كتبت آنَّا سوارتوود هاوس، أستاذة مساعدة في تاريخ الفن بجامعة ساوث كارولاينا، مقالًا نشره موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي حول التحوَّلات الكثيرة التي تعرَّضت لها صورة المسيح حتى استقر الفن الغربي على تصويره على أنه رجل أبيض أوروبي الملامح، موضحةً ما نتج من ذلك من تغيرات اجتماعية كان لها تأثيرها إبَّان الاحتلال الغربي على أنحاء كثيرة من العالم وما سوف تؤدي إليه الآن في ظل التوترات العرقية في الولايات المتحدة والعالم.

وفي بداية مقالها، ذكرت الكاتبة أن تصوير المسيح بصفته رجلًا أوروبيًّا أبيضَ تعرَّض لإعادة النظر مجددًا خلال هذه الحقبة من التأمل الذاتي حول إرث العنصرية في المجتمع. وعندما دعا المتظاهرون إلى إزالة التماثيل الكونفدرالية في الولايات المتحدة، ذهب الناشط شون كينج إلى أبعد من ذلك؛ إذ طالب بأن تُزال الجداريات والأعمال الفنية التي تصور «المسيح الأبيض».

وتتمثل مخاوف كينج في أن تصوير المسيح وكيفية استخدام ذلك في دعم مفاهيم التفوق الأبيض ليست منفصلة بعضها عن بعض. ودعا الباحثون البارزون ورئيس أساقفة كانتربري إلى إعادة النظر في تصوير المسيح بصفته رجلًا أبيضَ.

وبصفتي مؤرخةً لفن عصر النهضة الأوروبية، درستُ الصور المتغيرة للمسيح من عام 1350 إلى عام 1600. وبعض أشهر صور المسيح، من صورته «العشاء الأخير» لليوناردو دافنشي إلى «يوم الحساب» أو «يوم القيامة» لمايكل أنجلو في كنيسة سيستين، قد أُنتِجت خلال هذه الحقبة.

لكن الصورة الأكثر تكرارًا في أي وقت عن المسيح تأتي من حقبة أخرى. إنها لوحة «رأس المسيح» ذي العينين الفاتحتين والشعر الأشقر، وهي اللوحة التي رسمها وارنر سالمان في عام 1940. وقد نجح سالمان، وهو فنان تجاري سابق أبدع في الفن للاستخدام في الحملات الإعلانية، في تسويق هذه الصورة في جميع أنحاء العالم.

ومن خلال شراكات سالمان مع شركتي نشر مسيحيتين، إحداهما بروتستانتية والأخرى كاثوليكية، أُدرِجت رأس المسيح في كل شيء بدءًا من بطاقات الصلاة، إلى الزجاج الملون واللوحات الزيتية المطبوعة، والتقويمات، والترانيم، والأضواء الليلية. وتتوج لوحة سالمان تقليدًا طويلًا من صُنْع الأوروبيين البيض لصور المسيح ونشرها، لأنها تشبه صورتهم الخاصة.

الفن الغربي: البحث عن الوجه المقدس

وترجِّح الكاتبة أن المسيح التاريخي كان ذا عينين بُنِّيتَين ولون بشرته مثل لون بشرة اليهود الآخرين الذين عاشوا في القرن الأول في الجليل، وهي منطقة في إسرائيل التوراتية. لكن لا أحد يعرف على وجه الدقة كيف كان شكل المسيح. ولا توجد صور معروفة للمسيح من حياته، وبينما يُوصف الملوك في العهد القديم مثل شاؤول (طالوت) وداود صراحةً بطول القامة والوسامة في الكتاب المقدس، ليس هناك دلائل على ظهور المسيح في العهد القديم ولا العهد الجديد.

Embed from Getty Images

وحتى هذه النصوص متناقضة: يقرأ نبي العهد القديم إشعياء أن المخلص القادم «لَمْ يَكُنْ لَهُ جَمَالٌ أوْ بَهَاءٌ»، بينما يزعم كتاب المزامير أنه كان «أبرَعُ جَمالًا مِنْ بَني البَشَرِ»، وكلمة «جميل» تشير إلى الجمال الجسدي. ظهرت الصور المبكرة للمسيح في القرن الأول حتى القرن الثالث بعد الميلاد، وسط مخاوف بشأن عبادة الأصنام. وكانت الصور أقل اهتمامًا بالتعبير عن المظهر الفعلي للمسيح أكثر من اهتمامها بتوضيح دوره بصفته حاكمًا أو مُخلِّصًا.

ولكي يشيروا بوضوح إلى هذه الأدوار، اعتمد الفنانون المسيحيون الأوائل غالبًا على التوفيق بين المعتقدات المختلفة، مما يعني أنهم جمعوا بين الأشكال المرئية من الثقافات الأخرى. وربما تكون الصورة التوفيقية الأكثر شيوعًا هي صورة المسيح بصفته الراعي الصالح، وهو شخصية شابة بلا لحية تستند إلى الصور الوثنية لأورفيوس وهيرميس وأبولو.

وفي الصور الشائعة الأخرى، يرتدي المسيح الشملة أو سمات أخرى للإمبراطور. ويجادل اللاهوتي ريتشارد فيلاديسو بأن المسيح الملتحي الناضج، ذا الشعر الطويل على الطراز «السوري»، يجمع بين خصائص الإله اليوناني زيوس وشخصية العهد القديم شمشون، من بين آخرين.

صورة ذاتية

كان يُعتقد أن الصور الأولى للمسيح، بمعنى التشابه الموثوق به، هي صور ذاتية: «أي الصورة التي لم تصنعها أيدي البشر» أي إن وجودها يعزى إلى معجزة. ونشأ هذا الاعتقاد في القرن السابع بعد الميلاد، بناءً على أسطورة أن المسيح شفى الملك أبجر الخامس ملك إذِيسَا (مدينة يونانية)، في أورفا الحديثة بتركيا، من خلال صورة معجزة لوجهه، تُعرف الآن باسم الماندليون Mandylion.

وتروي أسطورة مماثلة تبنتها المسيحية الغربية بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر كيف ترك المسيح، قبل موته على الصليب، صورة من وجهه على نقاب القديسة فيرونيكا، وهي صورة تُعرف باسم فولتو سانتو volto santo، أو «الوجه المقدس».

Embed from Getty Images

وشكَّلت هاتان الصورتان، إلى جانب قطع أثرية أخرى مماثلة، أساس التقاليد الأيقونية حول «الصورة الحقيقية» للمسيح. ومن منظور تاريخ الفن، عززت هذه القطع الأثرية الصورة الموحدة بالفعل للمسيح ذي اللحية والشعر الأسود الذي يتدلى وصولًا إلى الكتفين. وفي عصر النهضة، بدأ الفنانون الأوروبيون في الجمع بين الأيقونة والصورة، حيث جعلوا المسيح شبيهًا بهم. وحدث هذا لأسباب متنوعة، من تمثل الألم البشري للمسيح إلى التعليق على القوة الإبداعية للفنان.

على سبيل المثال، رسم الرسام الصقلي أنتونيلو دا ميسينا من القرن الخامس عشر، صورًا صغيرة لمعاناة المسيح صِيغت تمامًا مثل صوره التي رسمها للأشخاص العاديين، مع وضع الموضوع بين حاجز خيالي وخلفية سوداء بسيطة والتوقيع «رسمني أنتونيلو دا ميسينا».

وطمس الفنان الألماني آلبريخت دورر من القرن السادس عشر، الخط الفاصل بين الوجه المقدس وصورته الذاتية في صورة شخصية شهيرة له عام 1500. وفي هذا، وقف ووجهه إلى الأمام مثل أيقونة، بلحيته وشعره الغزير الذي يصل إلى كتفيه مستحضرًا صورة المسيح. ويمكن أن يرمز حرفي AD على نحو متساوٍ إلى اسم الفنان أو إلى Anno Domini – أي بعد الميلاد «في عام ربنا».

أي صورة؟

لم تقتصر هذه الظاهرة على أوروبا: فهناك صور من القرنين السادس عشر والسابع عشر للمسيح بها، على سبيل المثال، ملامح إثيوبية وهندية. غير أنه في أوروبا، بدأت صورة المسيح الأوروبي ذي البشرة البيضاء في التأثير في أجزاء أخرى من العالم من خلال التجارة والاستعمار الأوروبي.

وتصور لوحة «عشق المجوس» للرسام الإيطالي أندريا مانتيجنا، من عام 1505 بعد الميلاد، ثلاثة مجوس متميزين، وفقًا لتقليد معاصر واحد، جاءوا من أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. وهم يقدمون أشياءً باهظة الثمن من الخزف والعقيق والنحاس الأصفر، كانت تُعد واردات ذات قيمة رفيعة من الصين والإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية.

لكن بشرة المسيح الفاتحة وعينيه الزرقاوين تشيران إلى أنه لم يولد في الشرق الأوسط بل في أوروبا، والنقش العبري المطرز على طرف أكمام مريم وحاشية ثوبها يُكذِّب العلاقة المعقدة بيهودية العائلة المقدسة. وفي إيطاليا على عهد مانتيجنا، كانت الأساطير المعادية للسامية سائدة بالفعل بين غالبية السكان المسيحيين، حيث غالبًا ما كان اليهود يُعزَلون في الأحياء الخاصة بهم في المدن الكبرى.

Embed from Getty Images

حاول الفنانون النأي بالمسيح ووالديه عن يهوديتهم. حتى السمات التي تبدو صغيرة مثل الآذان المثقوبة – كانت الأقراط مرتبطة بالنساء اليهوديات، وكانت إزالتها مرتبطة بالتحول إلى المسيحية – يمكن أن تمثل انتقالًا نحو المسيحية التي يمثلها المسيح. وفي وقت لاحق، حاولت القوى المعادية للسامية في أوروبا، بمن فيهم النازيون، تطليق المسيح تمامًا من يهوديته لصالح الصورة النمطية الآرية.

المسيح الأبيض في الخارج

ومع تزايد استعمار الأوروبيين للأراضي البعيدة، حملوا معهم المسيح الأوروبي. وأسس المبشرون المسيحيون مدارس للرسم كانت تعلم الفن المسيحي للمتحوِّلين الجدد إلى المسيحية على النمط الأوروبي.

وعُثِر على قطعة صغيرة من مذبح صنع في مدرسة جيوفاني نيكولو، المسيحي الإيطالي الذي أسس «مدرسة الرسامين» في مدينة كوماموتو اليابانية، حوالي عام 1590، وهي تجمع بين معبد ياباني تقليدي مُحلَّى بالذهب وعرق اللؤلؤ مع لوحة، لمادونا الأوروبية والطفل ولونهما أبيض مميز.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
يخفي آلة زمن وأسرار المسيح.. 5 من أبرز نظريات المؤامرة عن قبو الفاتيكان السري

وفي أمريكا اللاتينية الاستعمارية – التي أطلق عليها المستعمرون الأوروبيون اسم «إسبانيا الجديدة» – عززت صور المسيح الأبيض نظام الطبقات؛ إذ احتل الأوروبيون المسيحيون البيض الطبقة العليا، في حين احتل أولئك الذين لديهم بشرة داكنة ناتجة من الاختلاط المتصور مع السكان الأصليين مرتبة أدنى بكثير.

وتُظهر لوحة الفنان نيكولاس كوريا عام 1695 للقديسة روز من ليما، وهي أول قديسة كاثوليكية وُلدت في إسبانيا الجديدة، زواجها المجازي من المسيح الأشقر ذي البشرة الفاتحة.

ميراث الشبه

يجادل الباحثان إدوارد ج. بلوم، وبول هارفي، أنه في القرون التي تلت الاستعمار الأوروبي للأمريكتين، ربطت صورة المسيح الأبيض المسيح بمنطق الإمبراطورية وأمكن استخدامها في تبرير اضطهاد الأمريكيين الأصليين والأفارقة.

وفي أمريكا متعددة الأعراق، والتي تفتقر إلى التكافؤ، كان هناك تمثيل غير متناسب لمسيح أبيض في وسائل الإعلام. لم تكن لوحة «رأس المسيح» التي رسمها وارنر سالمان هي التي تُصوَّر على نطاق واسع فحسب، بل نسبة كبيرة من الممثلين الذين لعبوا دور المسيح في التلفزيون والسينما كانوا من البيض ذوي العيون الزرقاء.

واختتمت الكاتبة مقالها مؤكدةً أن صور المسيح خدمت عديدًا من الأغراض تاريخيًّا، من تقديم قوته بشكل رمزي إلى تصوير شبهه الفعلي. لكن التصوير مهم، ويحتاج المشاهدون إلى فهم التاريخ المعقد لصور المسيح التي يتداولونها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد