من هم الرؤساء الذين أقيلوا سابقًا في الولايات المتحدة؟ وكيف تتم عملية الإقالة؟ وما الذي يعنيه هذا التاريخ بالنسبة لترامب؟ أجاب عن هذه التساؤلات، آدم سميث، الأستاذ في تاريخ الولايات المتحدة في كلية لندن الجامعية، في مقال نشره موقع هيستوري إكسترا التابع لشبكة بي بي سي.

بدأ سميث مقاله بالقول: شكك البعض في مدى ضرورة ذلك القرار، لكن بالنسبة لمعظم المندوبين في المؤتمر الدستوري في فيلادلفيا عام 1787، كان إعطاء الكونجرس الحق في إقالة الرئيس خطوة بديهية، لم تتم لتستخدم برفق، بل كانت فرملة طارئة لكبح الانحدار نحو السلطوية.

خارج المؤتمر، حذر الديمقراطيون الراديكاليون من خطر منح الامتيازات الملكية لشخص واحد. ماذا لو أن ديكتاتورًا محتملًا سلك طريقه نحو الرئاسة بالرشوة؟ ماذا لو تآمر مع دول أخرى أو أساء استخدام سلطته؟ هل سيكون كافيًا انتظار الانتخابات القادمة لإزاحته عن الحكم؟ الإقالة كانت حلًا معقولًا.

النص الكامل للمكالمة التي قد تنهي رئاسة ترامب

الإقالات تاريخيًّا

يوضح سميث بأن الإقالات كانت ممارسة عميقة الجذور في التاريخ الإنجليزي والسوابق القانونية، كما صاغها المؤسسون في الدستور والمعايير التي تبررها: «الخيانة والرشوة والجرائم الكبرى والجنح». لم يناقش المؤسسون بالتفصيل ما الذي يعنيه هذا التعبير، لكن ذلك يرجع إلى اعتقادهم بأن معناها واضح إلى حد ما، وأنها تشير إلى الجرائم المرتكبة بحق الدولة وليست الجرائم الفردية.

لا ينبغي إقالة الرئيس لتهربه من دفع الضرائب، أو تلاعبه بالناس باعتباره رجل أعمال يعمل في القطاع الخاص، أو لارتكابه أي من الجرائم والإساءات التي لا تنطوي على ممارسات فيها استخدام لسلطته بوصفه رئيسًا. مثل هذه الأمور يمكن التعامل معها بعد مغادرته منصبه (أحد أشكال السلطات الملكية التي احتفظ بها الرئيس هي: تمتعه بالحصانه من الملاحقة القضائية). فالإقالة ليست عقوبة، وإنما حماية للجمهورية، عن طريق إقالة أي شخص يشكل خطرًا على حريتها.

يضيف سميث: لم يتخيل أحد أن تكون الإقالة إلا صدمة وطنية، كما تنبأ بذلك ألكسندر هاملتون- أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة- حين كتب في إحدى مقالاته التي تروج للدستور الجديد: 

«إن محاكمتهم نادرًا ما ستفشل في إثارة مشاعر المجتمع بأسره، وتقسيمه إلى أحزاب- صديقه أو عدوة- للمتهم. في الكثير من الحالات، سترتبط بالفصائل الموجودة مسبقًا، وستجند كل العداوات والتحيزات والتأثير والمصلحة في هذا الجانب أو ذاك، وفي هذه الحالة سيصبح الخطر الأكبر هو أن القرار سيكون متأثرًا بالقوة النسبية للأحزاب أكثر من ظواهر البراءة أو الإدانة».

لهذا بالضبط جُعلت الإقالة أمرًا صعبًا في الدستور. أولًا: على مجلس النواب أن يمرر مواد الإقالة- قائمة التهم- بأغلبية الأصوات. عند هذه النقطة، يكون الرئيس قد أُقيل ولكن لم يستبعد من مصب الرئاسة بعد. تذهب بعدها القضية إلى مجلس الشيوخ الذي ينعقد باعتباره محكمة للاستماع لكلا الطرفين. وإذا صدر الحكم بالإدانة بأغلبية ثلثي الأصوات عندها يتعين على الرئيس مغادرة منصبه.

الإقالات في تاريخ الولايات المتحدة

يستطرد سميث: في الفترات الرئاسية السابقة للرؤساء الـ57، غادر الرئيس منصبه في حالة واحدة فقط قبل نهاية ولايته دون أن يموت. هذا المثال الوحيد بالطبع كان ريتشارد نيكسون، الذي استقال قبل سنتين من نهاية ولايته الثانية، قبل إقالته التي كانت وشيكة. وفي 29 يوليو (تموز) صوَّت 28 من 38 عضوًا في لجنة القضاء بمجلس النواب لصالح إقالته على خلفية اتهامات تتعلق بسوء استخدام السلطة، من بينهم أحد أعضاء حزبه، ما يشير إلى أن الغالبية العظمى من مجمل مجلس النواب قد تحذو هذا الحذو. 

الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون

الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون

في 5 أغسطس (آب)، صدر شريط «الدليل القاطع» الذي يثبت بأن نيكسون سعى للتغطية عن مسؤولية حملته الانتخابية عن اقتحام مقر الحملة الوطنية الديموقراطية في مجمع ووترجيت أثناء انتخابات 1972. وعلى ضوء ذلك، تضاءلت فرصه في التهرب من التهم التي يوجهها له مجلس الشيوخ، فاستقال في 9 أغسطس. إذن، نيكسون لم يُقل، ولكنه خرج من المكتب الرئاسي تحت التهديد بالإقالة. وربما كان ألكسندر هاملتون سيعتقد بأن هذا يُظهر بأن كوابح الطوارئ تعمل بشكل جيد.

يضيف سميث: لكن المفارقة أن الرئيسين الذين أقالهما قبل مجلس النواب، بيل كلينتون عام 1998 وأندرو جونسون عام 1868، ربما لم يكن يجب إقالتهما، على الأقل ليس وفقًا للمعايير التي وضعها المؤسسون. ففي كلا الحالتين لم يصدر مجلس الشيوخ حكمًا بالإجماع، وإن كان على مقربة صوت واحد في حالة جونسون. 

كما واجه الرئيس جون إجراءات جادة للإقالة عام 1842، بالرغم من أن القضية لم تُرفع للتصويت الكامل قبل الانتخابات النصفية التي رجحت الكفة لصالحه. وكان أعضاء الكونجرس اليمينيين غاضبين من تايلور لاستخدامه حق الفيتو الرئاسي لإلغاء قانون التعريفة الجمركية الجديد، واتهموه بسوء اسخدام السلطة، وكان جون كوينسي آدم- الرئيس الأسبق- أحد الذين طالبوا بإقالته.

دور الكونجرس في إقالة الرؤساء

عندما كان جيرالد فورد زعيمًا للأقلية في مجلس النواب خلال النزاع الدائر حول إقالة القاضي اتحادي، صرّح بمقولة شهيرة: «الجريمة التي تستدعي الإقالة هي ما يعتبرها أغلبية مجلس النواب كذلك في أي لحظة تاريخية». إنها مقولة ساخرة، فهل يمكن للكونجرس أن يجذب «مكابح الطوارئ» حتى إذا لم تكن هناك حالة طوارئ حقيقية؟

يستشهد سميث بحادثة إقالة أندرو جونسون عقب الحرب الأهلية باعتبارها تثبت وجهة نظر فورد. مضيفًا: كان جونسون متعصبًا ديماغوجيا، ولم يكن مؤهلًا بأي شكل من الأشكال للحظة التي تولى فيها منصبه بعد اغتيال أبراهام لينكولن. كان جونسون ديموقراطيًا من تينيسي اختير نائبًا للينكولن في انتخابات عام 1864 في مسعى من حزب الأخير لإثبات أنه تجاوز الفجوة القطاعية. 

وكان صعوده إلى الرئاسة عقب انتهاء الحرب الأهلية مباشرة قد وضعه في مواجهة مباشرة مع الكونجرس بسبب تعاطفه شديد الوضوح للبيض الجنوبيين المنهزمين في الحرب الأهلية، حيث أحبط كل محاولة من قبل الكونجرس لتأمين حقوق العبيد المحررين أو معاقبة قادة الكونفدرالية.

ومع ذلك، كانت الأسس التي بنيت عليها إقالة جونسون مثيرة للضحك، حين نصب الكونجرس فخًا لجونسون فوقع فيه. مرر الكونجرس قانون حيازة المنصب- اعتبر بأنه غير دستوري لاحقًا- والذي ينص على أنه لا يحق للرئيس إقالة عضو من مجلس الوزراء دون إذن من الكونجرس. سار جونسون نحو الفخ كما كان مرسومًا له بإقالته وزير الحرب إدوين ستانتون.

كان من الممكن أن يدين الكونجرس جونسون بسهولة، ولو حدث ذلك، كانت إقالته ستقلب التوازان الدستوري لصالح السلطة التشريعية، منتجًا بذلك نظامًا شبه برلماني يجعل من السلطة التنفيذية خاضعة بشكل مباشر لسلطة الكونجرس. كانت هذه إحدى حالات «كان من الممكن» الكبرى وغير المقدرة في التاريخ الأمريكي.

إقالة بيل كلينتون

يقول سميث: ربما حنث بيل كلينتون بقسمه أمام المدعي العام حول علاقته الجنسية مع المتدربة في البيت الأبيض، ولكن هذا لم يكن مستوفيًا للمعايير التي وضعها هاملتون للجرائم ضد الدولة أو تهديد الحرية الفردية. وعلى الرغم من أن أغلبية الحزب الجمهوري أقالت كلينتون على أية حال، وصوت معظم الجمهوريين في مجلس الشيوخ لصالح قرار الإدانة، إلا أن قاعدة الثلثين هي فقط ما أبقت كلينتون في الرئاسة.

Embed from Getty Images

على العكس من ذلك، في حالات أخرى، تلقى الرئيس دعمًا كافيًا من الكونجرس لعرقلة أي تحركات لعقد جلسات استماع بشأن الإقالة حتى حين كانت هناك بعض الأدلة التي تشير إلى احتمالية وجود شيء يستدعي التحقيق. كانت هناك غمغمات بشأن إقالة جيمس بوشانان (1857 – 1861) ويوليسيس جرانت (1869 – 1877) بتهم بالفساد، وهاري ترومان (1945 – 1953) لسوء استخدام السلطة حين أقال الجنرال دوجلاس ماك آرثر، وورونالد ريجان لعلاقته المزعومة بقضية إيران-كونتر.. لكن لم تكن الإقالة قابلة للتطبيق سياسيًا في أي من هذه الحالات.

ما الذي حقًّا يطيح الرئيس؟

يشير التاريخ بالتالي إلى أن الشرط المسبق لأي تحرك جاد باتجاه الإقالة ليس هو ارتكاب جريمة تستدعي الإقالة، وإنما المعارضة الحزبية من الكونجرس. وبالرغم من ذلك، فإن شدة الجرائم المزعومة تصنع فرقًا. وهناك عدد كبير من الأمثلة لرؤساء واجهوا عداءً من الكونجرس لكنهم لم يقتربوا أبدًا من الإقالة، حتى وإن طالبت هوامش المعارضة الأكثر جموحًا بذلك (جورج بوش بعد 2006 وأوباما بعد 2010 أمثلة حديثة).

يضيف سميث: الجرائم المزعومة ووضوح الأدلة مهمة، وهي بلا شك تساعد إن كانت جرائم الرئيس من الممكن أن تختصر إلى فكرة بسيطة بواسطة الإعلام «قد حنث بقسمه أو غطى جريمة». وقد أخذ الكونجرس في بعض الأحيان على محمل الجد وجهة نظر المحامين الدستورين، وحاول التمييز بين ما يمكن اعتباره جريمة تستحق الإقالة وما هو ليس كذلك. على سبيل المثال: عندما لم يدفع ريتشارد نيكسون ضرائبه في فترة رئاسته الأولى، اعتبرها البعض جريمة جنائية، لكنه لم يُقل بسببها ولم يكن ينبغي له.

ما الذي يخبرنا به ذلك كله عن احتمالات إقالة ترامب؟

يتابع التقرير: إن أهمية الحزبية، التي هي الآن أكثر كثافة من أي وقت مضى ربما منذ عام 1860، تشير إلى أنه طالما يسيطر الجمهوريون على مجلس النواب، فلن تكون هناك فرصة لإقالة ترامب. والطرح القائل بأن أفعال ترامب تستدعي الإقالة إنما يروج لها المعلقون ومن بينهم محافظون مثل: جنيفر روبين وليبراليين مثل: روبرت ريتش، وعلماء مثل: ألان ليتشمان وصحف مثل: ذا نيشن وديموقراطيين (رغم أنهم ليسوا حتى الآن من قيادة الحزب الذين يخشون أن يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية من الناحية السياسية) وأيضًا عدد قليل من الجمهوريين المنشقين.

وقائمة التهم التي تستحق الإقالة طويلة من بينها: سوء استخدام السلطة لإقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) جيمس كومي، وتقويض حرية الصحافة عبر وصفها بأنها أعداء الشعب، وانتهاك حظر التعديل الأول عبر ما يسميه «حظر المسلمين». 

والشروط اللازمة لكي يواجه الرئيس إعادة إجراء الانتخابات كانت «عدم ضمانة غير كافية» في اعتقاد الأب المؤسس جيمس ماديسون. «قد يخسر الرئيس قدرته بعد تعيينه، وقد يحرف مسار إدارته ويحولها إلى مخطط للاختلاس أو القمع، وقد يخون الثقة لصالح قوى أجنبية».

 والرئيس ترامب اتهم بكل هذا: بعدم استقراره العقلي، وسوء استخدام منصبه الرئاسي لإثراء نفسه وعائلته، والتآمر مع أجهزة الاستخبارات الروسية في جريمة قرصنة الكمبيوتر لدعم انتخابه، وإفشاء معلومات سرية للسفير الروسي.

يقول سميث: حتى وإن أقال مجلس النواب الذي تسيطر عليه الأغلبية الديموقراطية ترامب في عام 2019، فإن فرصه إدانته وإزاحته من منصبه الرئاسي من قبل مجلس الشيوخ تبدو ضئيلة جدًا، إن لم تكن معدومة. ومهما حدث في الانتخابات النصفية، فإنه من المستحيل نظريًا أن يفوز الديمقراطيون بثلثي الأصوات. حيث ستكون هناك حاجة إلى ما بين 15 و20 من أصوات أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين لدعم قرار إزاحة الرئيس من منصبه، وهو أكثر من الأصوات التي كانت لازمة للإطاحة بنيسكون ما لم يكن قد استقال. ومهما كان ما يظنونه من خصوصية ترامب، أثبت المشرعون الجمهوريون مرة تلو الأخرى بأنهم لن يطيحوه على الملأ.

فرص الإطاحة بترامب

يختم سميث بالقول: فقط إذا تراجعت شعبية ترامب في أوساط الناخبين الجمهوريين، قد يحدث هذا التغيير. ولكن لماذا قد يحدث هذا؟ جميع الأدلة تشير إلى أن داعمي ترامب ليست لديهم أوهام بشأن شخصية ترامب، ويريدونه رئيسًا على أية حال. 

على النقيض من ذلك، لم يكن نيكسون يحظى بتأييد كافٍ وقت استقالته، لكن هذا كان في عصر أقل حزبية، حيث لم تكن هناك قنوات مثل: فوكس نيوز تمد المؤيدين برواية بديلة. وباستثناء الموت، يبدو من المرجح أن ترامب سيبقى في الرئاسة على الأقل حتى موعد الانتخابات القادمة طالما أنه يحظى بدعم الكتلة الأساسية من الناخبين الجمهوريين. 

«فورين بوليسي»: لماذا تختلف فضيحة ترامب مع أوكرانيا عن فضيحة التدخل الروسي؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات