في مقالها بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، تبدأ الكاتبة إليزابيث ديكنسون بمحادثة دارت بينها وبين أحد أعضاء العائلة الحاكمة في الكويت منذ ثلاث سنوات، والتي شرح لها خلالها لماذا لم يكن القادة في الخليج على وفاق كبير مع باراك أوباما، بعكس الوضع في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش، ويرى أن السبب الرئيس في ذلك هو أن بوش كان على تواصل دائم مع القادة في الخليج، فقط ليكون بالقرب منها، ففي بعض الأحيان كان يجري مكالمة فقط لتهنئة أحد الحكام الخليجيين بفوز فريقه في مباراة بالدوري الإنجليزي الممتاز، في حين أن أوباما اقتصر تواصله على الأوقات التي يحتاج فيها شيئًا منهم.

بعد ثلاث سنوات من هذه المحادثة، ترى الكاتبة أنه من غير المفاجئ أن يكون حكام الدول الخليجية في حالة سعادة بفوز دونالد ترامب بمقعد الرئاسة الأمريكية. وفي الوقت الذي ينتظر فيه مؤيدو ترامب في الولايات المتحدة تغييرًا جذريًا للسياسة الأمريكية واختلافًا تامًا عن إدارة أوباما، ينتظر حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أمرًا مماثلًا، إذ رأوا في سياسة أوباما فشلًا مدويًا للسياسة الخارجية الأمريكية.

أصداء انتخاب ترامب

Teo Chee Hean, Deputy Prime Minister and Minister for Defense for Singapore, participates Dec. 4, 2010 in a plenary session on strategic reassurance and deterrence in the region with, HH Sh Abdullah Bin Zayed Al Nahyan, Minister of Foreign Affairs, UAE and Dr. Liam Fox, Secretary of State for Defense for the United Kingdom. The debate was part of the 7th International Institute for Strategic Studies Regional Security Summit, the Manama Dialogue at the Ritz-Carlton Bahrain Hotel and Spa. (Photo by: Sgt. Anthony L. Ortiz )

الأسبوع الماضي، وتحديدًا في حوار المنامة، وهو مؤتمر سنوي يضم شخصيات سياسية وعسكرية وإستراتيجية بارزة من أنحاء المنطقة، بدا الجميع في حالة سعادة بانتخاب ترامب. «هناك إحساس بالتأكيد أن الأمور لن تكون أسوأ مما كانت عليه في عهد أوباما بالتأكيد». هكذا قال محمد اليحيى، وهو باحث غير المقيم في المجلس الأطلسي، ومستشار السفارة السعودية في لندن.

ترى الكاتبة أن أي تغيير حاليًا داخل البيت الأبيض سيكون مرحبًا به في الخليج، وتضيف أن قادة دول الخليج ينتظرون تغييرًا في سياسات واشنطن تجاه إيران تحديدًا، وربما معاقبة طهران على تدخلها السياسي في دول العالم العربي من خلال دعم الميليشيات والسياسيين في دول كالعراق وسوريا واليمن والبحرين بدرجات متفاوتة، كما يبدو القادة في الخليج أيضًا على استعداد تام للتغاضي عن خطاب ترامب المعادي للإسلام باعتباره محض حماقة انتخابية.

جاءت الخطوات الأولى لترامب بعد توليه الرئاسة لتتوافق تمامًا مع توقعات الخليج؛ إذ جاءت اختياراته للوزراء لتتضمن العديد من المسئولين ممن سبق لهم مهاجمة إيران، ومن بينهم الجنرال جيمس ماتيس الذي اختاره ترامب وزيرًا للدفاع، والجنرال مايكل فلين؛ مستشار ترامب للأمن القومي.

يقول اليحيى تعليقًا على هذه الخيارات «بالنسبة للسعوديين وشعوب المنطقة بشكل عام، بعض اختيارات ترامب تبعث بشدة على الاطمئنان. الجنرال ماتياس يحمل وجهات نظر معقولة ورصينة تجاه المنطقة، وكذلك بومبيو المرشح لرئاسة الاستخبارات المركزية يرى الأمور بشكل واقعي أكثر من إدارة أوباما».

حماس خليجي

الحماس الخليجي تجاه رئاسة ترامب ينبع أيضًا من شخصيته ومن كونه رجل أعمال بالأساس، بعكس أوباما الذي بدا أكثر عقلانية ويميل لحساب الأمور بدقة. يقول عبد الله المناعي، وهو كاتب بصحيفة أخبار الخليج البحرينية «من السهل أن تفهم رجال الأعمال دائمًا. هو رجل أعمال، والقادة في الخليج يتطلعون لهذا النوع من العلاقة، وهو ما يعني أن فرص حدوث توافق مع ترامب هي كبيرة للغاية».

ربما أيضًا تبدو قائمة طلبات قادة الخليج من الإدارة الأمريكية الجديدة طويلة للغاية، إلا أن أهمها بالتأكيد ومركزها هو الدور الأمريكي في المنطقة، إذ كانت فترة أوباما مخذلة بالنسبة لهم، لأنه بدلًا من حل مشاكل المنطقة كما توقع الجميع، دائمًا ما تحدث عن أن القدرة الأمريكية محدودة ورفض كثيرًا التدخل العسكري القوي في سوريا تحديدًا، وهو ما لم يكن مقنعًا بالنسبة للقادة في الخليج، والذين يدركون وجود 58 ألف جندي أمريكي متمركز في المنطقة.

هنا، يحمِّل قادة الخليج أوباما مسئولية إعطاء الضوء الأخضر لإيران وروسيا لاجتياح المنطقة دون رادع، وتفاقم الأزمة الإنسانية وأزمة اللاجئين الحالية التي تحمَّلَ تبعاتها العالم بالكامل. خلال حوار المنامة، رأى الحاضرون أن قرب سقوط حلب في يد القوات السورية المدعومة من روسيا وإيران هو تتويج لفشل السياسة الخارجية لأوباما. يقول أديب الشيشكلي، ممثل الائتلاف الوطني السوري المعارض في مجلس التعاون الخليجي «أي تغيير سيكون جيدًا. لن يكون هناك ما هو أسوأ من إدارة أوباما».

تضيف إليزابيث ديكسون أن ذلك الشعور كان متبادلًا بطريقة ما، إذ بدا أوباما نفسه محبطًا من مخاوف دول الخليج تجاه إيران، على الرغم من أن إدارته عملت على عقد اتفاق يحد من أنشطة إيران النووية، وباعت تكنولوجيا مضادة للصواريخ لخصوم إيران. في حواره الشهير مع جيفري جولدبيرج في أبريل (نيسان) الماضي، قال أوباما عن الصراع الدائم بين السعودية وإيران «ربما علينا أن نقول للسعوديين والإيرانيين أن عليهم إيجاد طريقة فعالة لتشارك الجوار».

في جولته الأخيرة في المنطقة وزيرًا للدفاع، انتقد آش كارتر المسئولين العسكريين في الخليج بسبب شكواهم الدائمة ومطالبتهم الدائمة لنظرائهم في الولايات المتحدة بمزيد من التحرك بينما هم أنفسهم لا يؤدون ما عليهم. وقال كارتر أيضًا في كلمته في حوار المنامة «إذا كانت دول المنطقة قلقة من أنشطة إيران التي تسعى لزعزعة الاستقرار – وهو ما تشاركهم فيه الولايات المتحدة – فعليهم الدخول إلى هذه اللعبة بأنفسهم، وتكوين تحالفات بين بعضهم البعض»، وهو ما بدا وكأنه لم يعجب الحاضرين من دول الخليج، والذين بدوا أكثر سعادة برحيل إدارة أوباما التي تفكر بتلك الطريقة.

خطر النفوذ الإيراني

تقول الكاتبة إن الأمل الأكبر للمسئولين الخليجيين وما ينتظرونه من إدارة ترامب هو أن يقلل من النفوذ الإيراني في المنطقة، إذ يرى مسئولون خليجيون بارزون أن الاتفاقية النووية بين إيران وبين ست من الدول العظمى كانت سببًا في تفاقم التدخل الإيراني في المنطقة. يقول الأمير تركي بن فيصل آل سعود، المدير العام السابق للمخابرات السعودية، خلال كلمته في حوار المنامة «لقد أثبتت إيران أنها ليست بالدولة الهادئة التي ترغب في التعاون مع جيرانها، بل على النقيض؛ لقد زادت من نشاطها في المنطقة».

يتفق ترامب مع هذه الفكرة، فخلال حواره مع شبكة فوكس في يناير (كانون الثاني) الماضي، قال «لقد أعطت هذه الاتفاقية القوة لإيران. لقد خالفوا الاتفاقية في الوقت الذي لم يجف فيه الحبر الذي كُتِبت به». في المقابل، كانت مواقف مستشاريه من إيران أكثر قوة، إذ وصف فلين دولة إيران في شهادته أمام لجنة الشئون الخارجية في مجلس النواب في 2015  بأنها «خطر واضح وصريح على المنطقة وعلى العالم أجمع».

في نفس اللقاء أيضًا قال ترامب إنه سيكون على السعوديين مساعدتنا اقتصاديًا، مقابل حمايتهم من إيران، وهنا يعلق المناعي قائلًا «العلاقات الاقتصادية ستكون بسيطة للغاية: ادفع لي لأحميك من إيران. بتلك البساطة، أنت تعطيني شيئًا وأنا أعطيك شيئًا في مقابله».

ونظرًا لكون الخليج من أغنى مناطق العالم، فهناك الكثير مما يمكن أن يقدمه، مثل عقد صفقات دفاعية جديدة مربحة للولايات المتحدة، والاستثمار في البنية التحتية الأمريكية التي تعهَّد ترامب بتأسيسها، أو حتى نقل الأصول المالية الخليجية لبنوك أمريكية، وفي المقابل، لدى قادة الخليج قائمة من الأزمات الإقليمية التي يريدون من ترامب حلها، مثل الحد من النفوذ الإيراني مع الإبقاء على الاتفاقية النووية، كما يرغبون أيضًا في تعزيز أنظمتهم الدفاعية.

فيما يتعلق بسوريا، تستهدف دول الخليج الإطاحة بالنظام السوري وحلفائه الإيرانيين، بالإضافة لتنظيم الدولة الإسلامية، كما يأملون أن يتفق ترامب معهم في ذلك. ربما تدحض تصريحات ترامب في هذا الشأن أثناء حملته وبعد انتخابه من هذه التوقعات العالية، إذ إن هناك حالة من التوافق الكبير بين ترامب وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي تدعم بلاده نظام الأسد وبالتبعية تقف في نفس الجانب مع إيران، كما يقصف الطيران الروسي مواقع المعارضة المدعومة من دول الخليج بشكل يومي.

يحاول الجميع النظر للتقارب بين ترامب وبوتين بطريقة متفائلة، وأنه ربما يستطيع ترامب إقناع بوتين بإيجاد حل للأزمة في سوريا كما قال الشيشكلي، ممثل المعارضة السورية. على الجانب الآخر، انتقد ترامب سابقًا الدعم الأمريكي للمعارضة السورية، وقال في لقاء له مع «وول ستريت جورنال» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي «نحن لا نعرف من هؤلاء».

أضاف ترامب أنه ربما على الولايات المتحدة التحالف مع كل من يحارب تنظيم الدولة الإسلامية، بما فيهم النظام السوري وروسيا. علق أحد المعارضين السوريين أيضًا بنبرة متفائلة قائلًا «لا أعتقد أنه سيتخذ ذلك القرار (وقف دعم المعارضة) بعد وصوله للحكم. يمكننا أن نحكم على إستراتيجيته عندما يبدأ العمل ويقرأ الحقائق. حينها سيكون قادرًا على اتخاذ قرارات أكثر حكمة». وفي تعليق للأمير تركي على تصريح ترامب، قال «ربما ترامب لا يعرف الكثير عن الوضع في سوريا. أتمنى أن يعرف».

تمتد قائمة رغبات دول الخليج من إدارة ترامب أيضًا لتشمل الحد من النفوذ الإيراني في العراق، والتي تنتشر فيها عشرات الميليشيات المسلحة التابعة لطهران، كما يتمنون أيضًا الحصول على الدعم الأمريكي للتحالف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن، أو على الأقل أن تغض الولايات المتحدة بصرها عما يحدث هناك. يقول المناعي «الاعتقاد بأن ترامب يميل إلى التدخل على نطاق واسع وبشكل حاسم ضد إيران هو شيء مشجع بالنسبة لنا».

ترامب والإسلاموفوبيا

تقول الكاتبة إن كل ذلك لا يعني أن قادة الخليج ليس لديهم مخاوف من حالة الإسلاموفوبيا التي تنتاب ترامب، إلا أنهم على استعداد للتغاضي عن تصريحاته المعادية طالما ستخدم سياساته مصالحهم القومية، وهو ما يرون كحقيقة واقعة. يبدو قادة الخليج أكثر واقعية عندما يتعلق الأمر بتلك النقطة، إذ يفسرون تصريحات ترامب بمحض تصريحات انتخابية. خلال حوار المنامة، تقول الكاتبة إن بعض الأحاديث التي تظهر قلق السياسيين من ترامب قد دارت. ربما ترامب ليس أوباما، ولكن لا أحد يعرف كيف سيكون.

يقول الدكتور البدر الشاطري، الباحث بالقيادة العامة للقوات المسلحة الإماراتية «المخاوف كلها تتعلق باندفاع ترامب. هو يحيط نفسه بالفعل بالمتشددين، والأسوأ أن بعض مستشاريه معادون للإسلام والمسلمين». هنا تختتم الكاتبة مقالها قائلة: بغض النظر عن السياسات نفسها، يبدو أن قادة الخليج سيتمكنون من بناء علاقات شخصية أقوى وأفضل مع ترامب مقارنة بتلك التي كانت مع أوباما، وهنا سيكون فن الصفقات حاضرًا.

يقول المناعي «نحن – الخليجيين – تجار بطبيعتنا. لا يفهم الأوروبيون ذلك لأنهم يهتمون أكثر بحقوق الإنسان والمساواة وغيرها من القضايا الأخلاقية، بينما نحن عمليون. نحن سنأخذ ما يمكننا الحصول عليه».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد