تكشف المؤرخة إيما بوتشر المزيد عن مجموعات «شباب هتلر» وتشرح كيف أصبح المجندون الشباب فيها هم خط المواجهة الأخير لألمانيا.

كتبت الدكتورة إيما بوتشر زميلة وباحثة في مجال المهنة المبكرة بجامعة ليستر. وهي مؤلفة كتاب «الأخوات برونتي والحرب»، مقالًا في موقع هستوري أكسترا وهو الموقع الرسمي لمجلة هيئة الإذاعة البريطانية التاريخية، حول لجوء ألمانيا في أيام الحرب العالمية الثانية للزج بالأطفال في أتون معركة ضارية على خط المواجهة مع قوات الحلفاء في محاولة لانتشال هتلر من الهزيمة الوشيكة، وهو الأمر الذي لم ينجح في نهاية المطاف وعرّض الأطفال لوحشية الروس القاسية بدلًا من حمايتهم.

تاريخ

منذ سنة واحدة
معركة الثغرة.. رقصة هتلر الأخيرة التي كادت تقلب مسار الحرب العالمية

وتستهل الكاتبة مقالها بنبذة عن المنظمات الشبابية التي أنشأها هتلر فتقول: بدأوا كمجموعات شبابية مصممة لتعليم الأولاد والبنات الألمان المبادئ النازية، وتأمين بقاء الرايخ (الإمبراطورية الألمانية) للأجيال القادمة. ولكن على مدار الحرب العالمية الثانية، أصبحت أندية مثل «شباب هتلر» جيوشًا احتياطية لألمانيا، حيث سُلّح الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 عامًا وأُرسل المراهقون لمحاربة القوات السوفيتية في خط المواجهة.

وفي 14 سبتمبر (أيلول) عام 1935، صعد أدولف هتلر إلى المنصة في مواجهة حشد قوامه 50 ألف شخص في أرض التجمع في نورمبرج. وكانت قبضتاه مضمومتين، وتحدث بنبرة حادة وغاضبة أسرت مستمعيه. وكان الحشد بأكمله هذه المرة مكونًا من أعضاء شباب هتلر، وهي منظمة أنشأها هتلر عام 1933 لتعليم الأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين 10 إلى 18 عامًا المبادئ النازية. وفي خطابه، استشهد هتلر ببيانه الصادر عام 1925، «كفاحي» واصفًا الشخص المثالي في شباب هتلر بأنه: «رشيق ككلب صيد، وقاسٍ كجلد مدبوغ، وصلب كالفولاذ».

كم عدد الأطفال الذين التحقوا بشباب هتلر؟

كان الشباب هم مستقبل بقاء النظام النازي، وكان نشاطهم القتالي الموحد أمرًا حيويًا لرؤية هتلر الطوباوية لوطن مزدهر. وعندما ألقى خطابه عام 1935، انضم ما يقرب من 60% من الأولاد الألمان إلى شباب هتلر، وفي عام 1936 أصبحت المنظمة وكالة حكومية كان من المتوقع أن ينضم إليها جميع الشباب الآري من أجل تعليمهم جسديًا وفكريًا وأخلاقيًا. في الواقع، أصبحت مجموعة الشباب لا مفر منها – فجميع الجماعات الشبابية الأخرى إما جرى تفكيكها أو استيعابها في الحركة، والفرص في المعسكرات الصيفية والمرافق الرياضية أصبحت متاحة فقط للأعضاء.

Embed from Getty Images

وبحلول أوائل عام 1939، كان حوالي 82% من الأولاد المؤهلين في الرايخ الأكبر (الاسم السياسي الرسمي الذي حاولت ألمانيا النازية تأسيسه في أوروبا) ينتمون إلى شباب هتلر، مما جعلها أكبر منظمة شبابية في العالم. وفي 25 مارس (آذار) 1939، تم تشديد قانون العضوية وأصبح إلزاميًا على جميع الألمان الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عامًا الانضمام، وتعرض أولئك الذين لم يمتثلوا للتهديد للملاحقة الجنائية، بما في ذلك الآباء الذين رفضوا التخلي عن أطفالهم الصغار.

وتوضح الكاتبة أن التقسيم حسب الجنس كان أمرًا بالغ الأهمية في الإستراتيجية النازية؛ إذ كان الأولاد يُعدون جنود المستقبل للقضية النازية. وعليه، صُمم كل نشاط من المستوى المحلي إلى المستوى الوطني بحيث يدور حول القوة البدنية وتجربة التدريبات العسكرية والأسلحة.

رابطة الفتيات الألمانيات

في غضون ذلك، كانت الفتيات جزءًا من منظمة مختلفة، تحمل اسم «رابطة الفتيات الألمانيات». على الرغم من تقدير اللياقة البدنية، إلا أن الرياضة كانت تميل إلى التركيز أكثر على الوحدة والعمل الجماعي، مثل الجمباز المتزامن.

وكانت الرابطة مهتمة في المقام الأول بتعليم الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 10 و18 سنة المهارات المنزلية مثل الطبخ والخياطة والإسعافات الأولية، بشكل أساسي الأدوار المعيارية التي تضمن الزواج والأمومة الجيدين. كما كتبت إلسي ماكي في سيرتها الذاتية عام 1960 المعنونة بـ «غد العالم»: «كنا أمل ألمانيا في المستقبل، وكان من واجبنا تربية وتنشئة الجيل الجديد من الأبناء والبنات الذين سيواصلون حمل تقليد الرايخ القديم المستمر منذ ألف عام». كان الشباب يُعدّون من أجل الجيل القادم، وكان النظام النازي في طريقه للسيطرة على العالم والحفاظ عليه.

شباب هتلر وأرنب جوجو

في فيلم «الأرنب جوجو» الذي صدر مؤخرًا، من إخراج النيوزيلندي تايكا ويتيتي، تركز الحبكة على صبي صغير اسمه جوجو يعيش في ألمانيا النازية قرب نهاية الحرب. صديقه الخيالي هو نسخة طفولية ولكن داعمة من هتلر، يشجعه على أن يكون النازي الذي يحلم أن يكونه.

الفيلم مثير للاهتمام لأنه يسلط الضوء على دور الأطفال الألمان خلال السنوات الأخيرة من الحرب، حيث انتقلوا من قوة الوطن والأمل في المستقبل، إلى أسلحة «الحاضر». كان الحديث المتشدد الذي حث الرعايا الصغار على تكريس أنفسهم لقوة الوطن والدفاع عنه ملزمًا.

وفي الفيلم، في معسكر شباب هتلر، تلقى جوجو تعليمات بقتل أرنب، وقيل له «نريد محاربين ذوي صلابة – أولئك الذين هم على استعداد للقتل كما يحلو لهم». هذا مشابه لقسم شباب هتلر: «لأكن مستعدًا كجندي شجاع، أن أخاطر بحياتي في أي وقت من أجل هذا القسم».

المجنّدون الشباب

وتلفت الكاتبة إلى أن خطاب الحرب أصبح جزءًا مهمًا من هويات الأطفال الألمان؛ إذ بحلول عام 1943، لم يعد قسم المقاتلين هو النشيد الذي يتردد في أطراف المخيمات بل تعهدات حقيقية، في الوقت الذي استخدمت فيه شباب هتلر ورابطة الفتيات الألمان باعتبارها وحدات احتياطية بسبب استنزاف القوى العاملة الألمانية. وبحلول عام 1945، كانت قطاعات من الجيش الألماني، مثل «عاصفة الشعب»، تستخدم أطفالًا لا تتجاوز أعمارهم 12 عامًا، وكانت هناك وحدات من حرب العصابات تتكون كلها من الفتيات. وأصبح هؤلاء المجندون الشباب خط المواجهة الأخير لألمانيا.

وفي 20 أبريل (نيسان) 1945، عندما كانت الحرب تقترب من نهايتها، عُرض 19 فتى تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عامًا أمام ملجأ هتلر، حيث قتل نفسه لاحقًا. وبُثت اللقطات على شكل نشرة إخبارية في عدد قليل من دور السينما التي ظلت صامدة في برلين. وعُلق الصليب الحديدي على صدور الصبية وظلت كلمات هتلر المتنافرة متفائلة، وأبويّة تقريبًا: «على الرغم من خطورة هذه الأوقات، ما زلت مقتنعًا تمامًا بأننا سوف نحقق النصر في هذه المعركة، وقبل كل شيء من أجل شباب ألمانيا وأنتم، يا أولادي».

تذكر الكاتبة أن أحد هؤلاء الأولاد هو ألفريد تشيك، المعروف باسم بطل هتلر الأصغر، والذي حصل على ميداليته في إنقاذ الجنود الألمان عندما تعرضت قريته للهجوم. وفي عام 2005، أُجريت معه مقابلة حول لقائه وانتقاله السريع إلى الجندية في قوات عاصفة الشعب فقال: «بوصفي صبيًّا صغيرًا، لم أكن أفكر كثيرًا، أردت فقط أن أفعل شيئًا من أجل شعبي». وتابع: «لم أكن أعتقد أنه من الجنون إرسال الأطفال إلى المعركة. لقد كانت حربا». يشير توني باترسون الذي أجرى المقابلة معه، إلى أن تشيك لا يزال لديه صورة للقائه معلّقة على الحائط خلف ببغائه. وبالنسبة للعديد من شباب ألمانيا، استمرت فكرة «الوطن»، وظل أطفال هتلر يثقون في كلمات الزعيم.

أطفال على الخطوط الأمامية

أدى التصميم الأعمى لألمانيا المهزومة إلى دفع النظام للأطفال للمشاركة في المواقف الخطرة والمخاطرة بالموت شبه المؤكد. وواحد من أكثر المواقف إثارة للصدمة التي وجد الأطفال أنفسهم فيها هي التسلح بالقاذفات المضادة للدروع والمدافع المضادة للطائرات. وفي فيلم الأرنب جوجو، يكون هذا الحادث موضع سخرية عندما يكافح يوركي صديق جوجو لحمل أحد الأسلحة، وهو ضعف حجمه، مما يؤدي إلى إسقاطه وتفجير مبنى عن طريق الخطأ.

Embed from Getty Images

وفي الواقع، لم تكن المشاهد مختلفة كثيرًا عن هذا، ففي معركة برلين في أبريل ومايو (أيار) 1945، كان الفتيان والفتيات على خط المواجهة يستعينون بتدريبهم شبه العسكري في محاولة أخيرة لوقف غزو الجيش السوفيتي لبرلين. حتى أنه كانت هناك محطة إذاعية، هي راديو فيرفولف، التي كانت تحشد الأطفال بالقول: «أن تكون ميتًا أفضل من أن تكون شيوعيًّا».

وأثناء المعركة، رصدت فتاة صغيرة تُدعى تيريزا مويل، مع صديقتها أنيليسي، دبابة سوفيتية تتجه نحوهما. أعطت أنيليسي تيريزا القاذف المضاد للدروع وأطلقته: «كان هناك وميض تلاه نفخة من الدخان. فجأة، انفجر غطاء الدبابة، تبعه اندفاع من اللهب الأحمر والأصفر والشرر». وفي وقت لاحق، تتذكر تيريزا أن جنودًا سوفييت أسروها وصديقتها وقيدوا أيديهما وكمموا أفواهما، وكان يحيط بِهم بحر من الرؤوس الألمانية المقطوعة، بينما كان آسروهم يتبولون على ملصق لهتلر.

تاريخ

منذ 7 شهور
بريطانيا كانت تسترضي هتلر.. السياسة التي تسببت في قيام الحرب العالمية الثانية

تقول الكاتبة إن هذه لم تكن مواجهة استثنائية، فخلال الأسابيع الأخيرة اليائسة لألمانيا، جُمع المزيد من الأطفال وأُخرجوا من مدارسهم وأُرسلوا إلى الخطوط الأمامية لمواجهة السوفييت. وذكر هاينز شويتز في وقت لاحق أنه كان في الـ15 من عمره عندما أُلبس زي الوحدة الوقائية SS وأُرسل لمحاربة القوات السوفيتية على خط المواجهة بعد أن تلقى تدريبًا لمدة نصف يوم على القاذفات المضادة للدروع.

ويتذكر جونتر دولني، أحد الناجين من المواجهات السوفيتية، كيف «أن السوفيت لم يرحموا الأطفال، لاسيما من كان يرتدي زي الوحدة الوقائية». ومخالفة لجميع قوانين ومبادئ الحرب، أظهرت الوحشية التي ظهرت في هذه المعارك الأخيرة أن الأطفال لم يكونوا موضع حماية، بل مجرد هدف سهل المنال.

الشباب من أمل لهدف يسهل التخلص منه

تختم الكاتبة مقالها بالقول: طوال فترة الحرب، تحولت مجموعات الشباب الألمانية من الأندية المقسمة على أساس النوع والتي ضمنت القوة المستقبلية لألمانيا إلى جيوش احتياطية مكونة من مجندين مصغرين، ثم إلى وقود للحرب. وفي حين أن الشباب الألماني كان يمثل يومًا ما العمر الطويل للرايخ ومثالًا لقوته، سرعان ما أصبح كل طفل جاهز لاستخدامه والزج به في أتون المعركة عندما تحطمت كل الآمال المستقبلية بسبب الهزيمة الوشيكة.

Embed from Getty Images

ومن خلال الشهادات، والآن من خلال الأفلام، يُسلط الضوء على تجارب هؤلاء الأطفال، مما يوضح كيف تعتمد الأيديولوجيات على تعبئة الشباب، وكيف يمكن التلاعب بأجيال بأكملها وتحويلها إلى أسلحة وجنود.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد