مصدر هذه الترجمة «السوري الجديد» عن موقع The Conversation، وينشرها «ساسة بوست» باتفاقٍ مع الموقع.

روسيا اعتادت إقحام نفسها في سياسات الدول الأخرى.

قامت روسيا، على امتداد الأعوام التسعة الماضية بغزو جارتها جورجيا، وضم الإقليم الأوكراني شبه جزيرة القرم، كما دعمت المتمردين في شرق أوكرانيا، وتدخلت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وبالتالي، فرض كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات لاذعة على روسيا جزاءً لتصرفاتها في أوكرانيا.

ونظرًا لعملي مؤرخًا روسيًّا، فإني أجد أن أكثر الأسئلة المثيرة للاهتمام هنا، هو: هل تُعدُّ هذه التصرفات دلالة على أن روسيا تعود إلى انتهاج سياساتها الخارجية العدوانية، أم أنها جزء من اتجاه جديد كليًّا في سياسة روسيا الخارجية؟

والإجابة عن هذا السؤال بالغة الأهمية لكل من الولايات المتحدة ودول العالم أجمع. فإذا كانت هذه السياسات ترجع إلى التقاليد الروسية القديمة، سيكون من الصعب بمكان أن نغير اتجاه العدوان الروسي.

وكي نجد جوابًا عنه، سنلقي نظرة على نماذج للسياسة الروسية التي تمتد إلى ثلاثة قرون.

رشوة النبلاء

في بداية القرن السابع عشر، كانت بولندا قوة عظمى لم تتدخل في السياسات الروسية فحسب، وإنما قامت بإرسال جيشها إلى موسكو في عام 1610، ونصّبت كذلك أميرًا بولنديًّا ليستلم العرش. غير أن قوة روسيا قد تنامت في الأعوام المئة التي تلت ذلك، وبحلول أوائل القرن الثامن عشر كانت روسيا تتدخل بصفة روتينية في السياسات الداخلية للانتخابات البولندية. في هذا الوقت، انتُخِب الملك البولندي عن طريق النبلاء؛ ليقوم بطرس الأكبر ومن جاء بعده برشوة النبلاء للتصويت ضد محاولات الملك والحكومة المركزية لتقوية الحكومة والجيش الوطني.

ومع نهاية ذلك القرن، فإن كلًّا من روسيا والنمسا وبروسيا، وهي ثلاث دول قضت على مقاومة النبلاء البولنديين، وفرضت على رعاياهم ضرائب كبيرة لتمويل الجيوش القوية، تقاسمت الدولة البولندية فيما بينها، ومسحتها بذلك من الخريطة تمامًا. ولكن بولندا ظلت في حقيقة الأمر جزءًا من الإمبراطورية الروسية حتى استعادت استقلالها أثناء الحرب العالمية الأولى.

وقد كان الاتجاه الآخر لتوسع روسيا هو الجنوب الغربي، ففي عام 1774، انتصرت روسيا على الإمبراطورية العثمانية، وهي إمبراطورية كبرى هيمنت على منطقة البحر الأبيض المتوسط من المغرب مرورًا بالشرق الأوسط فتركيا ووصولًا إلى البلقان. وفي السلام التأديبي، احتفظت روسيا بحق التدخل في شؤون الدولة العثمانية الداخلية بالنيابة عن المسيحيين. وفي عام 1814، وبعد أن طرد الإسكندر نابليون خارج روسيا، دخلت قوات القيصر إلى باريس وتوسّطت في السلام الأوروبي. وفي عام 1848، وأثناء تمهيد غريب للغزو السوفيتي في عام 1956، قمعت القوات الروسية ثورة النبلاء المجرية ضد حكم هابسبورغ.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، شاركت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها من القوى الأوروبية في سباق المستعمرات الكبير في إفريقيا وآسيا، ولكن توسع روسيا الإمبريالي في هذه الحقبة كان محدودًا نسبيًّا. وعلى الرغم من غزوها لأراضٍ قليلة الكثافة السكانية في آسيا الوسطى، إلا أنها عند محاولتها التوسع في الشرق الأقصى، ألحقت بها اليابان هزيمة نكراء في حرب مهينة.

الحقبة السوفيتية

منذ بداية مولده عام 1917، سعى النظام السوفيتي إلى تحويل ثورته الشيوعية إلى ثورة شيوعية عالمية. لكن الانتصار في الحرب العالمية الثانية هو ما منح الاتحاد السوفيتي القوة العظمى، والقدرة على التدخل في شؤون الدول الأخرى على النطاق العالمي.

ولكن الاتحاد السوفيتي شدد الرقابة وفرض النموذج الشيوعي السوفيتي على كل دول شرق أوروبا، ودعم الحركات الشيوعية والقومية الراديكالية والمناهضة للاستعمار في جميع أنحاء العالم. كما حاول الاتحاد السوفيتي أن يخلق لنفسه بديلًا عن النظام الاقتصادي العالمي بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وبديلًا عن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

والآن، تدعم روسيا الخصوم القوميين للنظام الاقتصادي العالمي والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وعلى الرغم من أن الشيوعية ومعاداة الهجرة اليمينية الشعبوية اليوم تُعدان من المتضادات الأيديولوجية، في الظاهر، فإنهما في حقيقة الأمر تتشاركان الكثير فيما بينهما. ذلك أن كليهما ترفضان الوضع العالمي الراهن، والطرق الاعتيادية لسياسة الحزب، والموقف من الوقائع والإعلام. كما تتحرك كلاهما بدافع من العدائية الكامنة تجاه العالم الغربي.

على أية حال، يجب أن نأخذ بضعة أشياء مهمة بعين الاعتبار قبل أن نستنتج أن روسيا موجَّهة بطبيعتها، أو على نحو فريد، إلى تشكيل إمبراطورية وتوسيع نفوذها في الخارج.

بداية، قامت أوروبا الشرقية الخاضعة لسيطرة السوفييت بالانفصال عن الاتحاد عام 1989، بأسلوب سلمي لافت للنظر. وبعد ذلك بعامين، تم حل الاتحاد السوفيتي على يد قائد الاتحاد الروسي إلى جانب القادة؛ الكازاخستاني والبيلاروسيي والأوكراني دون غيرهم. وبرغم وجود القليل من الاشتباكات وحروب الخلافة الصغيرة، يمكن أن يقال إنَّ ذلك كان أسرع انحلال، والأكثر سلمية لإمبراطورية عظمى في التاريخ.

وبالنظر إلى التاريخ المليء بالعنف للصراعات بين أكبر ثلاثة تجمعات للسكان في المنطقة: البولنديين والأوكرانيين والروس، من الجدير بالملاحظة أن المنطقة لم تنزلق في حروب الخلافة. وقد أوضح الكتاب الشهير Armageddon Averted كيف كان القبول الروسي السلمي لخسارة الإمبراطورية، والتأثير العالمي في التسعينات كان نوعًا من المعجزة، لا سيما على ضوء انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في جميع أنحاء المنطقة.

وثانيًا، من السهل أيضًا نسيان تاريخ «الغرب الديمقراطي»؛ فقد قامت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال ببناء إمبراطوريات ضخمة في الخارج، ومن ثم حكمها منذ القرن السادس عشر وحتى النصف الثاني من القرن العشرين. أما تركيا فقد شيّدت إمبراطورية متعددة الأعراق حول منطقة البحر الأبيض المتوسط ممتدة من المغرب حتى البلقان، كما ضمّت النمسا عشرات القوميين في إمبراطورية أوروبية قارية كبرى.

اقرأ أيضًا: حين تقتل 10 ملايين إفريقي لا يدعوك أحد «هتلر»

وقد استعادت الولايات المتحدة الكثير من أراضيها الغربية من يد إسبانيا والمكسيك والأمريكيين الأصليين في القرن التاسع عشر، وقامت بتأسيس منطقة نفوذ في جنوب ووسط أمريكا، التي كثيرًا ما تدخلت في انتخاباتها، وحتى الانقلابات فيها.

وقد انفصلت تلك الإمبراطوريات على دفعتين: في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وعلى امتداد العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية. ويُعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانفصال الدول التابعة له في أوروبا الشرقية في الأساس الفصل الأخير من حكاية هذه الظاهرة العالمية. ولم يسبق أن كانت عملية تفكك إمبريالي بهذه السلمية، فقد كانت في أماكن أخرى مثل منطقة الشرق الأوسط صلة وصل بين حروب أهلية عنيفة.

والنقطة الثالثة هي أن نأخذ بالحسبان أنه على الرغم من أن التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية ليس له مثيل في تاريخ الانتخابات الأمريكية، وبغض النظر عن أنه قضية تدعو إلى القلق فعلًا، إلا أن ذلك موجود في تاريخ العلاقات الدولية. في واقع الأمر، للولايات المتحدة سجل طويل في التدخل في جداول الانتخابات لدول أخرى. ووفقًا لقواعد البيانات التي أعدتها «دوف ليفن»، فقد حاولت الولايات المتحدة التأثير في نتائج 81 انتخابًا رئاسيًّا حول العالم منذ عام 1946 وحتى عام 2000.

وبعد هذه التوضيحات، نرجع إلى السؤال السابق: هل تعني تصرفات روسيا الأخيرة عودة إلى العدائية الروسية التقليدية بعد عقد غير معهود من التراجع بين عامي 1989 و1999؟

ذلك أن التدخلات الروسية، باستثناء تدخلها في الشأن السوري، كانت منذ عام 1991 مقتصرة على دول الجوار المباشرة. وربما يُعد التدخل في الانتخابات ودعم الأحزاب اليمينية في أوروبا والولايات المتحدة إشارة على أن هذا نوع من التغيير.

لكن روسيا اليوم ليست قوة عظمى صاعدة كما كانت أواخر القرن الثامن عشر وحتى مطلع القرن العشرين. وكدولة ضعيفة نسبيًّا، ومع تدني قوتها النسبية، من الممكن القول إن مشاريع سياستها الخارجية كانت موجهة على نحو أكبر تجاه اكتساب الدعم المحلي لنظام يفتقر إلى الشرعية الانتخابية. وفي هذا الإطار، من المحتمل أن سياسة روسيا مؤخرًا أشبه بالتصرفات البريطانية في فلاكلاند، وسياسات الولايات المتحدة في غرناطة في الثمانينات، أكثر من اقترابها من السلسلة الطويلة للأعمال الروسية في التوسع والتدخل الخارجي أثناء عهد التطور كقوة عظمى، والذي امتد 3 قرون.

فقد كافحت كل إمبراطورية سابقة للتعامل مع خسارة الإمبراطورية، ولا تختلف روسيا في ذلك. والسؤال الكبير في العلاقات الدولية في الأعوام القادمة سيكون حول ما إذا كانت سترجع روسيا إلى أساليب التوسع والتدخل الخارجي التي اتبعتها منذ 300 عام، أو ما إذا كانت ستتخلى عن تقاليدها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد