رصد تقرير نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية القصة المذهلة التي تناولها الكاتب الألماني «نورمان أوهلر» الذي أشار إلى أن الزعيم الألماني النازي «أدولف هتلر» كان مدمنًا بشدة للمواد المخدرة حتى في الوقت الذي لجأ فيه إلى المخابئ في الحرب العالمية الثانية، وهو ما يغير نظرتنا إلى الأحداث التي شهدتها تلك الحقبة.

الكاتب الألماني «أوهلر» الذي يعيش في الطابق العلوي من مبنى سكني يمتد تاريخه إلى القرن التاسع عشر على الضفة الجنوبية لنهر شبرية في كروزبرج ببرلين، كان قد كتب كتابًا أسماه «The Total Rush» – أو باللغة الإنجليزية الأسمى، «Blitzed» أو (الثمل) – الذي يكشف عن علاقة «الرايخ الثالث» مع المخدرات، بما في ذلك «الكوكايين، والهيروين، والمورفين، والميثامفيتامين»، أو كما يطلق عليه «الكريستال ميث» .

تقرير الصحيفة البريطانية أشار إلى أن القصة المذهلة التي كشف عنها الكاتب الألماني، لم يكن تأثيرها فقط على الأيام الأخيرة لـ«هتلر»، ولكن على غزو الجيش الألماني الناجح لفرنسا في عام 1940.

نُشر الكتاب في ألمانيا العام الماضي، حيث أصبح من أكثر الكتب مبيعًا، كما تمت ترجمته إلى 18 لغة، وهو ما كان مذهلًا بالنسبة للكاتب «أوهلر».

حاز الكتاب على ثناء الكثيرين باعتباره قطعة تاريخية رائعة، وكان من بين من أشادوا بالكتاب «إيان كيرشو»، المؤرخ البريطاني الأكثر المامًا بتاريخ «هتلر» والنازية.

جمهورية فايمار

بحسب التقرير، كان أول من طرح على «أوهلر» فكرة كتابه صديقه من برلين «الكسندر كرامر». ويقول عنه «أوهلر» « كانت لديه مكتبة ضخمة، وقال لي ذات ليلة: هل تعرف أن المخدرات لعبت دورًا ضخمًا في الاشتراكية القومية، قلت له لا، إلا أنه بدا صحيحًا – وعرفت على الفور أن ذلك سيكون موضوع كتابي القادم».

وقال التقرير إن القصة التي يحكيها «أوهلر» تبدأ مع أيام جمهورية فايمار (الجمهورية التي نشأت في ألمانيا في الفترة من 1919 إلى 1933 نتيجة للحرب العالمية الأولى وخسارة ألمانيا للحرب)، حيث كانت صناعة الأدوية مزدهرة في ألمانيا، وكانت البلاد أحد أكبر المصدرين للمواد الأفيونية، مثل المورفين والكوكايين وكانت الأدوية متوفرة بشكل مكثف.

خلال هذه الفترة صورت الدائرة الداخلية لـ«هتلر» الزعيم النازي باعتباره شخصية لا يمكن تعويضها، وأنه كان على استعداد للعمل بلا كلل نيابة عن بلاده، وبأنه لا يسمح بدخول السموم – ولا حتى القهوة – جسده.

قال عنه أحد حلفائه – بحسب تقرير الغارديان – إنه عبقري وقوي البنية ولا يمس النساء. وفي عام 1933، عندما استولى النازيون على السلطة في البلاد تم حظر المواد المخدرة حظرًا جنائيًا، وكان تعاطي المخدرات أيضًا مرتبطًا باليهود.

ومع ذلك، كان استخدام بعض العقاقير ضروريًا، خاصةً في ظل الجحيم الذي يحياه المجتمع كي يواكب حيوية «هتلر»، فقد أمر النازيون ألمانيا بالاستيقاظ، ولم يكن أمام الأمة خيار سوى الانتباه، لذا من الجائز السماح بأي مادة يمكنها دفع كل متهرب أو متمارض أو متخاذل أو متوجع إلى سوق العمل.

عقار Pervitin

أشار التقرير إلى ما ذكره «أوهلر» من أن الدكتور «فريتز هاوسشيلد»، رئيس الكيميائيين في شركة «تيملر» ببرلين، كان قد بدأ بمحاولات تطوير مخدر عجيب، كان قد استوحى فكرته من نجاح استخدام منشطات «البنزيدرين» الأمريكية في دورة الألعاب الأولمبية عام 1936، وبعد عام حاز على براءة اختراع أول منشط «ميثيلي» ألماني، وهو المخدر الذي عرف باسم «Pervitin».

وبطبيعة الحال، لم يمض وقت طويل قبل أن يعتمد الجنود على ذلك العقار الذي وصف حتى للنساء لمساعدتهن على القيام بالمهام المنزلية وحتى على فقدان الوزن.

في كتابه، استنسخ «أوهلر» رسالة أرسلت في عام 1939 من قبل الجندي الألماني «هاينريش بول»، الحائز على جائزة نوبل في الآداب فيما بعد، من خط المواجهة إلى والديه يطلب فيها المخدر الذي عرف باسم «Pervitin»، وهو الطريقة الوحيدة التي عرفت لمحاربة العدو الكبير، النوم.

وقال التقرير إن العقار كان الأداة الفعالة لجنود الجيش الألماني، بحسب ما توصلت إليه الاختبارات أنذاك، حيث كان «Pervitin» يساعد الجنود على التغلب على الشعور بالنعاس وكذلك التغلب على الضغط خلال المهام القتالية.

المخدرات واجتياح فرنسا

وأضاف التقرير أنه وبالتزامن مع وضع خطط لاجتياح فرنسا من خلال جبال «أرين» في عام 1940، فقد صدرت تعليمات لأطباء الجيش الألماني بمنح حبة واحدة من العقار لكل جندي ألماني خلال اليوم وحبتين خلال الليل، وحبة واحدة أو حبتين بعد ساعتين أو ثلاثة كلما كان الأمر ضروريًا.

وتساءل التقرير: هل كان شروع الجيش الألماني في العمليات العسكرية الخاطفة نتيجة اعتماده على «الكريستال ميث»؟ وكيف تناول «أوهلر» هذا الموضوع؟

«أوهلر» نقل عن «هانز مومسن»، المؤرخ الألماني الكبير للرايخ الثالث، قوله إنه لم يكن هناك سبب أحادي للقيام بتلك العمليات الخاطفة، مضيفًا أن اجتياح فرنسا كان أمرًا ممكنًا بفعل المخدرات.

المؤرخ الألماني للرايخ الثالث أضاف بأن «هتلر» كان معجبًا بفكرة اجتياح فرنسا عبر جبال أرين، إلا أن القيادة العليا الألمانية أبدت تخوفها من أن قواتها ستكون بحاجة للتوقف أثناء الليل ما سيمنح قوات الحلفاء فرصة التراجع وترك القوات الألمانية عالقة في الجبال.

أعقب ذلك صدور مرسوم المنشطات، ما مكن القوات الألمانية من البقاء مستيقظين لمدة ثلاث أيام وثلاث ليال.

سلاح فعال

استخدام القيادة العليا في ألمانيا للمخدرات كسلاح فعال بدا ظاهرًا في المواقف المحرجة، وفق ما ذكره التقرير. بين عامي 1944-1945، استخدمت البحرية الألمانية غواصة تسع رجلًا واحدًا عندما اتضح أن النصر على قوات الحلفاء بات شبه مستحيل.

كان استخدام غواصة تسع رجلًا واحدًا فكرة رائعة، حيث أن غواصة بهذا الحجم كان من السهل أن تأخذ طريقها حتى مصب نهر التايمز، ولكن ذلك كان مرهونًا ببقاء هذا الرجل مستيقظًا لعدة أيام متواصلة. وهنا تم الاعتماد على خيار البدء في تطوير دواء خارق وهو علكة الكوكايين.

في ذلك الوقت في برلين، كان «هتلر» يواجه آلامًا معوية حادة ليصف له دكتور «موريل»، طبيبه الشخصي، تناول « Mutaflor»، وهي تركيبة تعتمد على البكتيريا، وبدأ علاج «المريض A»، وهو المسمى الذي أطلقه على «هتلر».

وفي عام 1941 وحينما أصيب «هتلر» بمرض خطير بدأ الدكتور «موريل» بإعطائه مخدرًا خليطًا من الأفيون ومواد قريبة من الهيروين، وهو ما كان له أثر بالغ في بقاء الزعيم النازي في حالة منتشية طوال الوقت.

ولكن هل تعمد «موريل» تحويل «هتلر» إلى شخص مدمن؟

ينقل التقريرعن «أوهلر» قوله إنه لا يعتقد أن «موريل» تعمد تحويل «هتلر» إلى مدمن؛ لأنه كان محل ثقته، وتصدى «هتلر» لمحاولات إبعاد «موريل» عنه في خريف 1944، وكان يعتقد أن ابتعاد «موريل» عنه، سيتسبب في القضاء عليه.

أدرك «هتلر» أنه مدمن في وقت متأخر جدًا، حينما أخبره أحد الأشخاص أنه تم إعطاؤه مواد مخدرة طوال الوقت.

ولم يكن «هتلر» الزعيم الوحيد من بين قادة دول المحور، الذين كانوا يتناولون مواد مخدرة بحسب التقرير.

ففي إيطاليا – حيث سيعرض كتاب Blitzed بفصل إضافي، وجد أن «موسوليني»، حاكم إيطاليا ما بين 1922 و1943 وشغل منصب رئيس الدولة الإيطالية ورئيس وزرائها وفي بعض المراحل وزير الخارجية والداخلية. وهو من مؤسسي الحركة الفاشية الإيطالية، وجد أنه كان أحد مرضى «موريل».

ونقل التقرير عن «أوهلر» قوله إنه ليست هناك وثائق كافية للقول بأن الزعيم الايطالي كان مدمنًا للمخدرات، ولكنه كان يتعاطى نفس الأدوية التي كان يتناولها «هتلر».

وفي عام 1945، وبعد شهرين فقط من قصف المصانع التي كانت تنتج العقاقير التي كان يتناولها «هتلر» انتحر الزعيم النازي مع زوجته «ايفا براون».

يخلص التقرير إلى أن كتاب Blitzed يعيد صياغة الطريقة التي يتم النظر بها عن الرايخ الثالث في المستقبل. ولكن بحث «أوهلر» لن يجعل الاشتراكية القومية تبدو مفهومة، وبالنسبة له يبدو ذلك مخيبًا للأمال، فهو الشخص الذي سعى وراء ذلك منذ أن كان صبيًا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد