هل كانت الصين في أي وقت من تاريخها هي أكبر قوة عظمى في العالم؟ وإذا كانت الإجابة: نعم، فما الذي جعلها كذلك؟ للإجابة عن هذا السؤال، استطلعت مجلة «هيستوري إكسترا»، التابعة لإذاعة «بي بي سي» البريطانية، آراء أربعة خبراء متخصصين في الشؤون الصينية للحديث عن تأثير الثقافة الصينية في وحدة البلاد، وامتدادها إلى الدول المحيطة.

في بداية التقرير أشارت المجلة إلى أن الامتداد الاقتصادي والسياسي لأكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان يتوسع بمعدل مذهل، ولكن هل شهدت الصين مثل هذا التأثير العالمي في الماضي؟ هذا ما يناقشه الخبراء الأربعة، لتوضيح كيف أدت الحرب والتجارة والدبلوماسية إلى أن تفوز هذه الدولة العملاقة الواقعة في شرق آسيا بالسلطة عبر التاريخ أو تخسرها في أوقات أخرى.

دولي

منذ شهرين
طريق الحرير الرقمي.. إمبراطورية الصين الرقمية التي تناطح أمريكا

يستهل التقرير بكلام أستاذ التاريخ الصيني بجامعة مانشستر، تشينغ يانغوين، ومؤلف كتاب «عشرة دروس في التاريخ الصيني الحديث» (مطبعة جامعة مانشستر، 2018)، الذي أشار إلى أن التجارة جعلت الصين غنية، لا سيما منذ القرن السابع عشر، حين استحوذت الصين على كثير من الفضة الموجودة في العالم؛ ففي عام 1600، كانت الصين هي «الأكبر والأكثر تطورًا من بين جميع الممالك الموحدة على وجه الأرض»، على حد قول جوناثان سبنس الباحث في الثقافة والشؤون الصينية، وكان ذلك انعكاسًا لإنجازات أسرة مينغ (1368–1644)، عندما كان للصين تأثير هائل على الصعيد الدولي، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى ازدهار التجارة العالمية.

معادلة «القوة العظمى»

استخدم المؤرخون مصطلح «دورة الأسرات الحاكمة» لوصف تلاشي قوة الصين وتضاؤلها، وهو المصطلح الذي قد يساعدنا في التحقق مما إذا كانت الصين على الدوام (أو في أي وقت) أكبر قوة عظمى على مستوى العالم، كما يشير التقرير.

كانت العديد من الأسر الحاكمة موضع إشادة مختلف المؤرخين؛ من أمثال مارك إدوارد لويس الذي وصف أسرة تانغ (618-907) بأنها «إمبراطورية كوزموبوليتانية»، وجون فيربانك الذي أطلق على فترة حكم سلالة سونغ (960–1279) وصف «أعظم عصور الصين»، فيما رأى البعض في الرحلات الملحمية التي قام بها الأدميرال تشينغ هي (بين عامي 1405- 1433) دليلًا على أن عهد مينغ المبكر هو العهد «الذي حكمت فيه الصين البحار»، في حين خلص تشارلز هاكر إلى أن فترة حكم ثلاثة أباطرة من أسرة تشينغ في أواخر القرنين السابع عشر والثامن عشر مثلت «العصر الذهبي الأخير للصين».

Embed from Getty Images

كان أحد مصادر قوة الصين هي: التجارة، وتحديدًا في ثلاث سلع: أولاها الحرير الذي نشر ركائز الإمبراطورية الصينية المبكرة خلال عصر هان- تانغ عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا، وثانيها الخزف الذي حدد علاقة الصين بالعالم منذ عصر تانغ- سونغ وحتى عصور أسر مينغ- تشينغ، ثم ازداد التعطش الدولي لـ«الصين» في القرنين السابع عشر والثامن عشر عندما أضيف الشاي إلى قائمة السلع المُتداولة عالميًّا، واكتسحت الزخرفة الصينية Chinoiserie (نمط من الفن والأثاث والهندسة المعمارية) أوروبا الغربية.

صحيح أن الصين أصبحت غنية بفضل التجارة، خاصة منذ القرن السابع عشر؛ حين استحوذت الصين على كثير من الفضة الموجودة في العالم، حسبما أشار التقرير سابقًا، ولكن كانت التجارة أيضًا – لا سيما النقص المتزايد في الفضة – هي التي أدت إلى اندلاع حروب الأفيون واضمحلال سلالة شينغ في القرن التاسع عشر، ولقد كان ذلك يعد نهاية «العصر الذهبي» الأخير للصين، وتبعه ما يسمى بـ«قرن المعاهدات غير المتكافئة» التي أدت إلى التنازل المتمثل في الحكم الذاتي وقيام الأقاليم مثل هونج كونج.

بناء على ما سبق، يتضح أن كل أسرة حاكمة تصعد إلى سدة الحكم وتحشد القوة، لكنها تتضاءل في النهاية، وربما أثار «الصعود السلمي» في فترة ما بعد ماو إعجاب كثيرين حول العالم، لكن من المستبعد أن يفلت النظام الشيوعي من التدهور الحتمي الذي أصاب الأسر الحاكمة.

ينتقل التقرير إلى أستاذ تاريخ وسياسة الصين الحديثة بجامعة أكسفورد، رنا ميتر، وهو مؤلف عدة كتب منها «حرب الصين مع اليابان، 1937-1945: الكفاح من أجل البقاء» الصادر عن دار نشر Allen Lane عام 2013، وهو يشير إلى أن الصين سيطرت على العقول في آسيا على مدار أكثر من ألفي عام بسبب قدرتها على تشكيل الطريقة التي يعيش بها الناس ويفكرون.

هل كانت الصين في يوم من الأيام قوة عظمى؟

يجيب ميتر: إذا سألت عديدًا من الصينيين، فقد يقولون إن أسرة تانغ (618-907) ستكون مؤهلة لتضع الصين في هذه المكانة؛ إذ وحدت تلك الأسرة مساحات شاسعة من الأراضي، وفي عهدها امتد تأثير الصين إلى دول آسيا الوسطى المحيطة بها، حيث تبنى الأباطرة لقب «خان» لإظهار هيمنتهم على المنطقة الأوسع، وتشكلت المجتمعات المجاورة – مثل اليابان التي لم تكن جزءًا من النظام السياسي الصيني- أيضًا من خلال اللغة والدين والأفكار السائدة في البر الرئيسي.

Embed from Getty Images

كانت أسرة يوان (1271–1368) هي الأكثر إثارة للجدل، ولكن ربما كانت الأكثر جدارة بلقب «القوة العظمى»، بحسب  أستاذ التاريخ في جامعة أكسفورد، أسسها قوبلاي خان، ولم يكن حكامها من أصل عرقي صيني بل من المغول؛ فقد كانت سيطرة إمبراطوريته على الدول الواقعة إلى الغرب من الصين اسمية إلى حد ما، لكنها أظهرت إلى أي مدى يمكن أن يمتد نفوذ بكين، وعلى الرغم من أن قوبلاي خان لم يكن صينيًّا، فقد استفاد من تقاليد الصين في الفكر الكونفوشيوسي لتشكيل حكومته – وهي علامة على قوة تلك الثقافة، حتى في تفكير حاكم من الغزاة.

لقد تغير تعريف الصين تغيرًا كبيرًا على مر السنين؛ إذ توسعت مجموعة الدول الصغيرة المتمركزة حول النهر الأصفر على مر السنين لتصبح العملاق الإقليمي اليوم الذي يهيمن على خريطة شرق آسيا، ومع ذلك، في معظم تلك الآونة، كانت الصين منقسمة سياسيًّا.

لقد كانت الثقافة هي سبب وحدتها، والرافد الأكبر لقوتها، ونادرًا ما كان امتداد أراضي الصين هو أهم ركيزة في مسعاها إلى تبوُّء مكانة القوة العظمى، ومثلما تظل الولايات المتحدة قوة عظمى إلى حد كبير لأن اللغة الافتراضية للعالم هي اللغة الإنجليزية، كذلك سيطرت الصين على العقول في شرق آسيا ووسطها لأكثر من ألفي عام بسبب قدرتها على تشكيل الطريقة التي يعيش بها الناس ويفكرون، حتى عندما تضعف سيطرتها السياسية المباشرة عليهم، وقد يكون هذا هو الوضع في القرن الحادي والعشرين، حيث تسعى الصين إلى إنشاء «طريق حرير جديد» من خلال الاستثمار الدولي في أفريقيا وآسيا، وبذلك فإنها تخلق دورًا مؤثرًا جديدًا لنفسها.

القوة الحقيقية: احتضان الجميع

الخبير الثالث الذي تستعرض المجلة رأيه هو جيمس ميلوارد، أستاذ التاريخ في جامعة جورج تاون بواشنطن العاصمة، ومؤلف عدة كتب منها «طريق الحرير: مقدمة قصيرة جدًّا» (مطبعة جامعة أكسفورد، 2013).

يرى ميلوارد أن الحضارة الصينية شكلت قوة عظمى ناعمة وعظيمة القيمة بالنسبة لمختلف الشعوب، لكن لا ينبغي أن نتحدث عن «الصين» بصفتها كيانًا سياسيًّا مستمرًّا ومترابطًا كان «دائمًا» يتبوأ المكانة التي يتبوأها اليوم؛ فالرواية القومية الرسمية تشير إلى أن الصين تتمتع بتاريخ ممتد لآلاف السنين؛ لكن بالطبع الأراضي والشعوب المتنوعة التابعة لجمهورية الصين الشعبية ليست هي نفسها أراضي أسرة زو (حوالي 1046- 256 قبل الميلاد).

Embed from Getty Images

والشبه بين اليوم وأمس لا يعدو الشبه بين مصر اليوم في عهد عبد الفتاح السيسي ومصر التي كان يحكمها الفراعنة، بل كان هناك عديد من الممالك التي تحكم أجزاء مختلفة من البر الرئيسي لشرق آسيا، مثلما كان عليه الحال في أوروبا، وعلى الرغم من أننا نميل إلى تسميتهم جميعًا «بالأسر الحاكمة الصينية»، فإنهم لم يكونوا أكثر تواصلًا، من الناحية السياسية أو من ناحية الأراضي أو الناحية العرقية، من الأنظمة السياسية في أوروبا عقب انهيار الإمبراطورية الرومانية.

من الناحية الثقافية، كانت هناك استمرارية في العظمة الصينية؛ فلم تتأثر الأسر الحاكمة الصينية فقط بالتقاليد اللغوية والقانونية والأدبية والدينية الفلسفية للمجتمعات التي كانت موجودة في شمال الصين، خلال الألفية الأولى قبل الميلاد فحسب، بل ينطبق الأمر أيضًا على فيتنام وكوريا (غزتهما بين فينة وأخرى إمبراطوريات قائمة في الصين)، وحتى اليابان (التي لم تُحتل أبدا من دولة مقرها الصين).

علاوة على ذلك، استمر التأثير الثقافي الصيني وانتشر حتى بعد انسحاب الجنود – ومن ثم يمكن للمرء القول إن الحضارة الصينية، مثل حضارة الغرب أو الساحة الإسلامية، شكلت قوة عظمى ناعمة عظيمة القيمة لشعوب متنوعة.

أما بالنسبة للقوة الصلبة (العسكرية والاقتصادية)، فمنذ سقوط إمبراطورية الهان (202 قبل الميلاد – 220 بعد الميلاد)، كانت أكثر الإمبراطوريات الصينية انتشارًا هي تلك التي تأثرت بشدة بالشعوب غير الناطقة بالصينية أو حكمتها هذه الشعوب ودلالة ذلك إن أسرة تانغ (618-907)  استخدمت الأتراك وأبناء آسيا الوسطى جنودًا ومسؤولين، وغزت جيوش تانغ التركية لفترة وجيزة أجزاء من آسيا الوسطى تحت قيادة جنرال كوري، وحشد المغول مناطق مجزأة شمال وجنوب نهر اليانجتسي للانضواء تحت لواء دولة الخان في أسرة يوان العظيمة (1271–1368)، والتي أصبحت بعد سقوط الإمبراطورية المغولية هي إمبراطورية مينغ (1368–1644).

إلى جانب أراضي مينغ، ضمت إمبراطورية أسرة مانشو تشينغ (1636-1912) تايوان والتبت ومنغوليا ومنطقة الأويغور، وسيطر الحزب الشيوعي الصيني على معظم الأراضي الجديدة التي غزتها أسرة تشينغ هذه، لكنه يكافح الآن لصهرها في بوتقة رؤيته للصين التي تتمحور حول الهان على نحوٍ متزايد. وقد تدرك القوة العظمى الحقيقية اليوم أن عظمة التقاليد الصينية تكمن في قدرتها على أن تشمل مختلف الأطياف تحت لوائها، وليس في شوفينيتها الضيقة.

Embed from Getty Images

الخبير الرابع والأخير الذي تستعرضه هذه السطور هي آن جيريتسن، أستاذة التاريخ بجامعة وارويك، ومؤلفة الكتاب الجديد «مدينة الأزرق والأبيض: الخزف الصيني والعالم الحديث المبكر» التي ستنشره مطبعة جامعة كامبريدج قريبًا، تقول آن: عندما ننظر إلى الإنتاج والتصنيع، نرى أن الصين كانت، وكانت لفترة طويلة، أعظم قوة عظمى.

ما الذي يجعل أي دولة قوة عظمى عالمية؟

تفاخرت الصين بكل هذه الأشكال من القوة، وفي أوقات مختلفة، ومن ثم ينبغي عدها من بين القوى الدولية العظمى. وعندما ننظر إلى الإنتاج والتصنيع، ربما يتعين علينا أن نتفق على أن الصين هي أعظم قوة عالمية عظمى، وقد كانت كذلك لفترة طويلة.

تضرب أستاذة التاريخ على ذلك مثلًا: الشاي، مشيرة إلى أن استهلاكه (الأوراق المنقوعة لشجيرة الكاميليا الصينية Camellia sinensis) له تاريخ طويل في الصين، وتُظهر تحليلات القياس الطيف الكتلي الجزيئي الحيوي لبقايا النباتات، التي عُرضت في مقال حديث نشرته مجلة «نيتشر»، أن الشاي كان يشربه أباطرة أسرة الهان في القرن الأول قبل الميلاد، كما كان يُباع ويُشترى على طول طرق الحرير إلى غرب التبت بحلول القرن الثاني إلى القرن الثالث الميلادي.

العالم والاقتصاد

منذ شهرين
هل ستستخدم الصين سلاح الديون ضد الولايات المتحدة الأمريكية؟

وارتفعت شعبية الشاي باطراد، وانتشر في جميع أنحاء آسيا ومناطق أخرى، ومع الوقت أصبح الشاي المنتج في الصين متداولًا بكميات كبيرة في جميع أنحاء العالم، وهذا الإنتاج الموجه لتلبية الطلب الدولي يوحي بالتأكيد بوجود قوة عظمى عالمية.

وكان لمنتج آخر مصنوع في الصين تأثير أكبر في التجارة العالمية. فالصين، كما يوحي الاسم، هي مسقط رأس نوع السيراميك المعروف في الغرب باسم الصيني، وعلى الرغم من أن الأواني الفخارية التي تحرق في درجة حرارة منخفضة، وكذا الأواني الحجرية تصنع في جميع أنحاء العالم، فإن الصين هي الوحيدة التي كانت تمتلك ذلك النوع من الطين الذي يمكنه تحمل درجات حرارة تزيد على 1300 درجة مئوية، مما ينتج منه منتج زجاجي صلب يسمى الخزف.

في وقت مبكر من القرن التاسع، كان الخزافون الصينيون ينتجون الخزف للأسواق المحلية والخارجية ومنذ القرن الثالث عشر، كان يصنع الخزف الأبيض المزخرف بزخارف الكوبالت الأزرق قبل التزجيج في ورش باستخدام طرق تشبه خط الإنتاج والتجميع، على هذا النحو، صنعت ملايين عديدة من السيراميك الأزرق والأبيض وصُدِّرَت إلى أوروبا.

وكان لإنتاج السلع على نطاق صناعي بهدف التصدير إلى مختلف أنحاء العالم تاريخ يعود على الأقل إلى القرن السادس عشر، وعلى هذا الأساس، يمكن أن نقول إن الخزف – وليس القوة العسكرية أو التوسع الإقليمي – هو الذي جعل الصين أعظم قوة عظمى عالمية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد