ما الدروس التي يمكن أن نتعلمها من الطريقة التي غيَّر بها الطاعون الأسود العالم؟

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا لدانيل جينجريتش، الأستاذ المشارك والمختص بالسياسة المقارنة في جامعة جورجيا، وجان فوجلر، الذي يشغل منصب زميل أبحاث ما بعد الدكتوراة في الاقتصاد السياسي للحكومة الرشيدة بجامعة فرجينيا، تناولا فيه الطريقة التي تُغيِّر بها الأوبئة السياسة في العالم كما حدث بعد تفشي الطاعون الأسود.

استهل الكاتبان تحليلهما بالقول: مع تلقي الأمريكيين اللقاح المضاد لفيروس كورونا، وانتعاش الاقتصاد الأمريكي، يتساءل البعض عما ستكون عليه عواقب الوباء الطويلة المدى؛ إذ أثرت الأوبئة على مجرى التاريخ وأسقطت إمبراطوريات، وأثرت على مخططات الاستعمار، فيما أعطت بعض المجموعات مزايا مناعية.

ولدى الأوبئة المدمرة القدرة على إحداث تغيير عميق في طريقة توزيع السلطة السياسية في المجتمع. وفي مقال نُشر مؤخرًا، درسنا كيف شكَّل الوباء الأكثر فتكًا في الألفية الماضية، الموت الأسود (1347 – 1351)، السياسة في أوروبا الوسطى لعدة قرون. وكان الطاعون الأسود قد أثَّر على مناطق مختلفة من أوروبا الوسطى الناطقة بالألمانية على نحو مختلف تمامًا؛ ففي بعض المناطق قتل الطاعون معظم السكَّان، فيما كان عدد القتلى في مناطق أخرى أقل بكثير.

علوم

منذ 8 شهور
كوفيد-19 لن يكون الأخير.. هكذا يساهم سلوك الإنسان تجاه البيئة في ظهور الأوبئة

ووجدنا أنه في المناطق التي تضررت بشدة أعاد الطاعون الأسود تشكيل المؤسسات الاجتماعية والسياسة المحلية على نحو عميق للغاية، حتى أنه حتى بعد مرور خمسة قرون كان مواطنو هذه المناطق لا يزالون يصوتون في الانتخابات على نحو مختلف.

الوباء الأكثر فتكًا في تاريخ البشرية

ويواصل الكاتبان قائلين: نتجَ الموت الأسود عن تفشي الطاعون، وهو مرض مُعْدٍ سبَّبته بكتيريا يرسينيا بيستيس، وأصيب به البشر غالبًا من لدغات البراغيث التي تتغذى على القوارض المصابة، ولكن كان يمكن أن ينتقل من إنسان إلى آخر أيضًا عن طريق السعال. ولكن في منتصف القرن الرابع عشر لم يكن لدى الأوروبيين فكرة عن المسبب للطاعون.

وحتى لو كانوا يعلمون ذلك، فالمضادات الحيوية لم تكن اكتشفت بعد، وبذلك لم يكن لديهم علاج فعَّال. ونتيجةً لذلك عندما انتشر الطاعون للمرة الأولى في أوروبا في الأعوام بين 1347 – 1351 قتل ما بين 30% و60% من سكان القارة جميعها.

الطاعون الأسود..السياسة والاقتصاد والاجتماع

ويلفت التحليل إلى أنه عندما قضى نسبة كبيرة من سكان المناطق التي تضررت بشدة من الطاعون نحبهم، لم يعد هناك في كثير من الأحيان عدد كافٍ من العمال لجلب المحاصيل. ولأنه كان هناك حاجة كبيرة إلى العمال في كل مكان، أصبح بإمكان الفلاحين الذين نجوا من الموت أن يطلبوا أجورًا أعلى وظروفًا معيشية أفضل.

Embed from Getty Images

وحاول النبلاء جذب العمال من المزارع المجاورة لهم؛ ما أدَّى إلى نشوء سوق حرة تنافسية؛ الأمر الذي قوَّض قوة التسلسل الهرمي الاجتماعي في أوروبا في العصور الوسطى. كما ساعد ذلك في إنهاء العبودية، وهو نظام إقطاعي قسري كان الفلاحون مجبرين بموجبه على العمل نيابةً عن اللوردات المحليين، ومُكلَّفين بالعمل في مزرعة واحدة.

وأصبح العمال بعد ذلك أحرارًا في التنقل حيثما يشاءون، فانتقل كثير منهم إلى مدن جديدة نامية. وبين أعوام 1350 – 1502 على سبيل المثال ازداد عدد سكان مدينة لوبيك التجارية بنسبة 35%. وأسهمت الظروف الجديدة من ارتفاع الأجور، والظروف المعيشية الأفضل، وحرية التنقل مجتمعة في خلق بيئة خصبة للتقنيات الجديدة والتصنيع، وأصبح هناك وفرة في الأراضي الزراعية؛ الأمر الذي خوَّل الفلاحين من امتلاك حقول خاصة بهم، وأصبح بذلك المجتمع أكثر تعقيدًا ومساواة.

وظهر أيضًا عدد من المجموعات الاجتماعية الجديدة، فلم يكن لأولئك الحرفيين والمزارعين المستقلين الجدد والمصنِّعين والتجار تمثيلًا في الهياكل السياسية الإقطاعية التقليدية، وبدأوا بالمطالبة بصوت سياسي خاص بهم. واستجابت عدة مدن بإجراء انتخابات ساعدت في أن يتخذ من خلالها المواطنون قرارًا بشأن اختيار عمدة المدينة ومجلس المدينة. وفي مناطق أخرى أنشأ المزارعون المستقلون حديثًا مؤسسات سمحت لهم بتنظيم أنفسهم. وخلق كل هذا ثقافات سياسية محلية دائمة بشأن الحكم الذاتي استمرت على مدى أجيال.

الثقافات السياسية الجديدة.. صعود الحزبية

ويرى الكاتبان أنه مع بدء ظهور السياسات الجماهيرية في ألمانيا خلال القرن التاسع عشر، ظل التأثير المستمر لهذه الثقافات السياسية التي شكَّلها الطاعون الأسود واضحًا في أنماط تصويت المواطنين. وفي هذه الحقبة الجديدة من السياسات الانتخابية، صاغت بعض الأحزاب السياسية المتمركزة على النخبة برنامجًا سياسيًّا مناهضًا للديمقراطية دافع عن سلطة الأرستقراطية وامتيازاتها.

إلا أن هذه الرسالة سقطت ولم تصل في المناطق التي شهدت عددًا كبيرًا من القتلى جرَّاء الطاعون، وخُلقت فيها ثقافات سياسية ديمقراطية، حيث اعتاد المواطنون على المشاركة في القرارات السياسية المحلية، ولم يُجبروا على التصويت كما تهوى النخب السياسية.

وعلى سبيل المثال تضررت دوقية فورتمبيرج في جنوب غرب ألمانيا بشدة من الطاعون الأسود، وطوَّرت قرى الفلاحين فيها مؤسسات حكم ذاتي مجتمعية بما فيها مؤسسات انتخاب رؤساء البلديات. ونظموا أنشطتهم الزراعية على نحو جماعي ونمت مستقلة عن اللوردات المحليين. وليس من المستغرب أنْ كان أداء نخبة حزب المحافظين في الإمبراطورية الألمانية ضعيفًا في هذه المنطقة في ظل وجود التقاليد الديمقراطية القوية.

وبعد نصف قرن، وفي انتخابات أوائل الثلاثينات، روَّج الحزب النازي لآراء غير ليبرالية تتعارض على نحو أساسي مع المعايير الديمقراطية. ومرةً أخرى اتجه المواطنون في المناطق التي طوَّرت حكمًا ذاتيًّا محليًّا إلى رفض الرسائل المعادية للديمقراطية، وصوَّتوا للأحزاب الأكثر التزامًا بالديمقراطية.

Embed from Getty Images

ويشير الكاتبان إلى المفارقة التي تُظهِر أن المواطنين في المناطق الأقل تأثرًا بالطاعون الأسود كانوا أكثر ميلًا للتصويت لصالح الأحزاب المعادية للديمقراطية وغير الليبرالية. وواصلت النخب الإقطاعية هناك علاقات العمل القسرية لعدة قرون. ولم يطوِّر المواطنون في تلك المناطق أبدًا حكمًا ذاتيًا ذا معنى، أو منظمة صنع قرار محلية. ونتيجةً لذلك كانت ثقافتهم السياسية الهرمية أرضًا خصبًا للأحزاب السياسية التي تهيمن عليها النخبة والسياسات النازية المناهضة للديمقراطية.

العواقب السياسية للأوبئة

يجيب التحليل عن هذا السؤال بالقول: أولًا ليست كل الأوبئة متشابهة، فالمذبحة المدمرة للطاعون الأسود أحدثت فوضى عارمة في أسواق العمل في العصور الوسطى؛ الأمر الذي أدَّى إلى تغييرات اجتماعية وسياسية عميقة. إذًا يمكن لتلك الأوبئة وحدها التي تتسبب بأعداد هائلة من الوفيات بين السكان في سن الإنتاج، والتي تعيد تشكيل ميزان القوى بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال، أن تُحدِث آثارًا واسعة وكبيرة مشابهة.

ثانيًا ربما يكون ذلك غير متوقع، قد تُحدث الخسائر الفادحة في الأرواح تسارعًا في التقدم الاقتصادي والسياسي. ومن الصعب تخيل الكرب الجماعي الذي يسببه موت نصف سكان القارة في غضون سنوات قليلة. ومع ذلك، فإن أولئك الذين نجوا في الأماكن التي حصدت كثيرًا من الأرواح هم الذين حصلوا على القدر الأكبر من الحريات الاقتصادية والسياسية. وهكذا يمكن للأوبئة أن تحفز الابتكار المؤسسي غير المتوقع.

ثالثًا تختلف جائحة كوفيد-19 اختلافًا كبيرًا عن الطاعون الأسود، إذ إن عدد الضحايا أقل بكثير. كما أن البشرية اليوم تتمتع باستجابات أكثر فاعلية بكثير. إلا أنه، وكما حدث مع وباء الطاعون الأسود، حفزت جائحة كوفيد-19 بالفعل التغير التكنولوجي، ومن المرجح أن تؤثر على السياسة. وقد تشهد البلدان والمناطق التي تفشى فيها الوباء على نحو كبير مثل الهند وأمريكا الجنوبية، تغييرات كبيرة في توزيع السلطة السياسية، بحسب ما يختم الكاتبان تحليلَهما.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد