يحاول «إيتاي ماك»، المحامي الحقوقي الإسرائيلي الذي يعمل على وقف الدعم العسكري الإسرائيلي للبلدان التي ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في هذا المقال الذي نشره موقع «لوب لوج»، سبر أغوار التاريخ غير المروي عن العلاقات الوثيقة لإسرائيل مع ديكتاتورية شاه إيران. إذ تبدو إسرائيل اليوم، وفي الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية الإيرانية، كما لو كانت عدوةً أبدية لإيران.

وسلَّط ماك الضوء على الدعم الإسرائيلي لقمعٍ استمر عقودًا لقوى إيران التقدُّمية، بحسب ماك. واستعرض كذلك، من خلال وثائق كشفت عنها وزارة الخارجية الإسرائيلية مؤخرًا، تاريخ تلك العلاقات الإسرائيلية الإيرانية منذ الستينيات وحتى إسقاط شاه إيران عام 1979، وبداية عهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

يُصادف هذا العام حلول الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية في إيران، بحسب ماك. الثورة التي سيطر فيها آيات الله على البلاد، وأسقطت ملكية شاه إيران المطلقة. إذ أطاحت الجماهير الإيرانية، التي كانت تعيش تغيرات أيديولوجية شتى في ذلك الوقت، بنظام شاه إيران الفاسد والقمعي.

وأشار المحامي الحقوقي إلى أنَّ الكثيرين كتبوا على مدار سنين حول الروابط التي جمعت بين إسرائيل من جهة، ومحمد رضا شاه ونظامه الديكتاتوري من جهةٍ أخرى. غير أنَّ الكشف عن المعلومات -حتى الوثائق السرية من تلك الفترة- للجمهور العام بدأ حين غدا الأمر ملائمًا بالنسبة للرقابة العسكرية الإسرائيلية والمسؤولين السياسيين والأمنيين في إسرائيل.

Embed from Getty Images

وفي هذا السياق، شهدت الآونة الأخيرة، رفع السرية عن ملفات وزارة الخارجية ذات الصلة بالعلاقات مع إيران، وأصبح من الممكن العثور عليها في أرشيف الدولة الإسرائيلي. وشملت تلك الملفات ما يزيد على عشرة آلاف صفحة فيما يخص الفترة ما بين عامي 1953 و1979، والتي كانت خاضعةً لرقابةٍ شديدة مقارنةً بالملفات المماثلة في حالات البلدان الأخرى.

ويرى ماك أنَّ الوثائق تكشف النقاب عن علاقاتٍ واسعة واستثنائية مع دولةٍ أجنبية. ليس فقط لأنَّ هذه العلاقات كانت مع دولة مسلمة، ولكن لأنَّ العلاقة مع ديكتاتورية شاه إيران كانت استراتيجية ومحورية لإسرائيل، من وجهة نظرٍ أمنية واقتصادية وسياسية. في الوقت الذي كانت فيه علاقة إسرائيل مع العديد من الدول الأخرى مقتصرةً، بشكلٍ أساسي، على مبيعات الأسلحة مقابل الحصول على أصوات مؤيدة في المنابر الدولية.

وعلى هذا النحو، اشترت إسرائيل مثلًا قسطًا كبيرًا -وفي بعض السنوات كل- من نفطها من نظام شاه إيران، مقابل استخدامها وسيطًا من قِبَل إيران لبيع النفط إلى دولٍ من العالم الثالث. وتطلَّب ذلك التحالف النفطي عملًا إسرائيليًا وإيرانيًا مشتركًا لضمان سلامة طرق الشحن، بحسب ماك. مما عزَّز من شراكتهما في الصراع ضد محاولات الرئيس المصري جمال عبد الناصر المتكررة إقامة تحالفات أيديولوجية وعسكرية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، تكون معاديةً لإيران وإسرائيل، وخاصةً في دول الخليج وشبه الجزيرة العربية.

وذكر ماك، إضافةً إلى ذلك، أنَّ العلاقات على مستوى الشركات الإسرائيلية الخاصة والمملوكة للدولة، في مجالاتٍ شملت المنسوجات والزراعة والأجهزة الكهربائية والمياه والأسمدة والإنشاءات والطيران والشحن والغاز والإطارات -وحتى أطقم الأسنان- كانت تعمل كلها على نطاقٍ واسع في إيران.

لدرجة أنَّ إيران، في بعض السنوات، كانت واحدةً من الوجهات الرئيسة للصادرات الإسرائيلية. في حين، تمتَّعت الهيئات الأكاديمية الإسرائيلية بتعاون مكثفٍ نسبيًّا مع أكاديميين في إيران.

شاه إيران لم يعترف قط بإسرائيل اعترافًا رسميًّا

وعاد ماك إلى بداية العلاقات الإيرانية بإسرائيل، ليقول إنَّ إيران اعترفت بدولة إسرائيل اعترافًا بحكم الأمر الواقع في مارس (آذار) عام 1950، غير أنَّ إيران تجنّبت الاعتراف بإسرائيل رسميًّا في ظل الضغوط الداخلية من قبل المعارضين والمعادين لسياسات شاه إيران المؤيدة للغرب وأمريكا، بالإضافة إلى الضغوط الخارجية من قبل الدول العربية.

وأكَّد ماك أنَّ شاه إيران كان له تمثيلٌ «سريّ» في تل أبيب بدءًا من عام 1961، أما إسرائيل فقد كان لها تمثيل دائم في طهران، بلغ في وقتٍ من الأوقات حدَّ وجود سفارةٍ تضم ملحقين عسكريين. إلا أنَّه نظرًا للطبيعة الحساسة للاتفاقية بين الطرفين، فإنَّ الممثلين الإسرائيليين في إيران أحجموا بشكل عام عن إدارة علاقاتهم مع نظام شاه إيران من خلال الموظفين البيروقراطيين في وزارة الخارجية والوزارات الحكومية الأخرى.

وجرت الأعمال، بدلًا من ذلك، من خلال دائرةٍ ضيقة من السياسيين وأتباع شاه إيران المخلصين، بالإضافة إلى الرتب العليا في مؤسسة الدفاع الإيرانية. وفي بعض الأحيان، كانت تلك العلاقات تُدار بإشرافٍ مباشر من شاه إيران نفسه، ووزير ديوانه الملكي.

ولفت ماك الانتباه إلى أنَّ إسرائيل حاولت على مر السنين إخفاء مشاركتها في الأجهزة الأمنية والقمع الذي مارسه شاه إيران، لكن الشعب الإيراني كان على وعيٍ جيد بدعم إسرائيل للنظام. ولا سيّما روابط إسرائيل الوثيقة بالسافاك، الجهاز الأمني للشاه، الذي كان مسؤولًا بشكل مباشر عن الاضطهاد السياسي والتعذيب وقتل المعارضين السياسيين للنظام الملكي.

وانتقل ماك بعد ذلك إلى الوثائق ليقول إنَّه اختار التركيز على الوثائق المتعلقة بدعم إسرائيل للأجهزة الأمنية والقمع الذي مارسه شاه إيران فقط، نظرًا لاتساع مدى العلاقات بين البلدين، وهو الدعم الذي أدَّى في النهاية إلى سقوطه. علاوةً على أنَّ تلك الوثائق، حسب رأيه، تبرهن على عمق المشاركة الإسرائيلية في النظام، والأهمية الاستراتيجية التي أولاها الإسرائيليون لتلك العلاقة، والخشية من عواقب سقوط شاه إيران، وهو ما أمسى قلقًا صريحًا في السنوات التي سبقت نهاية حكمه.

في ذكراها الـ38: هل كانت الثورة الإيرانية إسلامية؟

تحقيق الاستقرار من خلال الاضطهاد

بدأ ماك بوثيقةٍ يرى أنَّها تكشف بجلاء عن وعي إسرائيل بسياسات شاه إيران القمعية، وتطرَّق إلى البرقية التي أرسلتها السفارة الإسرائيلية في لندن، في 22 أبريل (نيسان) عام 1955، والتي تصف دبلوماسيًا إيرانيًا يخبر محادثه الإسرائيلي بأنَّ الحكومة الإيرانية تحظر الشيوعية في كل مكان، وأنَّ الأمريكيين أبدوا رضاهم عن تلك الأعمال.

وبعدها بثمان سنوات كتب ناثانييل لورخ، مدير قسم الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الإسرائيلية، في 9 سبتمبر (أيلول) عام 1963، أنَّ المسيرات الدينية التقليدية التي جرت في ذلك الشهر تحوّلت إلى مظاهرات حاشدة ضد نظام شاه إيران.

وأضاف أنَّ الحكومة «فُوجِئَت باستخدام المسيرات الدينية للاحتجاج السياسي. وانتشرت أعمال الشغب في عدد من المدن. واستخدمت الحكومة قدرًا كبيرًا من القوة لكبح أعمال الشغب، وأعلنت رسميًّا مقتل 86 شخصًا وإصابة 193 آخرين. لقد مرّت الأيام القليلة الماضية في هدوء. فالنظام يُسيطر على الوضع في طهران والمحافظات التابعة لها … شكَّلت هتافات المتظاهرين المعادية لإسرائيل جزءًا صغيرًا من مجموع الشعارات المرفوعة. كما اختفت تمامًا، في الوقت ذاته، النغمة المعادية لليهود والإسرائيليين … يجب نبذ أي محاولة تعمد إلى طرح العلاقات الإسرائيلية الفارسية بوصفها سببًا للأحداث».

واستدعى ماك تقرير الدكتور زفي دوريل، رئيس البعثة الإسرائيلية في طهران، الذي أعدَّه في 3 يناير (كانون الثاني) عام 1964 وقال فيه: «إنَّ الاستقرار الداخلي والسيطرة الحصرية للشاه، اللذين تحققا من خلال قمع المعارضين الدينيين وغيرهم من معارضي النظام في يونيو (حزيران) الماضي، بالإضافة إلى ما يعتبره النظام دورةً انتخابية ناجحة، كل ذلك مستمر دون أن يُعكِّره أي اضطرابٍ واضح. علاوةً على أنَّ عملية تفكيك الجبهة الوطنية (الائتلاف الوطني المعارض للشاه) متواصلة».

وأضاف ماك إنَّه طبقًا للتقارير الإسرائيلية، فإنَّ شاه إيران كان يعتمد بشدة على حزب «إيران نوين» (إيران الجديدة) الحاكم، في الوقت الذي حاول فيه تعزيز وجود شكلٍ من أشكال المعارضة. فوفقًا لدراسةٍ ترجع إلى 25 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1964، أجراها إسرائيل هافيف من قسم الشرق الأوسط بوزارة الخارجية؛ دعَّم شاه إيران استمرار وجود «حزب الشعب» بصفته حزبَ معارضةٍ وهمي، بغية إضفاء طابعٍ أكثر ديمقراطية على الحياة البرلمانية في إيران، بدلًا من اعتماد نظام حكم الحزب الواحد بقيادة حزب «إيران نوين».

Embed from Getty Images

الإيرانيون بإمكانهم القضاء على أي حركة مقاومة

روى ماك أنَّه في اجتماعٍ عُقد في 19 ديسمبر (كانون الأول) عام 1954 بين وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان، ووزير الخارجية الإيراني عباس عرام، أثنى الأخير على العلاقات بين إسرائيل وإيران مُشدّدًا على أنَّه لا توجد دولة كانت علاقة إيران معها وثيقةً إلى تلك الدرجة. إلا أنَّ الإيرانيين، في الوقت نفسه، كانوا يفضلون الحفاظ على تلك العلاقات طي الكتمان.

وتحدَّث مئير عزري، أحد ممثلي البعثة الإسرائيلية في إيران، في تقريرٍ أرسله في 5 مايو (أيار) عام 1965 عن اجتماعٍ عقده مع وزير الخارجية الإيراني، واشتكى عرام من الطبيعة العلنية لأنشطة إسرائيل في البلاد، قائلًا إنَّ ذلك قد يضر بعلاقات إيران مع الدول العربية.

وأجاب عزري على الوزير قائلًا: «إنَّ مصلحة إسرائيل العامة في الشرق الأوسط تكمن في وجود إيران مزدهرة ذات سيادة تحت قيادة شاه إيران، الذي تعدّه إسرائيل صديقًا لها … ونحن لا نعتقد أنَّ العرب سيصبحون أصدقاء لإيران في أي يومٍ من الأيام، رغم كافة الجهود التي تبذلها إيران في سبيل ذلك. علاوةً على أنَّ صداقتنا بإيران تحتّم علينا لفت انتباهها إلى ما نعرفه عن محاولاتٍ عربية تستهدف المصالح الإيرانية الأكثر حيوية».

وقال ماك إنَّ إسرائيل، كما هو ملاحظ، كانت على علمٍ بالقمع الإجرامي الذي كانت تتعرَّض له المعارضة الإيرانية. إذ ورد في تقرير ديفيد ترجمان، الذي كان جزءًا من البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في إيران، في 27 يناير (كانون الثاني) 1966 أنَّ قادة حزب «توده الشيوعي الإيراني» قد صدرت ضدهم أحكامٌ غيابية بالإعدام، وذلك ضمن اتجاهٍ أكبر يهدف إلى إخضاع أعضاء المعارضة للمحاكمة.

وذكر ترجمان بعدها ببضعة أشهر، في 21 يوليو (تمّوز)، أنَّ شاه إيران والرتب العليا من الحكومة قد أمسوا واثقين بأنَّه «لم يعد هناك خطرٌ داخلي يُمثِّلُه المعارضون اليساريّون، إذ أنَّ قوات الأمن بإمكانها القضاء على أي مقاومةٍ أو حركةٍ سرية».

ولم يكن ترجمان، بحسب ماك، يحمل أي شكٍ في طبيعة النظام. إذ كتب في استعراضٍ للأوضاع أُعِدَّ في 8 مارس (آذار) عام 1967، بالتزامن مع إصلاحات شاه إيران لحماية الأسرة، أنَّه «ينبغي علينا الإقرار بأنَّ القانون الجديد هو مثالٌ كلاسيكي على مزايا نظام الاستبداد المستنير».

الملحق العسكري الإسرائيلي هو البطل اليوم

ويرى ماك أنَّ ذلك الاستبداد لم يمنع إسرائيل من النظر إلى العلاقات مع إيران بوصفها مسألةً جوهرية. وهو ما أشار إليه استطلاعٌ أُعِدَّ في 23 فبراير (شباط) عام 1966، إذ كتب مردخاي غازيت، مدير قسم الشرق الأوسط بوزارة الخارجية: «يُقال إنَّ العلاقات الإيرانية الإسرائيلية هي بمثابة نوعٍ من التحالف السري غير المكتوب، على بعض الأصعدة، والذي يعطي إسرائيل مجموعةً من المزايا في مجالات الاقتصاد والأمن، وفي القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط، ومواجهة الناصرية».

Embed from Getty Images

واستطرد غازيت قائلًا إنَّ إسرائيل تشارك في «عمليات صيانة مقاتلات سلاح الجو الإيراني وطائرات الطيران المدني مقابل مبالغ كبيرة … واستعان الإيرانيون بخبراء إسرائيليين في الدعاية الفارسية المناهضة لعبد الناصر … إلى جانب وجود تنسيقٍ استخباراتي عميق بين الطرفين يتضمَّن الاستفادة الكاملة من الأراضي الإيرانية … وتعاونٌ وثيق بين جيش الدفاع الإسرائيلي والجيش الإيراني … فضلًا عن أنَّ الملحقين الإسرائيليين على اتصالٍ يومي مع هيئة الأركان العامة الإيرانية، وهذا في الواقع أقل ما يمكن قوله، دون تواضعٍ لا داعي له … بالإضافة إلى عملية شراء إيران لأنظمةٍ طورتها شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية (IMI)، وصفقات شراء سلاح عوزي (Uzi) الإسرائيلي، وطلبات شراء أخرى في مراحل متقدمة من التفاوض حولها».

وقال ماك إنَّ الوثائق المنشورة لا تتناول بالتفصيل فحوى الشراكة بين إسرائيل وجهاز السافاك الإيراني سيء السمعة. ومع ذلك فإن الوثائق تشير إلى التعاون العسكري الذي جرى بينهما. إذ طلب رئيس الوزراء الإيراني من العقيد يعقوب نمرودي، الملحق العسكري الإسرائيلي في طهران، مثلًا تنسيقَ عمليةٍ لتدريب رئيس حرسه الشخصيين في برقيةٍ بتاريخ 4 يناير (كانون الثاني) عام 1967.

وفي محادثةٍ أخرى جرت بعد شهر، قال رئيس الوزراء لمئير عزري إنَّه «قد أصدر تعليماته إلى قائد قوات الدرك بشراء السلاح الإسرائيلي عوزي، واعتمد الميزانية اللازمة للقيام بذلك، وفقًا لطلب ملحق جيش الدفاع الإسرائيلي في طهران».

وأوردت الوثائق ذكر محادثةٍ أخرى دارت في 13 أبريل (نيسان) عام 1967 بين إسحاق رابين، رئيس الأركان العامة الإسرائيلي آنذاك، وشاه إيران الذي أبدى اهتمامه بالطائرات والدبابات الإسرائيلية، وكان «على درايةٍ بالتعاون الإسرائيلي الإيراني الذي يجري، خاصة على المستوى الأمني/العسكري».

وتطرَّق ماك إلى ما جاء في تقرير الدكتور زفي دوريل، السفير الإسرائيلي في طهران، في 29 أغسطس (آب) عام 1967: «أقمنا شراكة وثيقة وودية وعملية بين جيش الدفاع الإسرائيلي والأجهزة الأمنية من جهة، ونظرائها الإيرانيين على الجهة الأخرى، واعتمدنا تنفيذ برامج وبعثات مشتركة ذات أهمية وطنية للجانبين، بالإضافة إلى سلسلة من الزيارات المتبادلة بين قادة القوات المسلحة وكبار المسؤولين العسكريين. لقد ساهم التعاون العسكري الوثيق مع الإيرانيين في حل العديد من المشكلات الأمنية الحيوية بالنسبة للإسرائيليين …».

وأضاف: «إنَّ الملحق العسكري الإسرائيلي معترفٌ به من قبل هيئة الأركان العامة ووزارة الخارجية الإيرانية، ويحظى بعلاقات واسعة مع الجيش الإيراني، ويتعامل مع قائمة مثيرة للإعجاب من القضايا ذات الأهمية الوطنية، ويتمتَّع بمكانةٍ خاصة في الدوائر العسكرية الإيرانية … إذ قطعوا أشواطًا في مفاوضاتٍ متقدمة تتعلَّق بشراء منتجات إسرائيلية الصنع، وبرامج من تطوير شركة (بيديك) الإسرائيلية مقابل ملايين من الدولارات …».

واستطرد: «والتقى رؤساء الأركان، وقادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، مع شاه إيران في أكثر من مناسبة … إذ غدا الجيش الإيراني ينظر إلى جيش الدفاع والأجهزة الأمنية الإسرائيلية بوصفهم حلفاء يتشاركون في علاقات ومسائل مهنية … لقد أصبح العقيد نمرودي، الملحق العسكري، بطلًا اليوم في أوساط الجيش».

شاه إيران في صحافة النميمة الإسرائيلية

انتقل ماك بعد ذلك إلى برقيةٍ (لم يتبيّن مُرسِلها) أُرِّخَت في 27 ديسمبر (كانون الأول) عام 1967، وتقول: «لقد قبل الجمهور الإيراني الوجودَ الإسرائيلي البارز بوصفه حقيقة لا يمكن إلغاؤها … فإيران لا تعتبر الأنظمة العربية (الثورية) منبعًا للقومية العربية المُتشدِّدة فحسب، بل وتهديدًا لنظامها الملكي أيضًا.

وتوافقت تلك النظرة مع المصالح الإسرائيلية، ليس فقط في تشجيع العلاقات الحميمية بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ونظيرتها في إيران، بل وعلى المستوى الدبلوماسي في العواصم الغربية، خاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا. فضلًا عن التنسيق والتعاون المشترك في الشرق الأوسط (في ما يتعلق بالأكراد واليمن)».

Embed from Getty Images

ومع ذلك، أوضح ماك إنَّ نظام شاه إيران لم يكن يحب النقد أو الإعلان عن هذه العلاقات على وجه الخصوص، على الرغم من شدة تقارُبها. إذ اعترضت الدائرة الداخلية للشاه مرارًا وتكرارًا على تقارير وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تتناول بالتصريح العلاقات بين البلدين، وكذلك التي تتناول مذهب المتعة الذي اتخذته الأسرة المالكة سلوكًا شخصيًا في نمط معيشتها.

وأبدت وزارة الخارجية الإيرانية احتجاجها، في أغسطس (آب) عام 1967 مثلًا، على مقالة نميمة نشرتها مجلة «لايشا» النسائية الإسرائيلية عن أسرة شاه إيران، رغم إيضاح المندوب الإسرائيلي في طهران أنَّ «المجلة غير ذات قيمة، ولا تقرأها سوى الفتيات المراهقات».

وتابع ماك القصة قائلًا إنَّ وزارة الخارجية بحثت إمكانية رفع دعوى أمام المدّعي العام الإسرائيلي لاتخاذ إجراءات جنائية ضد لايشا، وتقديم طلب بمنع نشر أي مقالات نميمة تتناول شاه إيران وأسرته دون التصريح بنشرها أولًا من قبل الرقيب العسكري الإسرائيلي، وذلك وفقًا لبرقيةٍ أرسلها ي. مارجولين في 13 سبتمبر (أيلول) عام 1967.

في حين أرسل السفير عزري برقيةً إلى المدير العام لوزارة الدفاع في أغسطس (آب) عام 1972، ورد فيها أنَّ المفاوضات مع نظام شاه إيران الديكتاتوري حول شراء إيران طائرات نقل عسكرية إسرائيلية كانت في تقدُّم.

وكشف تقريرٌ أعدَّته وزارة الخارجية، بشأن صادرات إسرائيل العسكرية إلى الديكتاتورية في 29 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، أنَّه في الفترة بين عامي 1968 و1972 باعت شركة «الصناعات العسكرية الإسرائيلية» لإيران معدات بقيمة 20.9 مليون دولار، وباعت «شركة صناعات الطيران الإسرائيلية» ما قيمته 1.3 مليون دولار.

كما باعت شركة «سولتام» مدافع هاون بمبلغ 16.9 مليون دولار، في حين بلغت مبيعات «موتورولا» حاجز 12 مليون دولار، ووصلت مبيعات «تاديران» إلى 11.3 مليون دولار قبل أن تُشيِّد مصنعًا لمعدّات الراديو في إيران، بالإضافة إلى بيع وزارة الدفاع الإسرائيلية معدات قيمتها 700 ألف دولار.

جبهة متحدة في مواجهة الشيوعية

وتحدث ماك عن رسالةٍ، بتاريخ 28 يونيو (حزيران) عام 1973، من نائب المشرف على التبادل الأجنبي بوزارة المالية الإسرائيلية إلى نائب المدير العام لإدارة التعاون الدفاعي الدولي بوزارة الدفاع الإسرائيلية.

تقول الرسالة: «ضاعف المسؤولون الإسرائيليون، في الآونة الأخيرة، من نشاطهم في إيران، بما في ذلك: وحدات إنتاج تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي، ووزارة الدفاع، وصناعات الطيران، وشركات مثل تاديران، وموتورولا، وغيرهم ممن يحاولون بيع خدماتهم ومنتجاتهم للجيش الإيراني ووزارة الدفاع الإيرانية والوكالات الحكومية الشبيهة … وشهدت النشاطات الإسرائيلية اتساعًا كبيرًا في مداها.

بدءًا من توريد المنتجات العسكرية والإلكترونيات التي تقوم المصانع الإسرائيلية بتوفيرها، وصولًا إلى تصدير أنظمةٍ لجمعها وتركيبها مباشرة، فضلًا عن خدمات التدريب وإجراء المسوحات وإقامة وصيانة المنشآت، من خلال المقاولين. وقد نما إلى علمنا أنَّ أنشطة الهيئات الإسرائيلية متشابهة، وربما متداخلة فيما بينها».

وتلقَّت الشرطة الإيرانية، بحسب المقال، تدريبًا على تشغيل معدات الاتصالات في مقر «موتورولا» داخل إسرائيل. إذ طلب الإيرانيون «تلقي تدريبهم بالكامل في مقرات الشرطة الإسرائيلية» وفقًا لبرقية أرسلها أ. ليفين، من البعثة الإسرائيلية في إيران، إلى وكالة التعاون الدولي للتنمية التابعة لوزارة الخارجية في 2 يوليو (تموز) عام 1975.

وأوصي ليفين المعنيين بتلبية الطلب، وأعلم وزارة الخارجية في النهاية أنَّ «الشرطة الإسرائيلية توافق على إجراء الدورات التدريبية لضباط الاتصال الإيرانيين، تحت إشرافها ومسؤوليتها»، وأنَّ الجزء النظري من الدورة سيشمل «جولات في المنشآت الشرطية».

وأشار ماك إلى أنَّ تلك العلاقات كانت متبادلة على أعلى مستوى. إذ اجتمعت رئيسة الوزراء جولدا مائير بشاه إيران في عام 1972 وقالت في تقريرٍ، نُشِرَ بتاريخ 19 مايو (أيار)، إنَّ شاه إيران «يرى ضرورة تعزيز العلاقات والتعاون بين الدول التي تقف ضد الشيوعية، مثل بلاد فارس وإسرائيل وتركيا وإثيوبيا».

وحين استقالت مائير بعد عامين، وتولَّى إسحاق رابين المنصب، زار رئيس الوزراء الجديد إيران أيضًا والتقى رئيس جهاز الأمن الإيراني، وفقًا لبرقيةٍ بتاريخ 8 ديسمبر (كانون الأول) عام 1974.

بداية النهاية

  • أخذ ماك بعد ذلك في تناول الوثائق المتعلقة بالمرحلة الأخيرة من حكم شاه إيران. وقال إنَّ إسرائيل بدأت تقتنع بعدم استقرار نظام شاه إيران خلال تلك السنوات. إذ أعدَّت وزارة الخارجية تقريرًا في 11 سبتمبر (أيلول) عام 1972، بعد فترةٍ وجيزة من زيارة مائير لطهران، أشارت خلاله إلى أنَّ «الاضطرابات الاجتماعية بدأت تتكشَّف بين أوساط الطلاب والمثقفين، وأنَّ استقرار النظام يعتمد على السياسات الأمنية». بيد أنَّ إسرائيل كانت في حاجةٍ إلى أربع سنوات أخرى قبل أن تُدرك بالفعل أنَّ شاه إيران كان في ورطة كبيرة.

Embed from Getty Images

وذكر ماك برقيةً أرسلها أوري لوبراني، السفير الإسرائيلي آنذاك، وقال فيها إنَّ سياسات شاه إيران التحرُّرية، والإجراءات التي عمدت إلى الحدِّ من صلاحيات السافاك، أدَّت إلى «استغلال الوضع من قبل العناصر الانتهازية التي كانت خاملةً أو مختفية تحت الأرض، حتى وقت قريب، وبدأت تلك العناصر في التعبير عن معارضتها للنظام». مما أجبر شاه إيران، على حد تعبيره، إلى إعادة منح السافاك بعض سلطاته في محاولة للسيطرة على الوضع.

وأضاف السفير لوبراني أنَّ «الكثير من الإيرانيين اليوم يشعرون أنَّ مكانة شاه إيران بدأت في الانهيار بسرعة، وبطريقةٍ لا يُمكن إيقافها، إذ ستقود في النهاية إلى هزيمته وتغييرٍ جذري في بنية الحكم داخل إيران. ومن العسير للغاية تقديم تقديرٍ زمني مُحدَّد، غير أنَّ تقييمي الشخصي الذي لا يستند إلى أي معلومات موضوعية، هو أنَّ هذا الأمر سيحدث في مدى زمنيٍ يزيد أو ينقص قليلًا عن السنوات الخمس المقبلة.

ولا توجد إجابةٌ الآن عن السؤال حول من أو ما الذي سيحِلُّ محل النظام الحالي. والمفترض منطقيًا أنَّ الملكية ستنتهي، وأنَّ الضباط العسكريين سوف يحلُّون محلَّها في المرحلة الأولى على الأقل. بيد أنَّ السؤال الكبير، يدور حول من سيقود أول الضباط، وحول الاتجاه الذي سيسلكه».

أما بالنسبة إلى تبعات ذلك على دولة إسرائيل، فأشار السفير لوبراني إلى أنَّه «ثمة تداعيات خطيرة ستشهدها العلاقات الإسرائيلية الإيرانية، في حال انهيار حكم شاه إيران ونشوء وضع جديد. وسيُنظر إلى نظام شاه إيران الحالي مُستقبلًا بوصفه أفضل نظامٍ بالنسبة لإسرائيل داخل إيران. وخلاصة الأمر هي أنَّ أي تغيير في هذا الحكم سيكون، على أفضل تقدير، على حساب مصالح إسرائيل داخل هذا البلد».

ووفقًا للوثائق التي نقل عنها المقال، فقد شدَّد لوبراني على أنَّ إسرائيل كانت لها أنشطةٌ واسعة داخل إيران في ذلك الوقت، بما في ذلك «العلاقات الدائرة حول عمليات استخراج النفط الإيراني (لتزويد إيران نفسها بالإمدادات، وإمداد خط أنابيب إيلات-عسقلان الإسرائيلي).

بالإضافة إلى العمليات المُتصلة بيع النفط، مثل المشاريع المُتعلقة بالتأمين … وتفرض الترتيبات الأمنية التي وُقِّعت بين الطرفين، في الآونة الأخيرة، التزامات إسرائيلية إزاء إيران فيما يخص الملفات الحساسة، إلى جانب الالتزامات المالية الإيرانية المهمة لاقتصاد إسرائيل القومي».

وأشار المقال إلى أنَّ شعور إسرائيل بالقلق إزاء مصير النظام الإيراني تزايد بمرور الوقت. إذ بعث لوبراني بعد ذلك بعامين، في 14 أغسطس عام 1978، ببرقيةٍ إلى وزارة الخارجية في القدس. ورسم لوبراني في برقيته صورةً قاتمة لمستقبل شاه إيران إثر اجتماعه بجعفري، نائب رئيس جهاز الشرطة الإيراني الذي أخبره أنَّه «لا يتوقع حدوث صعوبات، على المدى القصير، فيما يخص الحفاظ على القانون والنظام.

ويعتقد أنَّ النظام العسكري قادرٌ على التعامل مع أي محاولةٍ للتمرد. غير أنَّه يرى، من جهةٍ أخرى، أنَّ هذا الوضع لا يُمكن أن يستمر إلى أجلٍ غير مسمى، وأنَّ النظام الحالي سينهار لا محالة في حال لم تتخذ الحكومة إجراءً بعيد المدى لتغيير نظام الحكم وأولوياته».

وأضاف لوبراني، بحسب ماك، أنَّ جعفري يعتقد أنَّ شاه إيران لا يعلم مكانته الحقيقية على أرض الواقع. كما انتقد رئيس السافاك «لعدم إقدامه على إدخال تغييرات في النظام الذي بغضه أفراده أنفسهم لسنوات». وزعم جعفري أنَّ النظام وقع في الخطأ حين استخدام الجيش، «مما تسبَّب في الكثير من الخسائر»، في حين أشار إلى «العلاقات الخاصة التي تربطه بالإسرائيليين، ووعد بالمساعدة إذا لزم الأمر».

الأمل الأخير

قال ماك إنَّ الوثائق أوردت أنَّ لوبراني أبلغ وزارة الخارجية في 28 سبتمبر (أيلول)، بعد شهرٍ ونصف، أنَّه قابل شاه إيران على ضوء التظاهرات الضخمة التي سعت للإطاحة بنظامه. وكرر شاه إيران مزاعمه خلال اللقاء بأنَّ الشيوعيين هم المسؤولون عن تلك المظاهرات.

وحين سأل شاه إيران لوبراني عن هوية مُحاوِره، أجاب لوبراني بأنَّه «اعتاد على التصرُّف، فيما يخص الأمور السياسية، من خلال وزير الديوان الملكي أو من خلال توفانيان (الجنرال حسن توفانيان نائب وزير الدفاع الإيراني آنذاك)، إن لم يستطع التنسيق مع رئيس السافاك».

ولخص لوبراني المقابلة بالقول إنَّه «واجه صعوبةً في تكوين انطباعٍ عن حالة الرجل. فهو لم يعد ذلك الرجل الذي كُنَّا نعرفه. كان شاردًا، يطيل التحديق بين الحين والآخر. ليس ثمة شكٌ في أنَّ هذا الرجل يعيش كابوسًا لم يستطع التعافي منه بعد.

كان مُرتعِدًا، ويملأه الخوف من المستقبل. غير أنَّ الجانب الأكثر إثارةً للقلق هو الشعور بأنَّه يبدو متصالحًا مع مصيره، ولا تنتزعه أي رغبة في الإمساك بزمام الأمور ومحاولة تغييرها. وسأُضيف إنَّه من المُحتمل أن أكون قد صادفت شاه إيران في لحظة كآبةٍ عابرة ليس إلَّا».

Embed from Getty Images

ويرى ماك أنَّ إسرائيل لم تكن تريد خسارة معقلها في إيران تحت أي ظرفٍ من الظروف. وكانت إسرائيل تأمل أن يَحِلَّ نظامٌ عسكري محل شاه إيران، في حال لم يكن ثمة مفر من عزله. إذ كتبت يائيل ڤيريد، مدير قسم الشرق الأوسط بوزارة الخارجية، في برقيةٍ بتاريخ 30 ديسمبر (كانون الأول) عام 1978 أنَّ الخيار الأفضل بالنسبة لدولة إسرائيل هو «الصلابة الشديدة التي يبديها الجيش، وإقامة نظام عسكري، وحكومة عسكرية تتبع سياسات واقعية. ولا فارق بين أن تبدأ تلك الحكومة على يد الجيش في شكل انقلابٍ عسكري، أو على يد شاه إيران من خلال موافقته الضمنية».

وفي 4 يناير (كانون الثاني) عام 1979، قرَّر شاه إيران تعيين شابور بختيار رئيسًا للوزراء، في محاولةٍ أخيرة منه لإحلال الهدوء في شوارع البلاد. بيد أنَّ إسرائيل كانت قد فقدت ثقتها في قدرته على الحكم آنذاك. إذ أورد للمقال أنَّ ڤيريد أرسلت برقيةً، بعدها بأربعة أيام، إلى البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في جميع أنحاء العالم تقول فيها إنَّ حكومة بختيار لا تتمتُّع بأي دعمٍ شعبي، وإنَّها معرضةٌ للانهيار في أي وقت.

وكتبت ڤيريد أنَّ شاه إيران وبختيار كانا قد توصَّلا إلى تفاهمٍ بشأن إعلان مغادرة شاه إيران في «عطلة»، غير أنَّ «الفترة الزمنية التي ستستغرقها تلك العطلة، ومن سيقرر إمكانية عودة شاه إيران، ما تزالُ محلًا للتساؤل وربما تُؤدي إلى أزمات في المستقبل. إذ كان شاه إيران وما يزال يرمز إلى وحدة إيران، ولا شك في تمتُّعه بولاء الجيش حتى اليوم، رغم ما أصاب نظامه من تصدعات».

وأشار المقال إلى أنَّ تقدير ڤيريد كان أنَّه في حال تولي الخميني وأنصاره السلطة، فإنَّ العلاقات الإيرانية مع إسرائيل ستنتهي. ولكنها أعربت رغم ذلك عن أملها في أن يتولى الجيش السلطة، وأن تشهد إيران «شكلًا آخر من أشكال الحكم يُماثل الحكومة الحالية، أو جيشًا أكثر ملاءمة. ولا مانع من أن يستمر الوجود الإسرائيلي، ولو في مستوى أدنى من التمثيل». لكن آمال ڤيريد لم تتحقق، وفرَّ شاه إيران من إيران في 16 يناير (كانون الثاني).

وفي 11 فبراير، أي بعد نحو أسبوعٍ من عودة الخميني من المنفى إلى إيران، قرَّرت الحكومة الإسرائيلية إجلاء ممثليها الباقين في طهران، وخاصة سفيرها يوسف هرملين. في حين كانت تدرس في الوقت نفسه إمكانية ترك ممثلٍ إسرائيلي لكي لا تقطع العلاقات بالكامل مع النظام الجديد، بحسب المقال.

وهو ما ورد في برقيةٍ مضمونها: «أمر وزير الخارجية المدير العام، بعد إعلان الموساد إتمام إجلاء الرعايا الإسرائيلين، ببحث إمكانية ترك شخصٍ في تمثيلٍ دبلوماسي لا يقطع العلاقات تمامًا مع الطرف الآخر. لن يكون هناك إعلامٌ رسمي بالمغادرة. ففي حال الإعلان، ستتعرَّض حياة هرملين للخطر حال فشله في المغادرة، بسبب حقيقة كونه الرئيس السابق للشين بيت، جهاز الأمن العام الإسرائيلي».

الجماهير يمكنها إسقاط نظام شاه إيران بدباباته

أورد ماك أنَّ إسرائيل ظلت تأمل رغم ذلك في إمكانية استمرار العلاقات مع النظام الجديد. فبعد ثلاثة أيام، التقى وزير الخارجية موشيه ديان مع السفير الياباني في إسرائيل.

وكشف تقريرٌ أُرسِلَ إلى السفارة الإسرائيلية في طوكيو، أنَّ ديان أخبر الدبلوماسي الياباني أن «المرحلة الحالية (في إيران) ليست نهائية، وهي مرحلةٌ انتقالية إلى عهدٍ جديد. غير أنَّ ثمة قلق من تزايد تأثير اليسار المُتشدِّد، بالإضافة إلى أنَّ موجات التغير الديني قد تحمل معها انتشارًا لكراهية الأجانب».

ولكن ديان أفاد رغم ذلك بأنَّ إيران ستبقى في حاجة إلى الأجانب لتشغيل أسلحتها المتطورة، خاصةً بعد مغادرة الأمريكيين. وأعرب ديان كذلك عن قلقه إزاء مصير الجالية اليهودية في إيران، وجادل بأنَّ «المرء ينبغي عليه القلق بشأن تأثير الأحداث في إيران على بلدان أخرى في المنطقة، إذ أنَّ مصر والسعودية والسودان والأردن والمغرب هي دولٌ لا تحترم الحقوق المدنية من جانبها».

وأشار ماك، وفقًا للوثائق، إلى أنَّ ديان تحدث في اليوم نفسه إلى وزير الدفاع الأمريكي هارولد براون، الذي أخبر الوزير الإسرائيلي -وفقًا للبروتوكول- بأنَّ «الولايات المتحدة لا تشعر بالذنب بشأن ما حدث للشاه، فقد فشل في تشكيل طبقةٍ إدارية من تحته تُشارك في تَحمُّل بعض المسؤوليات، وأنَّ تمسُّكه بالسيطرة على كافة مقاليد الحُكم في البلاد جعلت الأخطاء واقعةً على عاتقه وحده.

إلى جانب مشكلة الفساد أيضًا. إذ وصلت الثورة في إيران إلى الجماهير، التي أمسى لديها شعورٌ قويٌ بالقومية. ولا يملك المرء سوى أن يأمل أن يُدرِكَ الإيرانيون سُبُلَ تحقيق مصلحتهم الوطنية، وأنَ يتصرفوا وفقًا لذلك».

لكن ماك يرى أنَّ إسرائيل كانت لديها مخاوفٌ أخرى لا تقل خطورة، بخلاف المخاوف من فقدان إسرائيل «قاعدةً أمامية» في إيران؛ إذ كانت تخشى أن تحذو جماهير الشرق الوسط حذو الإيرانيين، وتبدأ في الإطاحة بأنظمتها.

فوفقًا لمحضر اجتماع نواب المدير العام الذي عُقِدَ في اليوم نفسه أيضًا؛ قال بنحاس إلياف، مدير البحوث السياسية بوزارة الخارجية، إنَّ القضية الأخطر هي أنَّ «السمة الاجتماعية الاقتصادية العامة للانتفاضة أثبتت أنَّ الشارع والجماهير بإمكانهم إسقاط نظام يمتلك دبابات، وقوات جوية، وأحدث الأسلحة».

وأضاف إلياف أنَّ «كل تلك القوى وقفت في مواجهة شارع، الذي هو مُجرَّد شارعٍ في نهاية المطاف (وربما أرسل الخميني بعض الوكلاء، وتمتَّع ببعض الدعم الشيوعي)، وتحريض، وأيديولوجية. ولكنها نجحت رغم ذلك في الإطاحة بالنظام. وهذا نذير خطرٍ على جميع الأنظمة في المنطقة من وجهة نظري، بما في ذلك الأنظمة المتطرفة».

واختتم ماك مقاله بالإشارة إلى أنَّ الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتحمَّلا قط مسؤولية دعمهما المتواصل للديكتاتورية، ووقوفهما بجانب شاه إيران في سحقه لقوى اليسار والعناصر التقدمية داخل إيران. وهو دعمٌ كان له بالغ الأثر في تأسيس أركان ديكتاتورية آيات الله بعد الثورة.

«من بلاط الشاه إلى سجون الثورة».. دروسٌ من الثورة الإسلامية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد