كقاعدة عامة، تعتبر نظريات المؤامرة أكثر وضوحًا من الحقيقة، وهي تحتاج ممن يؤمنون بها إلى عدم التفكير. نظريات مؤامرة مثل: لقد اتصل أحدهم بجميع اليهود العاملين في مركز التجارة العالمي، وأخبرهم بالبقاء في منازلهم صبيحة الحادي عشر من سبتمبر، وذلك عندما أسقطت الطائرات البرجين. الأمم المتحدة، إلى جانب الغالبية العظمى من العلماء في العالم، هم من اخترعوا أسطورة الاحتباس الحراري. والاستخبارات الأمريكية أو الروسية أو منظمة الصحة العالمية، أو ربما ثلاثتهم معًا، هم من أنتجوا فيروس نقص المناعة الإيدز في مختبراتهم. في عقول أصحاب تلك النظريات، فإن الحقيقة تكون بسيطة للغاية لاستيعابها.

إلا أنه فيما يخص رواية الصحفي المخضرم «سيمور هيرش» الجديدة حول قتل أسامة بن لادن، فإن الحقيقة أكثر تعقيدًا بشدة عن المؤامرة التي تزعم كشفها. يعتبر هيرش، الذي عادة ما يكتب في صحيفة ذي نيويوركر، رائد الصحافة الاستقصائية، بعد أن كشف عن أبشع الجرائم التي ارتكبتها السلطات الاستخبارية والجيش الأمريكي، بدءًا من مجزرة ماي لاي في فيتنام، مرورًا بفضيحة التعذيب في سجن “أبو غريب”. إن علاقاته بمجتمع المخابرات عميقة جدًا، لكن أحدث فضيحة كشف عنها تعزى إلى مصدر وحيد، هو جاسوس باكستاني سابق تقاعد قبل عقدين من قتل “بن لادن”، وحفنة من بعض المصادر الاستخبارية التي لم يسمها. لكن البيت الأبيض وصف ادعاءات هيرش بأنها بلا أساس منطقي.

القصة الرسمية لعملية قتل “بن لادن” هي أن المخابرات الأمريكية، بعد سنوات من الجهد الشاق والعديد من الإخفاقات، حددت مكان “بن لادن” في باكستان. فجرى إرسال فريق من قوة SEAL، إحدى وحدات القوات الخاصة في الجيش الأمريكي، للقضاء عليه. وعندما اقتحمت القوة غرفته، سحب “بن لادن” سلاحه فأردوه قتيلاً. وغادرت القوة المكان وهي تحمل جثته، التي جرى دفنها لاحقًا في البحر، إلى جانب كم كبير من الوثائق.

أما رواية هيرش فتختلف عن الرواية الرسمية في عدة نقاط رئيسية، وهذا ملخص لتلك الاختلافات:

في عام 2006، ألقت الاستخبارات الباكستانية القبض على مؤسس تنظيم القاعدة. وبدلاً من تسليمه إلى الأمريكيين، قررت السلطات الباكستانية إخفاء “بن لادن” بعيدًا، من أجل استخدامه كوسيلة ضغط في المفاوضات المستقبلية. وقد وُضع في نهاية المطاف قيد الإقامة الجبرية في المجمع المشهور في أبوت آباد، الواقع على مرمى حجر من الأكاديمية العسكرية التابعة للجيش. وقد دفعت السعودية أموالاً مقابل إبقائه مخفيًّا. ولكن بعد ذلك بأربع سنوات، وعقب أن أطلع جاسوس باكستاني الولايات المتحدة على مخبأ “بن لادن”، أبرمت إسلام آباد صفقة مع واشنطن، مضمونها أن ترسل الولايات المتحدة وحدة خاصة لقتل “بن لادن” وسنغض الطرف. وفي المقابل، ستمنح إدارة أوباما مزيدًا من المساعدات إلى باكستان، ودورًا أكبر في مستقبل أفغانستان.

وصلت وحدة SEAL إلى أبوت آباد في الثاني من مايو في عام 2011، لكنها لم تواجه أية مقاومة في مجمع “بن لادن”، وذلك حسبما يروي هيرش. وقد جرى إبلاغ قائدي الجيش والاستخبارات الباكستانيين بأن المروحيات التي تقل الوحدة الخاصة في طريقها إليه، وقاموا بإخلاء المجال الجوي من أجل العملية. وقد قتلته وحدة سيل بوابل من الرصاص، فمزقت جسده إلى أشلاء متناثرة، التي قاموا لاحقًا بقذفها من المروحيات أثناء عودتهم إلى قاعدتهم في أفغانستان، ولم يتم العثور على أية وثائق في المجمع.

طبقًا لرواية هيرش، خرج الرئيس باراك أوباما بعد ذلك عبر شاشات التلفزة وكذب على العالم بشأن ظروف العملية ودفنه في البحر وكومة الوثائق.

سؤال يظل بلا إجابة

إن رواية هيرش مثيرة بكل تأكيد، لكنها أيضًا موضع شك كبير. وهذا يرجع بالأساس إلى أن هيرش لم يجب أبدًا بشكل وافٍ على السؤال الوحيد الذي ينسف كافة نظريات المؤامرة: لماذا؟

لماذا مارس الباكستانيون والسعوديون وإدارة أوباما حيلة كهذه على العالم؟ إن تفسير هيرش لدافع باكستان وراء إبقاء “بن لادن” كرهينة لضمان أن القاعدة وطالبان لا يقومان بتنفيذ هجمات على الأراضي الباكستانية لا يصمد أمام التدقيق. فلم تظهر أي من المجموعتين أية اهتمام بشن هجمات داخل باكستان. فقد ركزت حركة طالبان على قتال قوات التحالف الذي تقوده أمريكا في أفغانستان، وبما أن أعلى القيادات في الحركة تعمل من داخل باكستان، فإن إسلام آباد تمتعت بنفوذ كبير عليهم منذ زمن طويل.

بينما تعتمد القاعدة على وكلائها في مناطق بعيدة، في اليمن والعراق وشمال أفريقيا، لتنفيذ معظم عملياتهم الكبيرة، فكلا المجموعتين تبدوان سعيدتين تمامًا بترك مهمة صنع الفوضى في باكستان لأبناء عمومتهم في الفكر، حركة طالبان باكستان. فالاحتفاظ بابن لادن كرهينة لم يكن سيمنح باكستان أية نفوذ على الإرهابيين المحليين. ومن الجدير أيضًا أن نسأل لماذا تحتاج باكستان إلى موافقة الولايات المتحدة حتى تلعب دورًا أكبر في باكستان، فعندما ينسحب الجنود الأمريكيون من البلاد، ستتمتع باكستان وحليفتها طالبان بحرية كبيرة في العمل هناك.

لماذا دفع السعوديون أموالاً لإبقاء “بن لادن” في مجمع أبوت آباد؟ يقتبس هيرش كلام مسئول متقاعد يقول إن الرياض كانت قلقة أنه في حالة قيام باكستان بتسليمه إلى الأمريكيين، فإن زعيم القاعدة، الذي ينحدر من عائلة فاحشة الثراء، سيفشي أسرار علاقة مجموعته بالنخبة الحاكمة في السعودية. ولكن هذا يفترض أن إدارة أوباما ستصاب بالصدمة من إفشاء تلك الأسرار. وإذا كان الهدف هو منع “بن لادن” من كشف تلك الأسرار، فما الداعي للإبقاء عليه حيًّا؟

ثم، لماذا سعت الولايات المتحدة، عندما أخبرها جاسوس بوجود “بن لادن” في أبوت آباد، إلى الحصول على تأكيد من القيادات العسكرية والاستخبارية الباكستانية والذين كانوا يخفون الإرهابي السعودي ويكذبون على واشنطن حيال ذلك؟ فمن المؤكد أن الولايات المتحدة تتوقع أنه حين مواجهة الباكستانيين في هذا الشأن فإنهم سيقدمون على الفور على نقل رهينتهم القيمة إلى مكان آخر أو ربما حتى القضاء عليه سرًّا.

ولماذا يخطط الباكستانيون لهجوم أمريكي على أبوت آباد والذي سيفضح ازدواجيتهم، فضلاً عن أنه سيظهر الجيش الباكستاني في مظهر العاجز عن منع عملية أمريكية في عمق الأراضي الباكستانية؟ لماذا مضت إدارة أوباما في خطة تطلبت وضع ثقة هائلة في الباكستانيين، الذين أثبتوا عبر إخفائهم “بن لادن” بأنهم غير جديرين بالثقة أبدًا؟ في نهاية المطاف، يشير أحد المعلقين على رواية هيرش إلى أنه لو كانت العملية قد فشلت، لفعلت في أوباما وإدارته ما فعلته محاولة إنقاذ الأمريكيين الفاشلة في إيران عام 1980 في الرئيس جيمي كارتر.

ولماذا سيعتقد البيت الأبيض أن وحدة SEAL Six، فهي ليست وحدة عمليات سرية في الاستخبارات الأمريكية، ستشارك في عملية زائفة، بقتل رجل أعزل ومريض، وتوافق على الكذب بشأنها؟ فعنصر واحد من تلك القوة يمتلك ضميرًا حيًّا يمكنه فضح هذه الخدعة بأسرها.

إن رواية هيرش حول قيام وحدة SEAL بقتل “بن لادن”، وما فعلوه بأجزاء جثته، يثير سؤالاً لا يمكن تجنبه. ثمة سبل أيسر للتخلص من جثته، بما في ذلك دفنها في البحر، لذا لماذا يخوض أولئك الرجال عناء تمزيق جثته ووضعها في أكياس ثم نثرها فوق الجبال؟

ما تنفك رواية هيرش تثير التساؤلات، وتلك التساؤلات تطغى على تلك الرواية. وما لم يمتلك الصحفي العظيم تتمة لهذه القصة المثيرة في جعبته، فلن تعدو تلك الرواية كونها مادة دسمة للمؤمنين بنظريات المؤامرة، وبلا شك سيجدون سبلاً لزيادة تعقيدها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد