانية للتهديد بفعل سلسلةٍ من الهجمات قامت بها داعش وجبهة النصرة في بيروت وعلى طول الحدود اللبنانية مع سوريا، لكن نجح حزب الله والقوات المسلحة اللبنانية في طردهم.

وبين فينةٍ وأخرى، تنشأ توتراتٌ بين حزب الله وقوات الدفاع الإسرائيلية على الحدود الجنوبية اللبنانية مع إسرائيل، لكن لم يتصاعد الوضع. وطوال هذا الوقت، ثبّت حزب الله تدريجيًا حقيقة أنَّه الفاعل المسلح الرئيسي في لبنان، لا تضاهيه القوات المسلحة اللبنانية ولا المليشيات المنافسة.

في هذه الفترة لمع النجم السياسي للحركة بحسب كاتز، ولأكثر من عقدٍ من الزمان، حافظ حزب الله على تحالفه مع الحزب اللبناني المسيحي الأكبر «التيار الوطني الحر»، الذي تولى مؤسسه ميشال عون الرئاسة اللبنانية عام 2016. وبأذرعٍ سياسية وإعلامية محنكة، فاز حزب الله وحليفه باكتساحٍ في انتخابات الجمعية الوطنية العام الماضي، حاصلين على عددٍ غير مسبوق من مقاعد الجمعية ووزارات الحكومة.

منتصرًا في ساحات المعارك الخارجية، وفي صناديق الاقتراع، خرج حزب الله من اضطراب المنطقة أقوى من أي وقتٍ مضى. وسياسيًا، أصبحت الحركة تملك حق الاعتراض على سياسة الحكومة، ويمكنها تقييد منافسٍ كرئيس الوزراء سعد الحريري.

ويقول كاتز إنَّه في هذه الأثناء، حولت الحرب في سوريا جيش الحركة من قوة دفاعية إلى جيشٍ كامل، مع ست سنوات من الخبرة في حروبٍ مختلفة، من الحروب الحضرية في حلب إلى الحروب الجبلية على طول الحدود السورية اللبنانية، وعمليات التطهير في ريف شمال سوريا، وبهذا أصبح مقاتلو حزب الله الذين يتراوح عددهم من 20 إلى 30 ألف يشكلون أصلب جيش عربي فعّال اليوم. وإذا جمعنا قدراته الدفاعية التي اكتسبها في جنوب لبنان، وقدراته الهجومية التي اكتسبها من الحرب في سوريا، ربما تصبح الجماعة قادرةً على صد الهجمات الإسرائيلية، وشن هجماتٍ على الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي.

ولهذا يرى الباحث أنَّ حزب الله أصبح لاعبًا إقليميًا لا يستهان به، علمته الحرب كيف ينشر ويدعم قواته خارج البلاد. وخلال هذه العملية، بنت الجماعة محورًا من الحلفاء، يمتد من إيران مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان. والنتيجة ليست قابلية وجود تعاونٍ عسكري، لكنَّ روابط أيديولوجية بين أعضاء ذلك المحور، الذين يفهمون الآن أنَّهم إخوة في الحرب ضد إسرائيل، والولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والتحالف الخليجي.

وأصبح الحلفاء الشيعة، كالحوثيين في اليمن وقوات الحشد الشعبي في العراق، يرون زعيم حزب الله حسن نصر الله مُلهمًا، وحركته بما لها من وزنٍ عسكري وسياسي واجتماعي واقتصادي نموذجًا يُحتذى به.

تهديد غير محتمل

بحسب كاتز، راقب المسؤولون في إسرائيل تحول حزب الله، ولا سيما نجاحه في سوريا، بقلقٍ متزايد. فتوغل حزب الله جنوب غرب سوريا، بالتوازي مع فيلق القدس، الذراع شبه العسكري للحرس الثوري الإسلامي الإيراني، أتاح له الفرصة لبناء قواعد مجاورة لهضبة الجولان.

وبدعمٍ إيراني رعت الجماعة ميليشياتٍ شيعية من أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا، وكلها مستعدة للانضمام لحزب الله في حربه ضد إسرائيل، ولهذا يرى القادة الإسرائيليون أنَّ المواجهة القادمة لن تكون «حربًا لبنانية»، بل «حرب الشمال» الأولى، وستشمل لبنان وسوريا.

ويقول كاتز أنَّه بإمكان حزب الله شن حربٍ مباشرة ضد إسرائيل. ففي مطلع هذا الشتاء، نفّذ الجيش الإسرائيلي عمليةً استمرت ستة أسابيع لتدمير عدة أنفاق تابعة لحزب الله تمتد من جنوب لبنان وحتى شمال إسرائيل، لكنَّه اعترف أنَّ هناك عددًا أكبر من الأنفاق السرية لم يُكتشَف غالبًا. ووصف حينها جادي أيزنكوت، قائد الجيش الإسرائيلي المنتهية ولايته، الأنفاق بـ«عملية بارباروسا الخاصة بحزب الله»، في إشارةٍ إلى غزو الجيش الألماني المفاجئ للاتحاد السوفيتي سنة 1941.

وما يثير قلق إسرائيل أكثر بحسب كاتز هو جهود حزب الله لإنتاج ذخائر عالية الدقة محليًا. تمتلك الجماعة بالفعل ترسانةً هائلة من الطائرات بدون طيار، والصورايخ بعيدة المدى، وصواريخ أرض جو قصيرة المدى، وقذائف مضادة للسفن. ويعتقد المسؤولون الإسرائيليون أنَّ حزب الله، بمساعدةٍ من إيران، يعمل الآن على تحويل الصواريخ «البدائية» إلى صواريخ عالية الدقة، باستخدام تقنيات توجيه صغيرة يصعب كشفها.

وإذا أُنتجت مثل هذه الأسلحة الدقيقة على نطاق واسع، يمكن أن تقوض الميزة التكنولوجية لإسرائيل في الدفاع الجوي، وتمكّن حزب الله من ضرب الأهداف الإسرائيلية العسكرية والمدنية بدقة عالية.

ولهذا في رأي كاتز، ربما يقرر القادة الإسرائيليون وهم يشاهدون هذه التغيرات تتكشّف أنَّ سياسة اللافعل لها تكلفة باهظة جدًا. فمنذ حربها ضد حزب الله عام 2006، تجنبت إسرائيل أي ضربات كبرى داخل لبنان، خوفًا من تصعيدٍ غير مرجو إسرائيليًا، وعواقب غير مؤكدة لهذا التصعيد.

وعوضًا من ذلك، وجَّهت ضرباتٍ جوية ضد حزب الله والأهداف الإيرانية داخل سوريا، ما أصاب قوافل ومستودعات الأسلحة مرارًا. وربما تستنتج إسرائيل الآن أنَّه فقط الضربات المباشرة في عقر دار حزب الله قد تستهدف قوة الجماعة، ويبدو أنَّ بعض التصريحات المنسوبة لمسؤولين عسكريين إسرائيليين تشير إلى ذلك.

معضلة الأمن

يتساءل الكاتب كيف سيرد حزب الله إذا ما قررت إسرائيل شن هجومٍ على مواقع تطوير الصواريخ. فمن ناحية واحدة، سنجد أنَّ الحركة منتشرة بالفعل على نطاقٍ واسع، لكنَّ هذا التوسع كلفها الغالي والنفيس؛ خسر حزب الله آلاف الضحايا في سوريا، خلافًا لما ترتب على ذلك من أعباء مالية لرعاية الجرحى وعوائل «الشهداء»، بينما لا يزال خطر عودة (داعش) محتملًا، وذلك يعني حاجة الجماعة لإبقاء قواتها في سوريا والعراق، التي كانت تأمل في سحبها. هذه الظروف مجتمعة لا تجعل لدى الحزب رغبةً في حرب إسرائيل.

لكن من ناحيةٍ أخرى، يرى كاتز أنَّه من الصعب جدًا على قادة الجماعة تحمل ضرباتٍ إسرائيلية في لبنان دون أن ترد، لا سيما مع الدور الطليعي المنوط بهم في محور الممانعة المعادي لإسرائيل، غير أنَّ الخطوات اللازمة لردع إسرائيل وثنيها عن شن هجوم على لبنان بما يؤكد قدرة الجماعة على الرد، من شأنها أن تؤجج حربًا، وهذه هي الحالة الكلاسيكية لمعضلة الأمن.

ففي حالة مسألة تطوير الصواريخ، يشير كاتز إلى أنَّ الأسلحة المتطورة هي فرصة حزب الله الوحيدة لمجابهة الدفاعات الإسرائيلية عالية التقنية، لكنَّ مساعي حزب الله لاقتنائها ستؤجج لا شك التحركات الإسرائيلية. ومع هذا سيظل نصر الله يدعو إلى وجوب استمرار حزب الله في بناء ترسانة أكثر تطورًا وضخامة لمجابهة إسرائيل.

وإذا ضربت إسرائيل، سيواجه حزب الله مشكلة أخرى، ألا وهي بحسب كاتز: كيف يكون ردك قويًا بما يكفي للردع، وغير مدمرٍ للدرجة التي يكون معها التصعيد حتميًا!

تشير القواعد غير الرسمية للعبة التي تطورت خلال العقد الماضي، كما يفهمها كاتز، إلى أنَّ رد حزب الله سيكون متناسبًا مع حجم الهجوم الإسرائيلي، كأن يشن هجومًا على منشأة عسكرية إسرائيلية مع القليل من الضحايا، أو حتى دون إصابات.

ومع ذلك تترك هذه الاعتداءات المتبادلة مجالًا واسعًا لسوء التقدير. وما يعتبره أحد الجانبين استجابة مناسبة قد يعتبره الآخر تصعيدًا حادًا. ففي عام 2006 شن حزب الله غارة قاتلة على جنود جيش الدفاع الإسرائيلي، والتي أثارت إسرائيل لبدء الحرب، ولم يكن نصر الله يتوقع رد الفعل هذا من إسرائيل حسبما اعترف بعدها. وهكذا يمكن أن يتصاعد الصراع سريعًا حتى لو لم يرد كلا الطرفين حربًا شاملة.

ويعتقد كاتز أنَّ نصر الله يعرف غالبًا أنَّه في حربٍ كهذه مع إسرائيل، يمكن للحركة صد الجيش الإسرائيلي على أفضل تقدير، لكنَّها لن تتمكن من هزيمته. ومأزق كهذا سيترتب عليه دمار هائل، للجماعة وقاعدتها الشيعية وجزء من لبنان. وعلاوةً على ذلك؛ ما سيبدأ كصراع محدود، يمكن أن يصبح حربًا إقليمية، فعلى سبيل المثال، يمكن أن تورط الضربات الإسرائيلية على حزب الله في سوريا نظام الأسد أو إيران أو روسيا. وبالمثل يمكن لوابل الصواريخ الذي يطلقه حزب الله ضد جيش الدفاع الإسرائيلي أو قيادة إسرائيل أو المستوطنات أن يدفع الولايات المتحدة للتدخل.

هدوء هش

لا تزال إمكانية تفادي الأزمة قائمة بحسب كاتز. ففي جميع الاحتمالات، يدرك نصر الله أنَّ نشوب حربٍ مدمرة طويلة سيعرض كل ما حققه حزب الله في الداخل وفي المنطقة للخطر، لكنَّ إدراك هذا وحده لا يكفي. إذ يحتاج المجتمع الدولي للضغط على حزب الله للحد من أنشطته الاستفزازية، كإنتاجه للذخائر عالية الدقة، وحفر الأنفاق العابرة للحدود، ويمكن لقوات الأمم المتحدة في لبنان تسهيل الحوار بين إسرائيل والمسؤولين اللبنانيين لتهدئة الأجواء الملتهبة، ويمكن للدول المرتبطة بكلا الجانبين، مثل روسيا، أن تركز جهودها لتقليل خطر التصعيد غير المرغوب فيه بفتح قنوات تواصل خلفية.

الآن، هذا الإدراك المشترك بأنَّ حرب 2006 كانت ضعيفةً مقارنة بالتدمير الذي قد يسببه صراعٌ جديد يمنع الطرفين من الانخراط في حربٍ مباشرة، لكن لا ضمانات لاستمرار هذا الهدوء. ففي الأخير، قد تكون الانتصارات الأخيرة لحزب الله بداية النهاية للحركة.

هل تورط «حزب الله» في أنشطة الدعارة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد