أسير كل يوم في طريقي إلى العمل من ميدان ونك الذي يعج بالنشاط والزحام والرُكَّاب إلى شارع الأردن، وهو شارع شهير ذو اتِّجاهين، وهو موازٍ لشارع ولي عصر؛ شريان طهران الرئيسي. هذا هو قلب شمال طهران؛ حيث تتحرَّك سيارات الأجرة كل ساعة من النهار والليل، ويجاور شارع الأردن شارع غاندي؛ الذي يتباهى بالأسواق التجارية الجديدة والمقاهي ذات الطراز الغربي.

أسير في شارع صغير هادئ نسبيًّا تصطف فيه مكاتب وسطاء التأمين والأطباء، وتحميني الأشجار الطويلة المزروعة على مسافات غير منتظمة من الشمس المتوهجة. ويبعد شارع سنائي بضعة أمتار فقط عن أنغام المدينة النابضة مرتفعة الأصوات، ولكنَّه لا يبعد عن التحرُّش الجنسي الذي لا ينتهي، وأحيانًا ما يكون مُجرَّد تحديق. بينما أسير في الشارع، أراه قادمًا نحوي، يبعُد عنِّي ببضعة أمتار ومع ذلك أنكمش خوفًا، أخفض بصري أو أنظر بعيدًا.

أريد أن أغلق المانتو -السترة الخفيفة متوسطة الطول التي ترتديها بعض النساء الإيرانيات بدلًا من الشادور- لتجنُّب نظراته المُتلصِّصة، ولكن فات الأوان. بينما أمُر بجواره أشعر بعينيه الثاقبتين تبحثان عن ثديَيَّ تحت ثوبي، تتفحَّصان جسمي بحِدَّةٍ دقيقة، مُثبَّتتان على جسمي، وتتبعانني حتى أشعر بهما تحرقان ظهري وكأنَّه خلفي تمامًا. ليس هناك حتى أبسط ادِّعاء بالتخفِّي؛ فهو ينظر دون خجل غير مبالٍ وملئ بالثقة في ذات الوقت.

تكون هناك أصوات في أغلب الأوقات، فبينما يمُر بجواري يُدير رأسه تجاهي ويلصق لسانه بحلقه، أو يُطلِق قُبلةً في الهواء بصوتٍ عالٍ. هناك درجات كثيرة من الصفير والهسهسة والصفع واللعق والنفخ لدرجةٍ تذهلني من قدرات الفم البشري. أحيانًا يأتي الأمر من خلفي؛ مثل هسهسة في أذني مباشرةً، وأحيانًا يكون حركةً مفاجئة في اللحظة الأخيرة عندما نمُر بجوار بعضنا البعض؛ مثل ثعبان يُخرِج لسانه فجأةً. وفي كل مرة يُصيبني هذا التعبير الشنيع نفسه عن الرغبة الطليقة بالقشعريرة. وفي أغلب الأوقات تكون هناك كلمات أيضًا، ولحسن الحظ فإنَّ فارسيَّتي ليست جيِّدة بما يكفي لاستيعاب القذارة التي يُلقَى بها في وجهي، وربما لا أرغب في معرفتها على أي حال.

لا يصنع ذلك في النهاية فارقًا كبيرًا؛ فالطريقة التي تُرمَى بها تلك الكلمات إليَّ في الهواء مصحوبةً بتعبيرٍ مميَّز على وجه الرجل والعينان المصقولتان والشفة العلوية المرفوعة قليلًا إلى الأعلى، كلُ ذلك جزءٌ من لغةٍ عالمية. يمكنني تخمين أنَّه يُعلِّق على ملابسي أو جسمي، أو يدعوني إلى منزله أو ينعتني بالعاهرة فقط. لا يحتاج الاعتداء اللفظي حتى إلى ترجمةٍ تقريبًا، فهو أكثر أشكال التواصل الهمجية أساسيةً.

وفي أوقات أخرى يتجاوز الأمر ذلك، فقد تتبَّعني الرجال مرات متعدِّدة بسياراتهم في طريقي اليومي وتحدَّثوا معي محاولين إقناعي بالركوب معهم. حدث هذا مرةً في فيلينجاك؛ وهو حي راقٍ وهادئ في شمال طهران، كُنَّا أربع سيدات وبدأ رجل في سيارته يلاحقنا، استمر في محاولته رغم محاولاتنا سَبِّه أو تجاهله لأكثر من عشر دقائق حتى قرَّرنا الدخول إلى مقهى. ليست السيارات الوسيلة الوحيدة لتنقُّل الصيَّادين؛ فالدراجات والدراجات البخارية والموتوسيكلات تجعل المطاردة أكثر مرونةً.

إنَّ التحرُّش الجنسي في الأماكن العامة حقيقةٌ موجودة في الحياة اليومية بإيران، اعتقدتُ في البداية أنَّ مظهري الأجنبي وملابسي التحرُّرية نوعًا ما (الألوان الزاهية والمانتو المفتوح والحجاب المُثبَّت عند مؤخرة رأسي) جعلاني هدفًا، ولكن عندما تحدَّثتُ بصراحةٍ مع أصدقائي، أدركتُ أنَّ هذا الأمر واقعٌ موجود في كل مكان في حياة الفتيات صاحبات كل أنماط الملابس المختلفة ومن كل الخلفيات.

قالت سحر؛ الفتاة غير الإيرانية التي تبلغ من العمر 26 عامًا وتدرس في إيران منذ عامٍ: «نشأتُ في بلدٍ مُسلِم حيث الحجاب غير إجباري، وكان يُقال لي دائمًا إنَّ الحجاب موجود لحماية النساء من رغبات الرجال، لأنَّ أجسامنا عورة يمكنها نشر الفتنة بين الرجال. ولكنَّني جئتُ بعد ذلك إلى إيران؛ حيث الحجاب إجباري، وما زلتُ أتعرَّض للتحرُّش في الشوارع، فالرجال يُحدِّقون في بعدوانية ويتحدَّثون إليَّ وينعتونني بألفاظٍ، أشعر كأنَّني عارية، وبلا قيمة. اعتقدتُ أنَّ ارتداء الشادور سيحميني، ولكنَّني شهدتُ في أحد الأيام امرأةً أخرى ترتدي الشادور وتتعرَّض للتحرُّش، وأدركتُ أنَّ الرجال سيطاردونني مهما ارتديتُ، فقط لأنَّني امرأة».

تُفسِّر عائشة -23 عامًا، طالبة كيمياء- الأمر قائلةً: «يُفصَل الفتيان والفتيات عن بعضهم البعض من المرحلة الابتدائية وحتى نهاية المرحلة الثانوية، لا يحظون أبدًا بفرصةٍ للتفاعل وعندما يحظون بها فجأةً لا يمكنهم إجراء محادثات عادية، وكأنَّ أي تفاعل هو ضمنيًا في النطاق الجنسي».

أتساءل غالبًا عمَّا يدور في رؤوس هؤلاء الرجال، هل هو مُجرَّد متعة اللعبة؟ أم أنَّ هناك توقُّعًا فعليًّا بأنَّ الملاحقة أو الصفير سيُحقِّقان نتيجةً؟

تقول عائشة: «أتذكَّر عندما كنتُ صغيرة أنَّ الفتيان والمراهقين كانوا يُصفِّرون ويتبعوننا فقط لكي يلتقوا بفتياتٍ، لأنَّنا نحيا في مجتمع لا توجد به مساحةً لكي يلتقي الرجال والنساء ويتواصلوا بحُريَّة، فلجأوا إلى الشوارع. أحبَّت الفتيات الأمر في البداية، فكُنَّ يعتبرنه مُجاملةً، ولكن بعد فترةٍ، تحوَّل إلى مشكلةٍ. فجعلَنا تعبير الفتيان والرجال بصراحةٍ عن رغباتهم الجنسية نشعر بالخطر والاستهداف، ولم يكُن هناك مفر».

لقد سمعتُ هذه الحُجَّة مرات عديدة من الرجال هنا، فالمرور بالسيارة والصفير ودعوة المرأة للركوب هي طريقة الرجال في «التقاط» النساء، وفي غياب الحانات والنوادي وأي مكان للتواصل الاجتماعي، تُصبِح الشوارع والحدائق ووسائل النقل العامة ملعبًا عامًا للمغازلة. ولكن التحرُّش الجنسي ليس مغازلةً، فهو أشبه بالصيد، وأصبحت المدينة بأكملها منطقة صيد عملاقة، فالسير في الشارع قد يُصبِح تجربةً مخيفة ومؤلمة للنساء.

تقول سحر: «أشعر بأنَّني محرومةٌ في إيران من أحد أنشطتي المُفضَّلة؛ وهي السير وحدي. عندما أغادر المنزل كل يوم أتمنَّى أمرًا واحدًا؛ أن يتركونني وشأني. بدأتُ بسبب هذا أستقل سيارات الأجرة، حتى لمشاوير تستغرق خمس دقائق، فقط لتجنُّب هذه المواجهات».

يُنظَر إلى جلوس الفتاة وحدها في الحديقة أو على مقعدٍ طويل باعتباره دعوةً مفتوحة. تروي لوسيل -طالبة فرنسية عمرها 20 عامًا جاءت مؤخرًا إلى إيران- لي قصةً: «كنتُ أجلس ذات مرة تحت ظل شجرةٍ في حديقة، عندما سألني رجلٌ إذا ما كان من المقبول أن يجلس إلى جواري، كنتُ مندهشة أنَّه سأل، واعتقدتُ أنَّه لم يُرِد أن يُشعِرني بالضيق لوجوده هناك. كنتُ مخطئة تمامًا، فبمجرَّد أن قُلت أجل، جلس وبدأ بالضغط عليَّ بآلاف الأسئلة وطلب رقم هاتفي، أخبرته أنَّني أريده أن يتركني وشأني ولكنَّه لم يتوقَّف، في النهاية نهضتُ وغادرتُ».

يحدث الصيد في كل مكان في ضوء النهار، مع قبولٍ ضمني من الجميع؛ بمن فيهم السُلطات التي يُفترَض بها أن تحمي النساء، فليست هناك مخاطرة في الصيد. وتشعر النساء بالعجز والتحجيم شعورًا غامرًا، فتقول لوسيل: «يمنحُكِ الأمر شعورًا بالضعف لأنَّ الأمر يبدو وكأنَّه ليس من حقك فعل أي شيء لهم لأنَّهم لا يُهاجِمونك جسديًّا».

تكمُن سخرية النظام الذي يتمادى في أفعاله من أجل «حماية أجساد النساء» في أنَّه بينما يتصرَّف المُتحرِّشون بِحُرِّية، ويلاحقون النساء ويتحسَّسوهن تحت أعين الجميع، تعتقل شرطة الأخلاق النساء لارتدائهن «حجابًا سيِّئًا» أو المانتو القصير أو السراويل الضيقة. في ميدان ونك الذي أواجه فيه ملاحقة وصفير بانتظام، تُلقي شرطة الأخلاق القبض على النساء بصورةٍ دوريةٍ بسبب الملابس غير المحتشمة. لا يبدو أنَّ الشراسة الجنسية الماثلة أمام أعينهم تُشكِّل لهم أي مصدر قلق.

ولكن هناك أمرٌ واحد يمكن للمرأة فعله لتجنُّب التحرُّش الجنسي؛ فالعصا السحرية لإبعاد الرجال بسيطةٌ؛ وهي رجلٌ آخر. تقول عائشة: «لا تحصلين إطلاقًا على نفس الاهتمام غير المرغوب فيه، وكأنَّ الرجل سلاح للدفاع عن نفسك، فهو آليةٌ للردع، إذ يُفترَض أنَّه يمتلكك بوصفه قريبك أو صديقك أو حتى جارك، فلا يُسمَح لأحدٍ بإزعاجك أو لمسك».

لقد لاحظتُ هذا الأمر كذلك، متى يصحبني رجل، أُصبِح فجأةً المخلوق الخفي الذي أتلهَّف إلى أن أكونه. تقول سحر: «وهكذا لا ينبغي أساسًا على المرأة أن تسير وحدها دون حماية أحد الذكور، إذا سارَت وحدها يعني ذلك أنَّها تبحث عن الاهتمام، هذا المجتمع صنعه الرجال للرجال».

إذًا ماذا لدى الرجال ليقولونه؟ تقول لوسيل: «أعتقد أنَّ معظم الرجال الذين يتجوَّلون في الشوارع لا يفهمون نتائج أفعالهم، لا يعرفون على الأرجح أنَّ الصياح في وجه النساء والتحديق بهن والصفير لهن يُعَد تحرُّشًا جنسيًّا». عندما أسأل أصدقائي الذكور أجد ردود فعل متنوعة؛ الحرج (الذي يُعبَّر عنه غالبًا بمحاولات لتغيير الموضوع) والتبرير (هذا ليس تحرُّشًا وإنَّما مغازلة) والاعتراف (نادرًا جدًا). عندما أُلح كثيرًا وأواجههم بحقيقة العبء النفسي الذي تحمله النساء الإيرانيات، يُقابَل إصراري غالبًا بنظرات فارغة أو إنكار. تُفضِّل النساء أيضًا الصمت معظم الوقت، إذ تشتكي عائشة قائلةً: «ما يزال هذا الأمر تابوهًا في مجتمعنا، بالكاد نناقشه حتى مع أصدقائنا المُقرَّبين».

أشعر أنَّ هذه التفاعلات اليومية قد أصبحَت اعتياديةً لدرجةٍ جعلَت معظم النساء لا تهتم بذكرها إلَّا إذا كانت هناك حادثة تحسُّس تامة على سبيل المثال. تسأل سحر: «هل علينا أن نختفي؟ هل على النساء أن تختفي ببساطة؟» شاركتني الكثير من النساء هذا الشعور؛ الرغبة في أن تصبحن خفيَّات، أن تقمعن وجودهن المادي من أجل تجنُّب النظرات والهسهسات والكلمات واللمسات اليومية المُدنِّسة المُتطفِّلة. وهناك مفارقة مُفاجِئة، بل ومخيفة، فمع إخفائنا كل جزء من أجسادنا باستثناء وجوهنا وأيدينا، لا يقلّ التحرُّش الجنسي، وإنَّما يزداد. فكأنَّه موسم مفتوح للصيد، طوال العام.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد